هكذا تكلم أبو محمود: هل نحتاح إلى ثورة جديدة؟ / بسام شاغوري

أبو محمود ضابط سابق في الأمن العسكري، انشق في آذار ٢٠١٢، إثرَ انشقاق العميد مصطفى الشيخ، ثم شكَّل كتيبةً من ثلاثين شاباً من بلدته “أطمة”، » ليسوا متطرّفين ولا عنفيّين « ، ودرَّبهم على القتال وعلى الانضباط. وفي حزيران باشرت هذه الكتيبة، ورقمها ٣٠٩، القتال ضد الجيش النظامي. ثم دخلت حلب في آب من العام نفسه، وساهمت في عدة عمليات عسكرية، منها حماية باب الحديد والهجوم على مركز المخابرات في المدينة نفسها.

نشرت اللوموند تقريراً صحفياً عنه في ٨ آذار الجاري. وفيه يلخص أبو محمود تجربته بشكل مكثف وغني، ويتطرق إلى مجموعة هامة من النقاط من الضروري التوقف عندها. أخذتُ من هذه المادة أهم ما قاله، وأعدت ترتيبه ضمن عناوين أساسية، دون تغيير في المحتوى.

المساعدات المالية والعسكرية

ساعد في تدريب عناصر كتيبته ، ثلاثة مرتزقة ايرلنديين، قاموا بذلك تعاطفاً. كما وصله من العميد مصطفى الشيخ مبلغ ٥٠٠٠ دولار. عدا ذلك، لا شيء، لأن “كتيبتنا صغيرة جداً وليست إسلامية بما يكفي لتجذب أموال الخليج ورجال الأعمال السوريين في المنفى” .

“الأموال القادمة من دول الخليج خربت كل شيء. إذ أنها ولّدت مشاحناتِ وانقسامات، وأصبح كل شخص يريد تأسيس جماعته لكي يحصل على “حصته”] من الأموال [
]تغيرت قيادة الجيش الحر خمس أو ست مرات خلال سنة [وبينما كانوا “يتنازعون المناصب والألقاب، كنا نقاتل في حلب بكلاشينكوف واحد لمقاتلين اثنين. كنا نحسب الرصاص. وكنا ندفع كل شيء من جيوبنا، حتى الموت”!

دخول حلب والقتال فيها

لقد أخطأنا في الدخول إلى حلب دون الاستيلاء على أحد المواقع العسكرية الخمسة والعشرين المحيطة فيها. لكن لم يكن لدينا الخيار، إذ أننا لا نستطيع التخلي عنهم « [المقاتلين المعارضين] “اليوم حلب مدمرة، وعندما ستتحرر، لن يبقى منها شيء”

الفساد بين المسلحين

“ثورتنا الجميلة سرقها اللصوص والفاسدون”. والبرهان :”إذا مات بشار اليوم، فستستمر الحرب في سوريا”.
“في البداية، كنا [كمعارضة مسلحة] نقاتل للخلاص من النظام والظلم والاستبداد. لقد حملنا السلاح من أجل حماية المدنيين والنساء والأطفال. لكن ما أراه اليوم هو سباق على المال والسلطة. المدنيون مازالوا يموتون، لكن القادة [في المعارضة المسلحة] لا يأبهون بهم، وهم ينهبون كل ما يستطيعون : في البداية، مؤسسات الدولة، ثم البيوت والسيارات المتروكة، فمستودعات المصانع، النحاس والقطن والخشب، وصولاً الآن إلى القمح والوقود”
” إن لم نكن أفضل من النظام، فلماذا نطالب بسقوطه؟” لكن حتى لا يُفهم خطأً، يوضح أبو محمود :”لا بشار ولا اللصوص. الكفاح المسلح ليس هدفاً بحد ذاته”.

أثرياء الحرب

مثلا الخال ظاظا، “لم ير أحد “كتيبته” في المعارك ويبدو أن هدفها الوحيد يقتصر على حماية ثروته التي اكتسبها من النهب والتهريب و”بيع” المساعدات الإنسانية.”

وكذلك في جعبته الكثير من القصص : عن تاجر المازوت في معرة مصرين الذي يُفضِّل الاحتفاظ بمخزونه بانتظار أن ترتفع الأسعار، أو مهرب الاثار الذي يستطيع الآن أن يحفر وينهب دون أن يمسكه أحد، أو عن هذا القائد العسكري المعارض الذي يقود كتيبة وهمية لا هدف لها إلا جمع أموال التبرعات، ونسْب انتصارات غيره إلى كتيبته على الانترنت.
عن الإسلاميين “يقاتلون من أجل الله لا من أجل الإثراء. لكن ما لا أحبه لديهم، أننا نجهل من هم وماذا يريدون. من السهل معرفة ما يحرك اللصوص، أما الإسلامانيون فهم لا يقولون شيئا عن أهدافهم”.

المهمشون:

عادل [اسم مستعار]، يعمل في منظمة إغاثية : عندما أرسل ١٠٠٠ بطانية للمهجرين، اكتشف أن ربعها فقط وصل للمخيم. أما الباقي فجرى بيعه في السوق. من يختلس ولماذا غض النظر؟ يقول عادل ” كنت أسأل كثيراً ولم يجبني أحد، وتم تهديدي، مما جعلني أستقيل في النهاية. هؤلاء الناس أسوأ من الشبيحة، فهم يقتلون دون أن يطلقوا عبوة واحدة” من هم ؟ عادل لا يرغب بالإفصاح، فهو يقول إنه مهدد بالموت.

نهاية الكتيبة ٣٠٩

في كانون الأول الماضي، جمع أبو محمود رجاله، وقال لهم إن هذه الثورة ليست هي الثورة التي تخلوا عن كل شيء من أجلها. وعرض عليهم التصويت على حل الكتيبة والتوقف عن القتال. صوتت الأغلبية لهذا القرار باستثناء ثلاثة (أي ١٠% من العناصر) التحقوا بكتائب أخرى. أما أبو محمود فقد اشترى ١٤ خروفاً، وتحول إلى راعٍ في التلال القريبة من بلدته، كما صار يبيع الحطب لكي يكمل مدخوله.

ملاحظات

الملاحظة الأولى أن شهادة “أبو محمود” اقتصرت على ما يعرفه وعايشه شخصياً. وهذا يرفع من قيمة شهادته التي تبقى محدودة في الزمان والمكان والمواضيع والمشاكل المعروضة.

هذه الشهادة تصدر عن شخص لم يتردد في حمل السلاح والقتال من أجل الثورة ضد النظام، وكان عنصراً فاعلاً فيها من خلال تشكيل الكتيبة وتدريبها وقيادتها. لكنه، في الوقت نفسه، لم يمتهن العمل العسكري ولم يستفد منه (على أقواله) إنما قام به كنشاط ثوري منضبط ومبدئي. كما أنه لا يعتبره هدفاً وإنما وسيلة يمكن اللجوء إليها وكذلك التخلي عنها.

فجرت »سوق الأموال الخليجية” الجيش الحر وجذبت الانتهازيين والمنتفعين. وهي تتجه، مثلها مثل أموال التجار السوريين، إلى العناصر الإسلامية وغالباً إلى من يجيد الدعاية (والتجارة). بمعنى آخر، حولت قسماً من القوة العسكرية في الثورة، إلى مستهلِك يمكن تجييره سياسياً أو أيديولوجياً وزرعت فيه الفساد.

تعاظم نفوذ وقوة الكتائب الاسلامية ليس مجرد ظاهرة عابرة، وإنما أصبح ميلاً ثقيلاً، يستند إلى ثلاث دعائم : انتشار الفساد في الفصائل الأخرى، الدعم المالي الداخلي والخارجي الذي يفضله على فصائل أخرى غير إسلامانية ، وتغاضي- إن لم نقل تواطؤ- القوى الديموقراطية.

الغش والنهب في المساعدات الإنسانية يهدد جدياً الضحايا والمحتاجين، لأنه من جهة يحرمهم من قسم هام من الأموال المرسلة لمساعدتهم، لكن أيضا لأن هذه الأموال ستشح بسبب نقص الثقة لدى المتبرعين.

إذا وُجدت شهادات كثيرة ومعلومات متواترة من مصادر أخرى تدعم هذه النقاط (أو غيرها، كالقتل على الهوية الطائفية أو قمع النشطاء و تصفياتهم، عداك عن الإعدامات والتمثيل في جثث الجنود)، أو تتقاطع معها، فسوريا أصبحت تحتاج إلى ثورة جديدة.

عن صفحة آغورا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق