هشام شرابي: النظام البطركي/الحداثة

تحت هذا العنوان يقوم الراحل د. هشام شرابي بتحديد سمات المجتمع البطركي من خلال مواجهته مع مفهوم الحداثة، ومع ذلك لم يتمكن المنظور الذي يحكم خطاب الكاتب من أن يخلص إلى مميزات للمجتمع البطركي عن المجتمع التقليدي، ولم نتمكن من التقاط هذه الخصائص المميزة لدلالة المصطلحين (التقليدي ـ البطركي).

يستند الكاتب إلى ترسيمة مهمة وحاسمة في صياغة التمايز بين بنيتين: بنية المجتمع الحديث، وبنية المجتمع التقليدي (النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي – مركز دراسات الوحدة العربية، ص30).

المقولة: الحداثة، النظام البطركي «التقليدي».

المعرفة: الفكر/العمل، الأسطورة/الإيمان.

الحقيقة: علمية/نقدية، دينية/تعليمية.

اللغة : تحليلية، بيانية.

النظام: ديمقراطية/اشتراكية، سلطنة/بيروقراطية.

التركيب الاجتماعي: الطبقة، العائة/القبلية/الطائفية.

فالحداثة بهذا المعنى هي نتاج أوروبا والثورة البورجوازية، فما يميز نشوء الرأسمالية الحديثة هو طابعها الثوري في رأي ماركس، وهو عقلانيتها، في رأي فيبر، فالحداثة عقل وثورة.. فالثورة البورجوازية ـ وفق ماركس ـ هي التي ولدت أكثر خصائص الحداثة حيوية (الحركية والتغيير) فجعلت «كل شيء صلب يتبخر».

بينما هي عند فيبر ليست قوة التغيير في الثورة بل في العقلانية، أي العقل العلمي الذي يدرك العلاقة بين الوسائل والغايات، والبيروقراطية بترشيدها لجميع الوظائف والغايات هي السياق الذي دفع العالم كله إلى «إزالة الأسطورية».
لكن فيبر يرى هذه السلطة البيروقراطية المتنامية تسحق الإنسان والمجتمع وتسجنهما في «قفص حديد» لا مجال للهروب منه، ويعمق هذه الرؤية الاتجاه النقدي التفكيكي الجذري لدى ميشيل فوكو وجاك دريدا، في حين أن قوة التغيير عند ماركس عبر الثورة هي التي ستؤدي إلى تجاوز أزمات النظام الرأسمالي[1] حسب الراحل شرابي .

ويخلص الدكتور شرابي ـ وفق نهج برمان ـ إلى خصائص ثلاث تميز الحداثة استناداً إلى إطار التجربة الأوروبية منذ القرن الخامس عشر حتى القرن العشرين، حيث يمكن صياغتها على الشكل التالي:

1- الحداثة بوصفها بنية كلية ويقابلها مفهوم الحداثة.

2- الحداثة بوصفها سياقاً شاملاً ويقابلها مفهوم التحديث.

3- الحداثة بوصفها وعياً نوعياً ويقابلها مفهوم النزعة الحداثية.

فالتحديث، هو سياق التحول الاقتصادي والتكنولوجي، والحداثة هي من الزاوية البنيوية، مجموعة العناصر والعلاقات التي يتألف منها الكيان الحضاري المتميز المدعو حديثاً. والحداثة من حيث هي وعي، فتشكل نموذجاً وشرطاً فكرياً تجد فيهما أوروبا الحديثة هويتها، وذلك بالتمييز بينها وبين ما هو غير أوروبي (غير حديث). وأما النزعة الحداثية، من حيث هي وعي الحداثة، فتمثل رؤية خاصة تنطوي على تغيير الذات والعالم. وهي رؤية لا تجد تعبيراً عنها في «العقل» و «الثورة» وحدهما، وإنما كذلك في الفن والأدب والفلسفة[2] ـ ص33 ـ.

ما صلة كل ذلك بالمجتمع العربي البطركي؟ إنها الصلة التي تنتج مجتمعاً وإنساناً «محدَّثاً» ينجم عن الاحتكاك بالحداثة الأوروبية خلال العصر الإمبريالي الذي برزت فيه أوروبا مركزاً للثورة والقوة في العالم بعد أن تجاوزت أنظمتها الإقطاعية والبطركية، والانتقال إلى الحداثة.

يقوم المجتمع (المحدّث) في إطار من التبعية والخضوع، والمجتمعات البطركية المحدَّثة بغض النظر عن تنوعها في الظاهر، تتصف كلها ببنى داخلية متماثلة.

فهي تتصف بعدم الأصالة بنزعاتها التقليدية والحداثية، فمن الصعب العثور في هذه المجتمعات على إنسان حديث أو مؤسسة حديثة بالمعنى الحقيقي، تماماً كما أنه من الصعب العثور على إنسان أصولي أو مؤسسة أصولية بالمعنى الحقيقي، كلاهما في غير مكانه سواء في البلدان المحافظة أو «التقدمية» في العالم العربي، الأمر الذي أدى بعد الحرب العالمية الثانية إلى نشوء فئة مهمة اجتماعياً هي فئة المثقفين «المحدّثين» يعكسون ما في بنية المجتمع من تناقضات، وهم سيكونون أقوى حليف للنظام البطركي من جهة ، كما أنهم –كحداثيين- سيمثلون الدعوة للحداثة الحقيقية.
لكن الخاصية الأساسية للوعي «المحدّث» وليس “الحداثي” في كون الأول هو المهيمن لدى النظام الأبوي بصيغته التقليدية والمحدثة ، وهو في صيغتيه إنما يقوم على تحويل النماذج إلى أصنام عبر نزعتين مترابطتين هما المحاكاة والامتثال، فيبدو وعياً منمذجاً منعكساً عن الخارج تعوزه الاستقلالية وروح النقد. وهنا يظهر بمنتهى الوضوح الطابع المشوّه لما ندعوه الحداثة البطركية[3] .

بنية النظام البطركي الحديث وعلاقاته الاجتماعية

في هذا المبحث يتناول الباحث، النظام البطركي من حيث بنيته الداخلية وحجر الزاوية فيها العائلة البطركية، فينطلق من شكل العلاقات الداخلية في العائلة البطركية ليكتشف البنى التي يتصف بها النظام البطركي الحديث، وهي العلاقات القائمة على السلطة والهيمنة والتبعية، التي تمثل بنية العلاقات الاجتماعية في المجتمع الكبير وتتمثل فيها.[4]

ويعرض في هذا الإطار لأبحاث ودراسات عربية وغربية تناولت هذه الموضوعة منوهاً إلى جهد علي زيعور في تناوله لمشكلة العائلة البطركية في كتابه «التحليل النفسي للذات العربية» كما يعتمد على الدراسات والأبحاث النفسية والسوسيولوجية (ولهلم رايش ـ جان بياجيه ـ يورغن هابرماس) التي تناولت شكل المجتمع البطركي الحديث، وأنماطه (التبعية والاستقلال الذاتي)، ويخلص إلى أن العائلة البطركية الحديثة، تلبي بإنتاجها إلى أفراد غير مستقلين، حاجة أساسية من حاجات المجتمع البطركي الحديث، فهي تعزز نظام الرعاية والولاء الشخصي، وتضمن استمرار السلطة ذات الطابع البطركي، حيث الولاء للعائلة والجماعة الإثنية أو الدينية، الذي يغيب مفهوم المجتمع ومفهوم الوطن والأرض ليكتسب هذا المفهوم طابعاً تجريدياًَ، ولتتحول الإيديولوجية السياسية إلى ظاهرة لفظية.

ونظام الرعاية يقوم على نظام «الواسطة» لحماية الفرد ومصالحه، وتبدأ عملية الواسطة ضمن العائلة (الأم هي الوسيط الأول لدى الأب) الذي يملك السلطة والعقاب، والابن لا يملك سوى التودد والاسترحام والخضوع لإرادة الأب لمنحه حقوقه، وهي حقوق لا يمارسها بوصفها خاصية من خصائص كيانه الشخصي بل بوصفها هبة من فوق. وعلى هذا فإن نظام الرعاية القائم على نظام “الواسطة” وما يستتبع ذلك من خضوع وتبعية يؤدي بالضرورة إلى استحالة العقد الاجتماعي، وعندها يغدو القانون ليس في خدمة الوضع القائم، والعقوبة لا تعني إصلاح الفرد المخالف بل توكيد قدسية القانون والحفاظ على النظام الاجتماعي. وبما أن المعارضة قانونياً متعذرة، فالتآمر والتمرد يصبحان الشكلين الوحيدين للحل السياسي. وبما أن النقاش العلني الحر ممنوع، فإن العنف يصبح وسيلة الإقناع الوحيدة.[5] ـ ص55 ـ وفي هذا السياق يصيغ الدكتور شرابي مخططاً دلالياً يستجلي من خلاله نسقين لأنماط مفاهيم التبعية والاستقلال الذاتي:

الولاء “الشخصي” = الطاعة ـ الخضوع ـ النسب.

الواجب “الموضوعي” = المسؤولية ـ الانضباط ـ الإنجاز.

ليخلص إلى أن نظام الرعاية يعطل فعالية أية بنية اجتماعية يسيطر عليها، فهو إذ يحل الامتثال محل الأصالة، والطاعة محل الاستقلال الذاتي (المسؤولية)، يسحق موهبة الإبداع. فحيث تسيطر العلاقات البطركية (الخضوع ـ السيطرة ـ المراتب العليا ـ المراتب الدنيا ـ الولاء ـ الامتثال) يعجز النظام عن خدمة الأهداف المؤسسية، ولا يمكنه أن يكون ذا طابع عقلاني متكامل، وذلك ما ينطبق على شتى مرتكزات الحياة الاجتماعية (الجامعات ـ المدارس ـ المستشفيات ـ الوكالات الحكومية ـ الجمعيات المهنية ـ المؤسسات العسكرية والبيروقراطية الحكومية ـ بل والمؤسسات «الثورية»).

هذا الفصل هو الأهم في ولوجه إلى داخل المفهوم، والتقاطه لنظام ترابطه وتشارطه السببي في إنتاج بنيته البطركية اجتماعياً ـ ثقافياً ـ وسيكولوجياً.

ولعل القارئ يتساءل لماذا لم يكن هذا الفصل هو الأول، لكي يتمكن من التعامل مع تحليلات واستنتاجات الكاتب بعد أن ألم بالخصائص المميزة لهوية المصطلح ودلالاته، قبل أن يتم تقصي تجلياته وتحولاته في التاريخ والمجتمع.

إن الدكتور شرابي يقوم بعملية استقصاء مبدع واستثمار ذكي وحصيف للماركسية والفرويدية والدراسات السوسيو ـ سيكولوجية اللاحقة (رايش ـ بياجيه ـ هابرماز) في الكشف عن السمات البطركية للمجتمع العربي، وهو في تعامله مع هذه النظريات يتجنب النزعة الحداثية أو المحدّثة، فينأى عن أن يكون ضحية موضوعه، أي ضحية الإشكالية التي يثيرها، كما يحصل عادة في الكثير من الدراسات والأبحاث التي تطمح للأصالة والاستقلال الذاتي وهي تنتج الاستلاب والتبعية ووهم الفرادة والتفرد.

ومن الواضح أن الطاعة لا تولد نظام الرعاية والوساطة وقتل روح المبادرة والموهبة الفردية والجماعية المبدعة فحسب بل هي تعفي الطائع من المسؤولية بوصفها قيمة أخلاقية واجتماعية وسياسية إيجابية عليا في ذاتها، فتصبح مسؤولية أمام المسؤول.

والخضوع ـ بغض النظر عما ينطوي عليه هذا المصطلح من دلالة تشير إلى العبودية المشينة ـ فإن نتائجه تحطيم الانضباط كمسؤولية واعية للفرد والجماعة، ومن هنا لا يبقى سوى التمرد والانقسام والانشقاق بعد اضمحلال الشعور بالواجب والمسؤولية والاستناد إلى الولاءات والأنساب العائلية، ومدى الاقتراب أو الابتعاد بروابط الدم والعائلة والعشيرة والطائفة للمسؤول.

فالبطركية الأصولية القديمة لا يمكن أن تصمد أمامها البطركية المحدثة نظراً لافتقادها للشرعية التراثية (الأب /التراث) والجماهيرية (عبادة الآباء والأجداد)، البطركية الأصولية لا تتداعى إلا عند التفكيك الجذري للبطركية المحدثة التي أنتجت مجتمع التوتر والعنف، وذلك عندما قوضت البنى الأولى للمجتمع المدني، مجتمع دولة السيادة والقانون والتمثيل والمشاركة والديموقراطية، فلم تبق سوى حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية التي هي المعادل الموضوعي لوجودالنظام العربي البطركي المحدث الطارئ والاستثنائي في فرض ذاته وسلطته الغاشمة على مجتمعاته، بعد أن دفع بهذه المجتمعات إلى حافة الهاوية بعد عقود من التهميش والالغاء ومن ثم الغياب السياسي والاجتماعي ومن ثم الوطني للشعوب العربية عن صناعة مصائرها الذاتية بل المساهمة في الحدود الدنيا للمشاركة في تقرير المصير.

إن المسافة الفاصلة بين الحركة الإصلاحية الإسلامية “المعتدلة” التي نادى بها محمد عبده ـ الأفغاني، والحركة الأصولية العنفية «الثورية» اليوم يمكن قياسها ـ وفق شرابي ـ بالفشل المتكرر والانتكاسات التي أصابت الحركة التحررية والقومية والوحدوية واليسارية منذ سنة 1920 حتى سنة 1970 والمفارقة التي يكشفها الباحث هي أن نهاية الحياة السياسية أي نهاية الحريات السياسية وتعدد الأحزاب بدأت وقت كانت الجماهير تكتسب وعياً سياسياً مدنياً، فبدأت مرحلة الانتكاس حيث كان يبدو، موضوعياً، إمكانية التقدم. فبدلاً من الممارسة الديمقراطية أو الاشتراكية، نشأت أنظمة تشبه السلطنات القديمة، مبنية على سلطة فردية لا ضابط لها.

هذه «السلطنات» بشكليها «التقدمي» و«الرجعي» أصبحت بمثابة القلاع المحصنة، وذلك بسبب ما توفر للأنظمة من وسائل حديثة للسيطرة الكاملة، ليس بسبب احتكارها لوسائل العنف وحسب، وإنما أيضاً بما توفر لها من قوة اقتصادية، بوصفها تملك الصناعات الأساسية، والمواد اللازمة لجميع الاستثمارات الرئيسة، مع كونها الجهة المقترضة الوحيدة على الصعيد الدولي، والمقدمة لجميع الخدمات الأساسية. وبهذه الطريقة، مارست السلطنة الجديدة، دور تحديث المجتمع، أي الدور الذي قامت به البورجوازية في أوروبا في مطلع العصر الصناعي، فغدت هذه السلطنة أكبر صاحب عمل في المجتمع فازداد الاستبداد وازدادت الهوة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، فكان النمو المنتظر للحركة الإسلامية الأصولية معادلاً لبروز السلطنة الحديثة .

[1]- المصدر السابق- ص30-32

[2]- المصدر السابق- ص33

[3]- المصدر السابق- ص37

[4]- المصدر السابق- ص50

[5]- المصدر السابق- ص55

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق