هس، دعهم ينامون / سمير عطاالله

هس، دعهم ينامون / سمير عطاالله

"كم هي السعادة سهلة ورخيصة: كأس من الخمر وكستناء مشوية وموقد بائس صغير وصوت البحر".

زوربا اليوناني

نهاية الاسبوع الماضي وقف العالم، فقيرا او ثريا، على حافة انهيار آخر. هذه المرة ليس بسبب أم الرأسمالية اميركا، ولكن بسبب أم الحضارة الغربية، التي فيها بدأ الشعر والرواية والفلسفة وعلم السياسة وفضائل الجمهورية والمسرح والرياضة الجماعية: اليونان.

كانت اليونان القديمة دولة تعمل، وتفكّر، وتتأمل، وترسل في الارض عسكريين من فئة فيليبس او الاسكندر، واصبحت اليونان الحديثة بعد الحرب الثانية، الدولة الاوروبية الوحيدة التي يمكن فيها ثلاثة من العقداء القيام بانقلاب عسكري. الانقلاب الآخر، كان في ليبيا، قبالة كريت، حيث كان نيكوس كازانتزاكيس صاحب "زوربا"، يتأمل "البحر الليبي" وخلفه ارض ليبيا القديمة، يوم كانت مهدا من مهاد القانون والتطور.

الانقلاب العسكري في اثينا، كان دليلا كئيبا، على ان بلاد هوميروس وافلاطون وسقراط، صارت في زمن بابادوبولس وباتاكوس وماكاريزوس. وعندما انضمت اليونان، الى ابنتها اوروبا قبل سنوات، كانت لا تزال تجرجر خلفها عملة معتلة ونظاما مثقوبا غير مرتق بعد الى ما في اوروبا من استمرارية وأمنة.

عام 1983، ذهبت لمقابلة رئيس الوزراء، اندرياس باباندريو (والد الرئيس الحالي، جورج) في منزله على احدى تلال اثينا الطافحة بالهدوء والصنوبر. شعرت بامتعاض عندما رأيت شبانا مثل زعران الميليشيات، بثياب مدنية، يقومون بالحراسة. هل نحن في عاصمة سقراط ام في مدينة شرقية لا تعرف من القانون سوى ثراه؟ الاستاذ السابق وزعيم الحزب الاشتراكي، ووريث جورج باباندريو الاب، حكم اليونان مثل اي اعتباطي شرقي لا يقيم وزنا لشعبه.

ومثل جميع المزورين في اوروبا الشرقية، رفع علم الاشتراكية وغرق في حياة رأسمالية فاقعة ومتهتكة. وبعد رحلة رسمية الى الصين، عاد ليتزوج المضيفة التي اعتنت به على عناء السفر. وجعلها سيدة اولى على الاغارقة. وبنى لها منزلا ورديا مثل منزل ايفيتا بيرون، ممهدا لها الطريق الى ان تحتضن الاكروبوليس. لكن المعارضة صدت الحلم بسرعة، عندما نشرت في مجلات الخلاعة الملوثة، صور العزيزة ديميتريا، يوم خاضت منافسات الصدر الاعظم.

لم يكن ذلك سلوكا مألوفا في اوروبا، وحتى في اليونان، احدى الدول المغنية في القارة وقد الهاها الغناء والرقص وعزف "البوزوكيا" الاخاذة، عن الاستيقاظ باكرا الى العمل والانتاج. وذات مرة كان لنا في اثينا سفير طيب وساخر، روبير خلاط، قال ضاحكا، ان القانون الوحيد الذي يطبقه اليونانيون بحزم، هو قانون عدم اقلاق قيلولة بعد الظهر.

كادت اليونان تهد اوروبا الاسبوع الماضي. فقد رفض الالمان، طوال اشهر، ان يعملوا هم من اجل ان تصر اليونان على نهج "زوربا" في الحياة. رفض الاوروبيون الآخرون، في الغرب وفي الشمال، ان يسددوا عجز الدول المغنية في الشمس والغارقة في العجز: اسبانيا، البرتغال، وايطاليا. وكيف يمكن الفراو انغيلا، التي لا تزال تسكن في شقتها الزوجية، وسط برلين، ان تدفع فواتير تكسير الصحون في ملاهي 2000 جزيرة، تشكل، تحت باب "الخدمات"، 70 في المئة من الدخل الوطني.

تأمل جان دانيال (النوفيل اوبسرفاتور، عدد 12 ايار) بقلق وازدراء، اوروبا التي هددتها اليونان الطروب بالخراب، وراح يعدد: شكسبير في بريطانيا. سرفانتس في اسبانيا. رابليه ومونتين في فرنسا. الفلسفة والموسيقى في المانيا، لكنه توقف من غير ان يتذكر ان كل ذلك ولد من رحم يوناني. وانما اصاب الامبراطورية الهيلينية، التي ازاحتها بلدة بسيطة صارت روما، ما اصاب الامبراطوريات الاخرى. لكنها ليست امبراطورية جنكيز خان وتيمورلنك، التي لم تترك خلفها سوى اكداس الجثث ونزف الحراب، بل تركت اثرا بيّنا في كل حضارة، وملامح عمران في كل مكان.

يخيّل الى المرء ان وحدة اوروبا لن تدوم. ليس لان اميركا تحاول تخريبها، كما يقول مبسطو الامور. فالهاجس الاميركي في الصين، لا في الغرب القديم. تلك الصين الحذرة التي بنى امبراطورها "المدينة المحرمة" من دون شجرة واحدة، لئلا يخطر لاحد ان يتسلق وينقض على موكب الامبراطور! تلك الصين التي زنرت حماها باغرب سور في التاريخ. الفراعنة بنوا العجائب من اجل موتهم. تلامذة كونفوشيوس بنوا السور العجيب من اجل حياتهم. دعوا الموتى يدفنون موتاهم. هذا بلد يهفو الى المستقبل، وهذا ما يقلق اميركا.

اوصى افلاطون بالا يزيد عدد سكان الجمهورية على خمسة آلاف شخص. وعندما بلغ عدد دول الوحدة الاوروبية خمس عشرة دولة، قال صاحب شركة "هاينكن" ان العدد الاقصى القابل لادارة حسنة هو عشرة ملايين. اعتقد ان التفاوت في اوروبا يجعلها غير قابلة للادارة. مرة اخرى مثال الفراو انغيلا: صاحبة اغنى بلد في اوروبا تلازم شقتها الصغيرة في برلين، بسلوك جرماني مطلق، فيما يعج الاليزيه بآلاف الموظفين. واثينا تغني. واسبانيا تصارع الثيران في همجية سادية، بينما تبحث بريطانيا عن القطط الضائعة لايوائها. دول خرجت للتو من كهوف فرانكو وسالازار ودول نقلت الممارسة الديموقراطية من مهدها الاثيني الى وستمنستر، على التيمز. ثمة حواس متضاربة في الجسم الاوروبي. من بلاد زوربا، الذي قال لسيده البريطاني: ارقص. ارقص. لا سعادة الا في الجنون. الى اكفهرار الالمان والاسكندينافيين والهولنديين والفلامنكيين في بلجيكا.

ولكن، على نحو ما، "زوربا" هو الذي اطاح ايضا حكم الكولونيلات، الذين حلوا باليونان 1967 العام الذي حلت بنا النكبة فيما المشير عامر يحلق فوق الطائرات الاسرائيلية القاصفة، لا يدري بما يحدث تحته. صار ميكيس تيودوراكيس، واضع لحن زوربا، وساحر اوتار البوزوكي (البزق) رمز النضال ضد العسكريين. ومعه ميلينيا ميركوري التي مثلت ذات يوم دور رصيفية غزلية في ميناء البيريوس (عطلة الاحد). فاليونانيون لا يسيرون الى مكان، ما لم تتقدمهم الفرقة العازفة، كما كانت الجنود تسير الى الحروب، يحركها نفخ القِرب وقرع الطبول.

ذهبت الفراو انغيلا تخطب في ولاية سوابيا، وفي بالها الازمة في اليونان. فماذا ستقول هذه المرأة التي لا تزال تشتري بنفسها، حوائج البيت، كما كانت تفعل في المانيا الشرقية؟ لا نقلا عن افلاطون ولا عن سقراط، ولا عن نظريات فريدمان. قالت ان المسألة برمتها، هي الحكمة التي تعمل بها الجدات في سوابيا: في نهاية المطاف، لا تستطيع العيش الى الابد بما يفوق مقدراتك. وترجمته، "باللغا اللبنانيي"، على قد بساطك مد رجليك. لكن اليونانيين نزلوا الى الشوارع يكسرون هذه المرة المصابيح، لا الصحون، احتجاجا على اجراءات التقشف. فاذا قبلوا فروض التقشف، فمن يرقص غدا في ليالي 2000 جزيرة تصطاد البربونيا (السلطان ابرهيم عندنا) وتراقص السياح وتستقبل الشروق بشرب نخب الشمس. وبعدها تذهب الى النوم، يحميها كما سماه روبير خلاط، قانون "التاباج". ممنوع الطرطقة في ورش البناء. ممنوع طرطقة الصحون في مطابخ الجيران. ممنوعة اصوات الاذاعات. اذهبوا وناموا. انه وقت القيلولة. واتركوا الفراو انغيلا تعمل عن الجميع.

 

عن جريدة النهار 20/5/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق