هذا هو جسدي.. هذه هي أنا

أحتاج إلى رجل.
لماذا لا أستطيع قولها بصوت عالٍ؟!

لماذا لم تستطع النساء اللواتي كتبتُ عنهنّ أن يجهرن بها هكذا، على الرغم من الجرأة التي حاولتُ زرعها فيهنّ؟

هكذا.. رجل. لا حبيب، ولا صديق، ولا زوج.. رجل بلا سياق عاطفي. ألا تمرّ لحظات يشتهي فيها الرجال امرأة لا على التعيين؛ أنثى وحسب؟ ويعبّرون عن رغباتهم بصراحة وبلا خجل؟ أنا أيضاً مررت بها، شعرت بالحاجة إلى رجل، رجل لا يكون حبيباً أو صديقاً، رجل.. ربما لليلة واحدة فقط. ليلة واحدة.. لا مسؤوليات بعدها، لا التزامات، لا غضب أو شجارات، ولا مشاعر تؤرّق البال.

رجل لا يعتقد أنه امتلكني بمجرد قضاء ليلة معي، ولا يحمّل الكلام الحميم الذي يُقال حينها أكثر مما تحتمله اللحظة. قد نكرر اللقاء إذا رغبنا في ذلك، لكنّه لا يدفعني بإلحاحه إلى التهرّب أو الهروب. لعلّها فكرةُ رجل، ففي الواقع لم أصادف رجلاً من هذا القبيل. أحياناً قاربت على الشعور بالندم لتركي قيس، ما دام كل الرجال مثله.

لن أتحدث عن الشبهات أو الأقاويل التي تطال امرأة تعيش بمفردها، خاصةً عندما تكون مطلَّقة. لن أنفي ما يدور في مخيلة البعض، ولا أحسب جسدي تهمةً عليّ التنصل منها. ليس في رغباتي ما يعيب، ومن حقي الصراخ بقوة عن كل الليالي الموحشة التي قضيتها وحيدة، عن الحبوب المهدّئة التي عدت إلى تناولها بين فترة وأخرى. من حقي التحدث بالفم الملآن عن اللحظات التي اشتهيت فيها رجلاً، وأحجمت عن تنفيذ رغبتي خوفاً من الآخرين، أو نفذّتها سرّاً وأنا أشعر بأنني أختلس جسدي، الذي هو لي، من الآخرين.

أودّ أن أتجرأ على الوقوف في الضوء، وإشهار كل ما يدور في الأذهان أو يتمّ تداوله همساً. أودّ أن أرمي جسدي في وجوه الآخرين.. نعم، هذا هو جسدي، هذه هي أنا.

أنا أيضاً أحسّ بنفسي أحياناً كثمرة ناضجة على وشك أن تتشقق، أحس بجسدي ينتفض عليّ، يفيض عن الحدود التي أضعها له، يوقظني في الرابعة ليلاً مثل صداع مزمن.. ساقاي مضمومتان بقوة، لا شيء بينهما سوى السخونة التي تتدرج بازدياد إلى الأعلى. الحرقة بين الفخذين تنهش داخلي كلّه، تنتقل إلى صدري، إلى مقدمة أنفي، إلى حلمتي أذنيّ. وحيدة وفارغة في الرابعة ليلاً أشتهي رجلاً أمتلئ به، فأرتعش مع تلك الدفقات المتقطعة الساخنة، ثم أعود إلى نوم لا تؤرّقه الوحشة.

لست أبالغ بالإلحاح على الجسد، ولم أكتب عنه على سبيل التحدّي أو الإثارة. أليس جسدي هو لحظة اصطدامي بالعالم وبالناس؟ ثم ما ذنبي إن كان الرجال لا يعرفون جيداً ما يعنيه الجسد للمرأة؟ لا يعرفون الناقوس الذي يدقّه جسد المرأة باستمرار، وفي أوقات محسوبة؛ المغص الذي يسبق الطمث، الوخزات الصغيرة التي تؤذن بموعد الإباضة، الرغبة الجامحة أيامَ الخصوبة وما يماثلها بعد انتهاء الطمث، الثديان اللذان يتحجران ويصبح لهما ثقل مؤلم، والنقاط الحليبية التي تنزّ من الحلمة بلا حمل. إنهم فقط يريدون جسداً جاهزاً وقت الجنس، وفيما عدا ذلك يشيحون بوجوههم عنه. وحتى الكتابات المثيرة لا بأس في صدورها عن رجل، أما أن تصدر عن كاتبة فلا.

الغيظ واليأس هما ما يدفعانني إلى الكلام السابق؛ بالتأكيد لا أريد رجلاً مجرداً.. ذكورة فحسب، بل رغبت دائماً في رجل مليء بالمشاعر.. رجل حسّاس، وأكثر ما عانيت منه هو انعدام الحساسية. إذا سُئلتُ: ما هو داء العصر؟ لأجبتُ بلا تردد: ضعف أو انعدام الإحساس بالآخر. فوجئت بهذا الواقع مع أول علاقة أعقبت انفصالي عن قيس؛ لم يكن شخصاً سيئاً، بل على العكس من ذلك هو من النوع الذي يوحي بالثقة، وأثبتت الأيام أنه أهل لها.

أحببته، حدث هذا بشكل متقطع، وعلى فترات متباعدة أحياناً، لكنني أحببته حقاً، وبادلني الحب بقوة. المشكلة مع رائد كانت في أنه كان يعشقني بشدة، وفيما عدا ذلك يكاد لا يحسّ بي. صبرت على ذلك أملاً في تغيير الحال، قلت لنفسي: ربما تكون حياة العزوبية الطويلة قد أثرت عليه، فلم يعد يتأقلم بسهولة مع وجود شخص آخر ملازم له. قارنت أحياناً بينه وقيس، بما أنهما في السنّ ذاته، بدا لي الفرق في أنه لم يعتد على حضور امرأة في حياته، بينما قيس لا يستطيع العيش بلا امرأة. على الرغم مما حصل بيننا لا أتخيل قيساً سوى كطفل يتوه إن بقي وحيداً، أما استعراضاته فليست إلا تغطية على ضعفه. رائد كان يتوه بوجودي، يحاول الاهتمام بي، لكن طبعه لا يسعفه، لا إحساس لديه بما تعنيه الأنوثة خارج أوقات الغرام. ثمة قيمة هامة افتقدتها لديه، وافتقدتها لدى الكثيرين فيما بعد، هي الحنان. حاولتُ مراراً إفهامه أن العناية بالشريك لا تقتصر على لحظات الجنس، لكنني لم أفلح في زحزحته، وكلما تعهد بأن يتغير عاد إلى ما هو طبع فيه. المؤسف أنه شعر بغبن شديد عندما أنهيت علاقتي به؛ لم يستوعب أبداً أهمية ما اختلفنا عليه.

بقينا معاً فترة تقارب السنة، وهذه أطول مدة أقضيها مع رجل بعد طلاقي. مرت أوقات اعتقدت فيها أن العلّة فيّ، وربما في أنوثتي؛ تساءلتُ عمّا إذا كنت أنثى طبيعية كالأخريات. صادفت رجالاً تستهويهم ممارسة الجنس معي ككاتبة، أكثر مما تستهويهم أنوثتي، كأن إغراء اسمي صار أكبر من جسدي. أنا بدوري أحسست أحياناً بأن اسمي صار أثقل مني، بات عبئاً عليّ، وودت لو أقدر على التخلص منه كما نفعل بثوب قديم.

علاقات متقطّعة، أو قصيرة جداً، لم تتجاوز بمجموعها أصابع اليدين، هذه هي حياتي العاطفية والجسدية خلال سبع سنوات. لا أدري لماذا أضطر إلى توضيح ذلك! ربما بسبب ما يتناهى إليّ أحياناً من أقاويل تدور حول هذا الجانب، وكأن الناس لا همّ لهم سوى ما أفعله بجسدي وكيف أقضي لياليّ. أما العيش بمعناه الواسع فلا أحد يكترث به، لا أحد يتساءل عن معاناة امرأة ترعى طفلاً، وتتحمل أقسى الظروف لكي توفّر له كلّ ما يلزم، أو ما يفيض عن حاجته.

متابعة قضايا مقيتة في المحاكم صباحاً، ثم الركض إلى روضة نرسيس، وفيما بعد مدرسته. لا أكاد أنتهي من الغداء وتغيير ثيابه، حتى يحين موعد إيصاله إلى بيت ميسون، وذهابي إلى المكتب بانتظار موكّلين غالبيتهم من الفقراء أو الأصدقاء. إيجار المكتب يرتفع سنة بعد سنة، وأضطر إلى الرضوخ أمام جشع المالك، أو البحث عن مكتب جديد. بالكاد تبقى لي ساعتان للقراءة أو الكتابة ليلاً، بعد نوم نرسيس. ومن ثم أنام وأفيق لأعود إلى الدوامة ذاتها.. دوامة اللهاث وراء لقمة العيش.

“لا أريد أن تنفق على ابني من أموال النهب والفساد” قلتُها لقيس، تشاجرنا، أصرّ على حقّه في رعاية ابنه، وبقيت على موقفي بأنني لن أسمح له بذلك ما دام يعمل في صحيفة يملكها ابن لضابط في المخابرات. ثار يومها، اتهمني بأنني أنتقم منه بحرمانه من الإنفاق على ابنه، سخر مني بالقول إنه يستردّ منهم ما هو حقّ لنا، هدّأ من غيظه أخيراً قائلاً: ستندمين. مرت أيام شارفت فيها على الندم، رأيت الحاجة تدفع بمن حولي إلى الالتفاف على قناعاتهم، وإلى تقديم التنازلات تلو التنازلات، وددت أحياناً لو أقدر على ذلك، لكنني حينها أتذكر قصة قيس عن الديّوث، فأخشى أن تنزلق قدمي إلى الدوامة التي تبتلعنا فرادى وجماعات. أخشى أن أتغير على نحو سيء، من دون أن أدرك أنني تغيرت؛ أخشى أن أنظر يوماً في المرآة فلا أجد نفسي.

التغيير.. بدأت هذه الكلمة تعني الانحدار نحو الأسوأ، وفي الواقع لم يعد من معنى لكلمة الأسوأ، فكلما ظننا أننا وصلنا إليه اكتشفنا فيما بعد ما هو أكثر سوءاً. بدأت الثروات التي تمّ نهبها بالظهور علناً وبوقاحة، جاء الوقت ليشتروا بأموالنا المنهوبة ما تبقّى لنا. مئات المشاريع التي توحي بتحسن الأمور، كلها مملوكة لهم، كل المشاريع الرابحة مُحتكرة لحفنة من أثرياء الفساد.

لا أريد بهذا التحدث في السياسة، فقد بتّ أكره كل ما له علاقة بالسياسة منذ مقتل عماد؛ فقدت الأمل بأي تحسن، وبأية محاولة من أجل الأفضل. ومع ذلك لا أستطيع التخلص من الإحساس بأنني أُسرَق يومياً، بأن هناك من يسطو على حياتي يوماً بيوم. أنظر إلى نرسيس، فأخشى ما تخبئه له الأيام هنا، أخشى أنه هو في المحصلة من سيتحمل نتيجة قراراتي، سواء كانت صائبة أو خاطئة. أتمنى أحياناً لو آخذه، ونمضي إلى جهة قصية من العالم، لأحميه من شرّ مجهول. أخشى، في المقابل، من أنانيتي أن تفسد عليه حياته. منذ ولادته لم يفارقني هذا الشعور؛ أنني في لحظة، ومن شدة حبي له، قد أتسبب في إيذائه. قيل لي إن هذا طبيعي إثر الولادة، والبعض من الأمهات آذين أبناءهن فعلاً، ما يخيفني هو بقاء هذا الإحساس ملازماً لي خلال السنوات الماضية كلها.

ثمة فكرة تنغّص علي العيش، وأحياناً تتسلل كالكابوس إلى مناماتي، هي أنني لا أصلح لأكون أمّاً. أشعر بتقصير، لا أدري ما هو، تجاه نرسيس. أقارن بين ما حلمت به وما يتحقق فأرى أنني لم أقدّم له ما وعدته به، وأنا أناجيه عندما كان جنيناً. أخشى ألا أكون أمّاً يحبها لمّا يكبر، أخشى ألا يعتزّ بي، أخشى أنه سيحاسبني أو يعاتبني، ثم يذهب بعيداً عني.

لقد حملت به في فترة مضطربة، تزامن ذلك مع موت رئيس وتسلّم رئيس جديد، أنا نفسي لم أسلم من التعلق بالآمال والأوهام حينها؛ بدا لي أنه هناك احتمالات وخيارات، وأنني قادرة على الإمساك بزمام حياتي بوجود ابن يمنحني الحصانة. سيطرت عليّ هذه الفكرة مع الرهبة المتولدة من إجهاضين سابقين، نمت مع ثلاثة رجال في أيام الخصوبة، وفي كل مرة كنت أضمّ فخذي على السائل بقوة. أريد طفلاً بأي ثمن.. هكذا كان لسان حالي. تلك كانت أنانيتي؛ لم أفكر سوى بحاجتي إلى طفل، لم أفكر بمصيره عندما يكبر. حتى، وأنا أدللـه، أنسى أو أتناسى أن حبي له على هذا النحو قد يفسده. أعترف لنفسي بأنني غير قادرة على ضبط انفعالاتي ومزاجي، غير قادرة على منحه التوازن العاطفي السليم.

لم أتوقع الوضع هكذا من قبل؛ أن يكون ابني نقطة قوتي ونقطة ضعفي في وقت واحد، لم أتوقع أن يؤرقني بدلاً من أن يقدّم وجوده المسرّة دائماً. كأن الفقد أصبح جزءاً من حياتي، فبتّ أخشى فقدان ابني أيضاً. يتسلل هذا الخوف إلى مناماتي، فأرى عشرات الأذرع تمتد لتخطف مني نرسيس، أذرع وشوارب لرجال لا أعرفهم، لكنهم يدّعون أبوّتهم له، ينازعونني عليه، أتشبث به حتى تخور قواي ويفلت من يدي. أستيقظ جزعة، الدموع تسيل على خدّي، أضمّه بقوة، أنشج قائلة: أنت ابني.. ابني أنا فقط. أكرر قولي، وهو يتململ مندهشاً بين ذراعي. أخشى، إن أفلتُه، أن يختفي، وأن أفيق لأكتشف أنه كان حلماً، وأنني لم أكن أماً أبداً.

{* فصل من رواية “هواء فاتر.. ثقيل” الصادرة حديثاً عن دار الينابيع/ السويد – ستوكهولم/ دمشق – سوريا.}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق