هجرة غير شرعيّة

حيثما تطأ أقدامهم تكون الأرض.

المكان ليس بذي شأن

فالمكان الآسر على مشارف الحلم

ولا حظوة إلا للمسير.

* * *

خذيني إليك

أيّتها الأنحاء البعيدة

ولن أعود يوماً لأثبت كرويّة الكوكب.

* * *

هو ارتحال

لتنزاح الكلمة عن المعنى

ويلتبس الحلم بوحشيّة الحلم

وتبكي الأمّهات

وهنّ يعدّدن فضائل الأبناء

الذين لم يكونوا أبداً بارّين

ولا تمهّلوا لحظةً لنيل البركة

ولا نظروا إلا إلى أمام

يحدّه أمام آخر.

* * *

الذين أيقظوني مع الفجر وقالوا:

أنت من سلالة الذئب

عينك الوحشة

قلبك الصلد

وساقاك من الريش.

فرادى

وجماعات صغيرة

يعبرون الحدود بالزوارق أو الصهاريج

أو مشياً على الأكواع

أو تحت رصاص القنص

أو يعبرونها بالخيال

يؤلّفون حياة تشبه حياتهم هناك

فتنعم أرجلهم بالخفّة

وتقوى عيونهم في الضباب.

هي أرض

لا كما عرفوا الأرض.

أرض مجرّدة

لم ترتوِ يوماً بدماء أسلافهم

وليس لترابها ذلك الثمن

أرض تكتفي بنصيبها كأرض للعيش

وتترك لهم حريّة التزاوج

وأن ينجبوا أطفالاً بلسانين.

* * *

أنا حارس المقبرة

طفلي مات

قبل أن ينبت له لسان.

صنعتُ له جناحين من ورق

ودرّجته على الهواء

من أجل أن يأكله دود لا أعرفه.

* * *

المشقّة تُرى.

القصد تخبئه جثث تعلق في المضيق

أو تتدلّى كثوب متهتّك على السياج المكهرب.

لم يفكّروا بحال الغريق

إذ تطفو وراءه أوراق مزوّرة

وليس على الشاطئ مَنْ يعيد إلى الجسد

اسماً ماضياً

أو يقترح حزناً

يليق بالجبهة المهشّمة

ويحفظ للفؤاد ملح الليالي القادمة.

* * *

الحيلة قلّتْ

الحيلة تخذل الجسد

لكنّ الروح تهاجر

تضيق بما يشدّها إلى التراب فتنفر.

أرواحهم الهائمة

يتنشّقها المقيم

فتنقل إليه العدوى.

* * *

الروح وصف للسفر

حينما تركن الأقدام إلى المكان الجديد

وينعس المهاجر

وهو يتلذّذ برؤية سلالته الهجينة.

والروح تخذل نفسها

إذ يتسرّب من الشقوق

هواءُ الحنين

الهواءُ الأصفر للحنين

هواء العَرَق البارد

والكمّادات التي ترطّب التناحر في الرأس

هواءُ الخيبة

تُرفَع إلى فراشها الوثير

وتستدير برأسها إلى الحائط.

* * *

لم أعرف غيرها

لأحبّها.

ولدتُ حين كفَّ الغرباء عن المجيء

وتركوني أقتتل مع أشباهي

تركوا لي دماً صافياً

لأنظر فيه وأرى غربتي.

* * *

البشرة تفضح الغريب

لونُ الحدقة

واللسان.

الذين تخلّوا عن أرض سابقة

الغرباء بين أهليهم

بالكاد حملوا معهم مؤونة الطريق

ألقوا بالعواطف كمتاع زائد عند الحدود.

لم يأخذوها معهم

لم تلحق بهم

الغربة تسبق

وتستقبل صاحبها.

* * *

وددتُ لو، مثل طفل، أسأل:

ما الذي في البشرة الغامقة

يدعو إلى السفر؟

ما الذي في الشمال يشدُّ؟

ما الرغبة؟

لا يردعها خوف

ولا مجهول

ولا الشظف.

وددتُ لو مثل طفل أُحمَل بعيداً

وأضع إبهامي في فمي

وأنام على هدير المحرّكات.

* * *

في الطريق إلى الهند

يعثرون على أمريكا.

لم يُقيَّض لهم ذلك الزمن

حيث ترسو بهم السفن

ليبيدوا سكّاناً أصليّين

ويرثوا عنهم زراعة التبغ.

خطاهم تدوس على خطى سابقة

خطى يسوقها السأم

ولا يعترضها كشف باهر

لا يستوقفها سوى الحرس

أو حرص الغريب

حين يسمع همهمة غريبة

وتفاجئه المطارات الكبرى

بضآلة الشأن.

* * *

لا تفي بالغرض

محروثة أكثر مما ينبغي

ويتوالى على تربتها سدنة

يجتثّون الأعشاب البرّيّة.

التفّاحة مأكولة من كلّ أطرافها

ولا تشبه رسم التفّاحة.

الأحلام ليست في هذه الأرض

الأحلام

دائماً في أرض أخرى.

* * *

ليست أحلاماً

إنها ذاكرة أحفادهم

عن الأجداد الذين قدموا من الأماكن القصيّة

وأطلقوا رصاص الرحمة على أحلامهم

الذين فقدوها

لمّا عاشوا فيها.

* * *

في الرسائل نتبادل الحسد

ولا يعودون

فقط يداعبون الرغبة

في اقتفاء الأثر.

* * *

الرغبة ليست رجلاً أو امرأة

هي جنس غامض

فائض يسيل

ووحش لا يرتوي

هي إشارة الاستفهام في أول سطر

شرودٌ عن الفكرة

جنوح عن الممكن

الرغبة سفرٌ

لا تهدأ ولا تأوي إلى سرير الراحة

ولكن قد تُحمَل مثل طفل

وتضع إبهاماً في الفم

وتنام على هدير المحرّكات.


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق