نَكْتُ الهِمْيان في نكت العُميان

استعاد مسنّ تونسيّ تجاوز الثمانين من عمره بصره الذي فقده في مرحلة أولي في عينه اليمني بعد ولادته بستة أشهر ثم في عينه اليسرى في مرحلة لاحقة. ونقلت صحيفة ” الصباح ” التونسية عن الطبيبة التونسية زينب بن زينة قولها إنّها تمكّنت من إعادة البصر لهذا الشيخ من خلال زرع قرنيّة في عينه اليمني. وأوضحت أنّ هذا المسنّ زارها في مستشفي بولاية صفاقس وعرض عليها حالته حيث تبيّن، بعد الفحص، أنّ عينه اليسرى لم تعد قابلة لأيّ علاج. وأضافت أنّها فكّرت في محاولة إرجاع البصر إلي العين اليمني التي كان قد ذهب بصرها منذ الشهور الستّة الأولى من عمره، وقالت إنّها قامت بأبحاث مدقّقة علي مدي عام كامل لتقرّر، في آخر الأمر، إجراء عملية جراحية علي هذه العين اليمني ولتحصل المعجزة .وأشارت إلي أنّه، بعد إجراء العملية الجراحية بأيّام وبمجرد أنْ رفعت الضمّادة علي هذه العين، تهلّل وجه الشيخ فرحا، وأبلغها أنّه أصبح يرى كلّ ما حوله بوضوح تام .

هنيئا لهذا الشيخ بعودة البصر، ولا شكّ في أنّه يتأمّل، وقد سقط عنه الحرج، بكل لهفة وبراءة وفضول، في الوجوه والناس والبناءات والسيّارات. على أنّه، وقد جاوز الثمانين دقّاقة الرقاب، تلك التي أحوجت زهيرا إلى ترجمان، سيحار طويلا أمام سؤال: هل الخبر كالعيان؟ وهل في أرذل العمر ترتدّ إليه عينه كي تشهد على تصرّم أيّامه فتسعف بالبكاء؟

كان عمر الخيّام قد ألمح إلى شيء شبيه بهذا حين احتذى نزيل المعرّة في بيته المشهور:

خفّف الوطء ما أظنّ أديم ال — أرض إلاّ من هذه الأجساد

ببيت أخبر به أنّه من حُذّاق السُّرّاق:

فامش الهوينا إنّ هذا الثرى — من أعين ساحرة الاحورار

هل كان الخيّام، من فارس، إلاّ يستحضر عينيْ أبي العلاء المطفأتيْن، في الشام، حين استبدل بالأجساد الهامدة العيونَ التي في طرفها حور؟ أم يكون قد أومأ إلى هول مقام الموت وغفلة الكائن عنه.

ومن أغرب ما قرأت عن تعليل العمى ما ذكره الصفدي في كتابه ” نكْت الهميان في نُكَت العميان ” : قيل إنّ العمى شائع في بني عوف. إذا أسنّ الرجل منهم عمِي. وقلّ من يفلت عن ذلك. ولذلك قال أرطأة بن سُهيّة يهجو شبيب بن البرصاء:

فلو كنتَ عَوفيّا عميتَ وأسهلت — كذاك ولكنّ المريب مُريب

فقيل إنّ أرطأة لمّا قال هذا الهجو، كان كلّ شيخ من بني عوف يتمنّى أن يعمى. وقيل إنّ أبا العيناء لقي جدّه الأكبر عليّ بن أبي طالب، فأساء مخاطبته فدعا عليه وعلى ولده بالعمى. وكلّ من كان منهم أعمى فهو صحيح النسب.

ومن أظرف ما قرأت عن نوادر العميان قول بعضهم: رأيت أعمى يجلد عميرة ويقول: فديتك يا سُكَينة ! قال: فتناولت خشبة ولطّختها بالخراء ومسحتها بسباله ( إزاره ). فلمّا شمّها، جعل يقول: فسيْتِ يا سُكينة !

ومن أجمل الشعر ما قال صالح بن عبد القدّوس في ذهاب عينيه:

عزاءَك أيّها العين السَّكوبُ — ودمعَكِ إنّها نوب تنوب

وكنت كريمتي وسراج وجهي — وكانت لي بك الدنيا تطيب

فإنْ أكُ قد ثكلتك في حياتي — وفارقني بك الإلفُ الحبيب

فكلّ قرينة لا بدّ يوما — سيشعب إلفَها عنها شَعُوبُ

على الدنيا السلام فما لشيخ — ضرير العين في الدنيا نصيب

يموت المرء وهو يعدّ حيّا — ويخلف ظنَّه الأملُ الكذوب

يمنّيني الطبيب شفاء عيني — وما غير الإله لها طبيب

إذا ما مات بعضُك فابك بعضا — فإنّ البعض من بعض قريبُ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق