هشام شرابي والنظام البطركي: المقال البطركي الحديث

يعرف الدكتور شرابي اللغة بأنها «مؤسسة اجتماعية ونظام للقيم ، و مفردة «المقال» يقترحها الباحث بديلاً عن مصطلح الخطاب الشائع لترجمة Discourse متابعة لابن رشد في كتابه «فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال» خالصا إلى أننا نرث المقال البطركي ونحيا فيه ونفكر ونعبر به، بحيث أننا لا نتكلم اللغة العربية بقدر ما نستعيد الكلام المقولب، المفصحن، البعيد عن حياتنا الواقعية اليومية.

الفرد العربي يتمثل تلقائياً لغة الحياة اليومية من بيئته، لكن لغة الكتابة الفصحى عليه أن يتعلمها، مما يؤدي إلى تعزيز الانقسام الاجتماعي وإخفاء الأساس الطبقي للتباين الثقافي، بحيث تصبح المعرفة امتيازاً، والتضلع باللغة الفصحى يضفي على صاحبه مكانة اجتماعية ونفوذاً، ويواجه الطفل بهذه اللغة في النصوص الدينية والتراثية، فلا يجد مناصاً من حفظها عن ظهر قلب، ليواجه منذ البدء، تجربة الفصل بين التعلم والفهم، فيغدو الاستظهار دون أسئلة، الوسيلة الأولى لتمثل الأفكار والقيم، فتتحول هذه الآلية إلى نمط في التفكير يتجنب التحديات الخارجية، أما برفضها كلياً أو استيعايها سطحياً. ليخلص كاتبنا إلى ما خلص إليه حليم بركات، إلى أن اللغة الفصحى «لغة متلقاة» غلبت فيها «الكتابة الأدبية على الكتابة العلمية وغلبت الخطابة على الكتابة، والمحدث على الكاتب» فيعبر مقالها (خطابها) عن الواقع بوساطة إيديولوجية مزدوجة: «سحر اللغة» و«سلطوية اللغة» على حد تعبير رولان بارت.

وهو المقال الملائم للتعبيرعن نمط معين من الوجود، ينظم اللاعقلانيات، ويثير التوهم، الأمر الذي يعزز أسبقية الكلام عن الكتابة، حسب بركات وأدونيس، لأن انتشار الكتاب المقدس مع اختراع الطباعة ساعد على انتشار الثورة البروتستانتية، عندما أصبحت القراءة الشخصية للكتاب المقدس ممكنة مما أدى إلى تطور ثوري مكّن من الانتقال من البيان والبلاغة إلى الفهم والتأويل. بينما لم تشجع الثقافة التقليدية في المجتمع البطركي قط قراءة القرآن، فمازال حتى اليوم يرتل وينشد ويردد استظهاراً لكنه قليلاً ما يقرأ أو لا يقرأ أبداً. وبقي تأويله حكراً على الاختصاصيين ورجال الدين الرسميين «الراسخين في العلم» بحيث لا ينبع تفسيره من قراءة النص وفهمه بقدر ما يستخلص من الشروح والتعليقات،لتجنب دور القراءة في تحرير الفكر، وفقاً لتسلسلية: القراءة (التأويل) الفهم، النقد. (النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي –مركز دراسات الوحدة العربية ص 81-83.)

إذا كانت القراءة سبيلاً للفهم ومن ثم التغيير فالابتكار، فإن الكلام الذي يحتكره النظام القائم، هو شرط للاستقرار والاستمرارية، ومن هنا التعويل على الكلام اللاحواري «Monologue» في جميع أشكال المقالة (الخطاب) البطركي الحديث، لا في أنماط التعبير والتفاعل بين الأشخاص وحدها، بل أيضاً من حيث القيم والعلاقات التي تؤسس لهذه الأنماط وتعززها. حيث النمط اللاحواري قائم في صلب المقال ذاته، أي في اللغة ذاتها التي تشجع البلاغة على حساب الحوار، ويستتبع ذلك شرط اجتماعي يعزز هذا الجانب التسلطي، فصاحب المقال (الخطاب) المهيمن في الأسرة هو الأب، والمعلم في المدرسة، والشيخ في الجماعة الدينية أو القبيلة، والحاكم في المجتمع بصورة عامة. على الرغم مما تنطوي عليههذه البنية من تدعيم للسلطة وتسلسلها الهرمي وعلاقات التبعية والخضوع، فهي تنتج شكلاً من المعارضة تسم مقال المجتمع البطركي الحديث، وهو الاغتياب والثرثرة وسرد للروايات والتزام الصمت، كمحصلة موضوعية لهيمنة مقال السلطة.[1] ص 83.

ويخلص الكاتب إلى أن المقال التقليدي (البطركي) بما يتسم به من قراءة مغلقة للتاريخ والمجتمع، لم يخضع قط لتساؤل أو لتحد جدي، بل بقي دون تغيير محاذياً للمقال «العلمي» أو «الحداثوي» الناشئ. فهيمن الشكل التوكيدي بدلاً من الشكل النقدي على كتابات النخبة المثقفة طوال الفترة الممتدة بين 1880-1950 في مجموع مراكز الحياة الفكرية بيروت ـ دمشق ـ القاهرة.

فكان العجز عن إحداث قطيعة معرفية ـ ضمن قراءة لويس ألتوسير لمفهوم الانقطاع في نظرية المعرفة عند ماركس ـ نتاجاً لهيمنة العلاقات البطركية، فضلاً عن الهيمنة الأوروبية.

إن هذه الأطروحة التي يتقدم بها شرابي تتسم بقيمة تعميمية مهمة في تشخيصها للسمات العامة للمقال «الخطاب العربي» خلال 1880-1950 الذي لم يحدث انقطاعاً معرفياً بصورة النموذج الذي يقدمه ماركس أو كما يطرحه ميشال فوكو، لكنه مع ذلك قدم اختراقات عصيانية عنيفة أشاعت القلق والتخلخل في نظام هذا المقال، وقد تمت في مراحل عديدة خلال هذه الحقبة الطويلة في مصر وبلاد الشام (طه حسين ـ أحمد أمين ـ علي عبد الرزاق ـ سلامة موسى ـجبران خليل جبران –أمين الريحاني – عبد الرحمن الكواكبي- سليم خياطة ـ رئيف خوري). إن المقال الذي انطوت عليه نصوص هؤلاء الرواد، ربما يبدو أكثر راديكالية من نصوص كثيرة رفعت راية الحداثة بتعدد مستويات خطابها القومي والاجتماعي والأدبي حتى لحظتنا الراهنة، التي يتفاءل الباحث بعدد من نماذجها ممن يطلق عليهم رواد الحركة النقدية الجديدة، المشتقة من ثلاثة اتجاهات أساسية: الجانب النقدي من العلوم الاجتماعية الأميركية، والماركسية الغربية، والنظريات البنيوية وما بعد البنيوية في فرنسا[2] ـ ص97.

إن هذه الأطروحة (الخلاصة) تتسم بقدر كبير من الحكم القائم على نزوع توكيدي يعوم فوق تعرجات حركة الفكر بتنوع مساراته وسيروراته في الواقع.

ومن ثم فإن حصر الحركة النقدية الجديدة بالتيارات الثلاثة الآنفة الذكر هو تضييق على آفاق النهوض الفكري الديموقراطي الذي يريد أن ينهض به كتاب «البنية البطركية».

سيما وأن هذه الحركة النقدية الجديدة لم تتمكن حتى الآن من تجسيد العلاقة مع الواقع لتتمكن من “التبيء” مع مكوناته وخصائصه وممكنات قوى التغيير فيه، بل هي تبدو أكثر نخبوية وانقطاعاً عن سياق المتكون في المجتمع عما كانت عليه حركة التنوير الليبرالية الراديكالية فيما بين الحربين.
وهي أقل شجاعة ونضالية على مستوى المشروع الاجتماعي والسياسي مما هو منوط بها، بل عما كان عليه الفكر اليساري والديمقراطي قبل السبعينات.

فهي تتحرك على خط محايد ومحاذ للمقال (الخطاب) السلطوي البطركي، ولم تسجل أية حالة اصطدام معه كالحالة التي أنتجها خطاب طح حسين وعلي عبد الرازق والكواكبي مثلاً.

إنها تنتج خطابها النقدي في إطار المؤسسة البطركية العربية الحديثة والمحدثة، حتى كاد خطابها أن يتحول إلى خطاب مقبول رسمياً، بل وله كل الشرعية في المؤسسات التعليمية والجامعية العربية.

إنه خطاب نقدي جديد شجاع في التقنية المنهجية، لكنه يتخلى عن كل شجاعته المعرفية على مستوى الرؤية والممارسة ليندرج في إطار مزيد من التحديث للبنية البطركية ذاتها، حتى يكاد في أحايين كثيرة أن يتبدى -على مستوى الوظيفة الإيديولوجية- وكأنه «خطاب النكسة».

ويكفي الإشارة إلى أن رواد هذه الحركة الجديدة عندما يعلنون أن لا حاجة بنا إلى العلمنة (مثال الجابري) ليتبدى لنا أي خطاب للنكسة والنكوص ينتجه الفكر النقدي الجديد إذا ما قورن بالمعارك الشجاعة التي خاضها جيل النهضة الراديكاليون في سبيل العلمنة والعقلنة والتنوير ومناهضة بطركية السلطة وبطركية الوعي العام.

لقد نوه الدكتور شرابي إلى غربة ممثلي ما سماه الحركة النقدية الجديدة، مستشهداً بقول ابن خلدون:
«من الغريب الواقع أن حملة العلم من الملة الإسلامية أكثرهم العجم.. إلا في القليل النادر. وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته»

وأشار إلى أن غربة هؤلاء ليس بسبب الدين أو القومية بل بسبب تعلمهم وثقافتهم وطريقتهم المختلفة في التفكير والكتابة والكلام.
ما لا شك فيه أن الطليعية التي يمثلها أولئك الغرباء هي التي تكمن وراء غربتهم، لكن الغربة الحقيقية تكمن وراء القطيعة التي تنتجها ممارستهم المعرفية بين الفكر والممارسة الإيديولوجية والسياسية، فليس بين مجموعة الأسماء التي يعرضها الباحث كممثلين للتجديد والتحديث رجل موقف، ليس بينهم كواكبي أو طه حسين أو سليم خياطة واحد.

لقد ارتبط معظم قادة الرأي لجيل الرواد بتيارات سياسية محددة في عصرهم بل ومحددة لعصرهم، وكان للممارسة الفكرية والمعرفية وظيفة إيديولوجية وسياسية مباشرة. بعضهم خاشن أشد المخاشنة وبعضهم لاين ـ ربما ـ أشد الملاينة، لكنهم في معظمهم تمكنوا من التناسج في الحركة الاجتماعية من خلال التحامهم العضوي بتياراتها، وبرهن العديد منهم على إمكانية أن يدفع ضريبة الموقف في ظروف عديدة، مستلهمين أطروحة كانت القائلة: إنه لم يستطع أن يقول كل ما يؤمن به ، لكنه-في الآن ذاته – لم يقل أبدا ما لم يؤمن به !

المرحلة الأخيرة
إن نظام الرعاية القائم على الخوف والجشع، يولد نفسية أنانية وساخرة بسبب نظام الإخضاع، فالتقدم والتقدير في الوظيفة والعمل ليس نتاج الجد والتضحية بل هو نتيجة الواسطة والعلاقات العائلية والشخصية، ومكانة الإنسان لا تنبع مما يفعله، أو يبدعه بل من المركز أو الوظيفة التي يشغلها واللقب الرسمي الذي يحمله. فالوظيفة امتياز والخدمة العامة منّة، هكذا تتبدد الطاقات الاجتماعية في الثرثرة والتآمر والعنف الفجائي بدلاً من تركيزها على العمل الهادف والمشترك.

إن مفهوم الأمة بوصفها صورة عن العائلة، هو مفهوم عزيز على الحكام العرب «ثوريين» كانوا أم محافظين أم قبليين. يكشف عن مفهوم مشترك وموحد للسلطة لدى الجميع، فالبناء الهرمي للسلطة يميل دون التكامل الاجتماعي وتبقى أغلبية السكان خارج التيار الرئيس للحياة الاجتماعية والسياسية[3] .

ولذا يجب أن يكون الإخفاق مصير خط التحديث الاشتراكي والرأسمالي، ويقوم الدكتور شرابي بتخليص استنتاجات سمير أمين للخصائص الرئيسية للانحلال الاقتصادي:

1- البنية الاقتصادية أصبحت في مطلع الثمانينيات، متجهة نحو الخارج أكثر من أي فئة في بلدان العالم الثالث، وأصبح العالم العربي من أكثر مناطق العالم اندماجاً في النظام الاقتصادي العالمي (الرأسمالي).

2- بلغ اعتماد العالم العربي على استيراد الأغذية (32%) بينما متوسط بلدان العالم الثالث (10%) فارتفعت قيمة استيراد الأغذية من 2 مليار دولار سنة 1970 إلى أكثر من 20 مليار دولار سنة 1980.

3- بقيت الصناعة مفككة وأقل تقدماً حتى من بلدان أميركا اللاتينية على الرغم من توفر رؤوس أموال ضخمة.

4- استهلاك النصف الفقير من السكان لم يتجاوز ربع مجموع الاستهلاك الإجمالي، والتنمية التي تحققت لم تستفد منها الفئات الفقيرة إلا بشكل ضئيل.

5- المعدل الاستثنائي لفائض الاستهلاك لدى الطبقات الموسرة: في سنة 1976 مثلاً استخدم 37.7 بالمائة من مجموع طاقة العمل لإنتاج هذا الفائض، بالمقارنة مع فرنسا التي كانت فيها النسبة 9.6 سنة 1971.

6- سيطرة الشركات متعددة الجنسيات وما ينجم عن ذلك من تبعية تكنولوجية.

هكذا كان لابد للحركة الأصولية من أن تطرح ذاتها بديلاً للرأسمالية والاشتراكية والقومية العلمانية، حيث شكلت اليوم أكبر قوة ثورية أو ثورية معاكسة، يمكن قيامها في هذا المجتمع وفي هذه المرحلة لتقويض بنية هذا المجتمع البطركي الحديث للسير باتجاه معاكس وهو إعادة بناء مجتمع بطركي تقليدي أو قديم فإذا لم يحصل انتصارها بالثورة أو العنف فقد يحدث بسبب اضمحلال البنى الإيديولوجية والعلاقات الاجتماعية وتحويل المجتمع القائم ومؤسساته تحويلاً داخلياً (سلمياً) إلى مجتمع بطركي محافظ على النمط الإيراني الداخلي وصيغة النظام الذي يطرحه حسن البنا.

وهذا يعني أن الصراع الذي بدأ في عصر النهضة بين الجديد والقديم، قد ينتهي بانتصار القديم إذا لم تهب الحركة النقدية التنويرية الحداثية الجذرية من جديد لمجابهة الحركة الأصولية، وإذا كان الاتجاه الجديد النقدي العلماني يبدو غير متكافئ مع التيار الأصولي، فليس ضعفه الداخلي بسبب ظروف خارجية طارئة، أهمها موقف النظام الحاكم، الذي يرى أن لجم الحركة التقدمية، أسهل من مقاومة الحركة الأصولية التي تلوح بالنصوص المقدسة.

وبما أن الوضع القائم للنظام العربي قد يستطيع لفترة من الزمن أن يقاوم الهجمة السياسية التي تشنها الحركة الأصولية. (أكثر ما يستطيع مقاومة مطالبها الإيديولوجية والاجتماعية) فإن المعركة في المستقبل قد تتركز في الميدانين الثقافي والفكري، بين قوتين تستهدفان تجاوز المجتمع الحالي المريض أو إقامة نظام اجتماعي آخر[4] .

[1]- المصدر السابق- ص83

[2]- المصدر السابق- ص97

[3]- المصدر السابق- ص115-121

[4]- المصدر السابق- ص121-133

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق