هل أتاك حديث الشريعة؟

الشريعة في لغة العرب هي ما يشرع فيه إلى الماء أي المورد الذي يشرب منه. والشريعة أيضاً هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع فلان في كذا، أي: ابتدأ فيه. والمطالبة بتطبيق الشريعة هي أول ما شرعت به القوى الإسلامية، والثيمة الأساسية في حراك الإسلام السياسي بأحزابه وتنظيماته وتياراته هي الخطاب الحماسي الموجّه لاستثارة العواطف والحميّة الدينية للجمهور أو “الجمع المؤمن” حسب تعبير خطباء المنابر. ولأن هذا الخطاب عاطفي فهو لا بحمل في جنباته أية إشارة للكيفية التي يواجه بها مايعاني هذا “الجمع” من معضلات على الصعيد السياسي والاقنصادي والاجتماعي.

صحيح إن الجمهور ،أي جمهور، يشبه المركّب في الكيمياء، يحتوي على عناصر. إلا ان هذه العناصر تفقد خصائصها عندما تنحل لتشكل المركّب. بتعبير آخر ليس من خصائص الأفراد الذين يشكلون الجمهور المتحمس ولا من شأنهم لا الدعوة ولا الاستجابة لحوار عقلاني وهم في حالتهم العاطفية هذه. فهم يستجيبون لخطيب مفوّه يملك ناصية البلاغة لا محاضر يدعو لإعمال العقل.

لذلك يستجيب الجمهور ويهز رأسه بالموافقة على حديث يقول “رحم الله اثنين غنياً رزقه الله فشكر وفقيراً ابتلاه الله فصبر” وينسى بالضروة فضائح مؤسسات جمع وتشغيل الأموال وما نهبته من مدخرات الناس كمؤسسة الريان الاسلامية في مصر. دون التساؤل عن حلول الشريعة للحالة الكارثية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والمستوى الذي وصل إليه خط الفقر. والمحاضرة هي القصد إلى حقيقةٍ علمية أو نظرية تشرحها، وتبين غامضها، وتزيل اللبس عنها، وعليه فهي تعتمد الحقائق لا الخيالات، وتخاطب العقول لا العواطف، وتستهدف العلم، لا الإثارة، وتخص غالبًا المثقفين.

أما الخطابة “وبالأخص لدى أصحاب المنابر” فهي القصد إلى فكرةٍ ورغبةِ -قد تكون معلومةً من قبل- فهي تعمد إلى الإثارة والإقناع، وتخاطب العواطف والشعور وتستهدف الاستمالة، وتعم المثقفين وغيرهم. وثمة جانب آخر في التأثير ينبغي مراعاته، وهو أن تأثير الخطيب في سامعيه ليس بالإقناع والإلزام، بل مرده إلى إثارة العاطفة، وحملهم على الإذعان والتسليم، ولا يكون ذلك بالدلائل المنطقية، ولا بالبراهين العقلية التي يعتمدها المحاضر الذي يخضع بعد المحاضرة وربما خلالها للحوار والسؤال، ولكن بإثارة العاطفة ومخاطبة الوجدان. ومن هنا فإن الخطيب فد يستغني عن الدلائل العقلية ولكن لا يمكن له أن يستغني عن المثيرات العاطفية، كما أن أكثر ما يعتمد عليه الخطيب في حمل السامعين على مراده مخاطبة وجدانهم والتأثير في عواطفهم.

في هذا السياق فإن كتاب غوستاف لوبون “سيكولوجية الجماهير”، الذي كتبه أواخر القرن التاسع عشر، لا يزال يحتل موقعه في دراسة نفسية الجماهير، بوصفه مرجعا لا غنى عنه لكل باحث فهو يعتبر الجمهور ظاهرة اجتماعية نرى فيها ذوبان الأفراد في كتلة واحدة. من هنا يمكن تفسير الدور الذي يلعبه القائد أو الموجّه في تحريك الجماهير حيث يقوم بالدور إياه الذي يقوم به التنويم المغناطيسي، على غرار ما يقوم به الطبيب النفسي في علاجه لمريضه. أن هذا الجمهور يمتلك وحدة ذهنية، ويتحرك بشكل لا واع.

يرى لوبون أن للجماهير خصائص تميزها عن الأفراد، حيث تتناول الخاصية الاولى ذوبان الشخصية الواعية للأفراد وتوجيه المشاعر والأفكار في إتجاه واحد. الجمهور (أيا تكن نوعية الافراد الذين يشكلونه، وأيا يكن نمط حياتهم متشابهاً أو مختلفاً، وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاؤهم، فإن مجرد تحولهم جمهوراً يزودهم نوعاً من الروح الجماعية، هذه الروح تجعلهم يحسّون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر كل فرد منهم لو كان معزولا)(1).

استذكر هنا فكرة لطالما شغلنتي وهي فكرة المقارنة بين عمل سيمفوني لاوركسترا وما يحمله من جمال وتناغم وتكامل وحياة قائمة بذاتها لهذه الوحدة المركّبة المنتجة ولهذا العمل الجماعي الفردي بالوقت نفسه. وبين إجتماع لأفراد (يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا) كما يقول المثل العربي المثير للأسى والكآبة والإحباط، مع الإعتذار بالطبع لعازف الإيقاع في الأعمال السمفونية، فالمسافة بين الأثنين عظيمة والبون شاسع، فالأول عمل يتبارى به الفرد مع الجماعة ليؤكد ذاته من خلالها بينما في الحالة الثانية نجد الفرد وقد تهشمت ذاته بعصا الاستبداد الجمعي أو هاجس القطيع الى شظايا يجمعها طبل الحشود. وعندها تختفي من الحديث والنقاش والحوار صيغة (أنا ) الفردانية المسؤولة عن أفعالها الواثقة من موقفها المدافعة عن وجهة نظرها لتحل محلها صيغة القناع أي صيغة (نحن) الدفاعية التي طالما أخفت ورائها ضعف الحجة وهزال المنطق وخواء المعنى والمختبئة تحت عباءة الجمع والمتحدثة باسمه. كما إن الحديث عن الحشود والجموع من جهة والفرقة من جهة اخرى يحيلنا الى مفارقة بمنتهى الغرابة، نجد فيها العمل المتناغم المتكامل الذي أشرنا اليه آنفا نتاج (فرقة وفردانية) بينما الفعل الذي تقوم به الجماعة في الحالة الثانية ليس سوى تجمع قطيعي. فكيف تخلق الفرقة عملاً جماعياً فذاً يحتفظ بخصوصية الأفراد المشاركين فيه ولا تخلق الجماعة سوى حشد تحركه هواجس القطيع بغريزته البهيمية!، سواءاً كان التجمع لمهرجانات البهجة أو الاستعداد للعدوان وتبريره او للتسلط او التفرد الأناني بأبشع صوره لجماعة تظن إنها شعب الله المختار فتفعل ما تشاء أو الفرقة الناجية التي تحيل الآخرين إلى جهنم وبئس المصير أو الوكيل الحصري والوحيد للحقيقة المطلقة الذي يرفض حق الحياة أصلا لمن لا يشاركه إيمانه وقناعاته، أو بالتعصب الأعمى المزهو بنفسه والمدافع عن مواقف بلا حجة أو دليل سوى إن عددا كبيرا من البشر الكسالى ـ الذين أراحوا أنفسهم من التفكير وانقادوا لمن يفكر بالنيابة عنهم وأسلموه رقابهم ـ ، آمنوا بها.

وقد يجرنا الحديث الى مسارات اخرى ويدفعنا نحو إعادة التفكير بكثير من المسلّمات القطيعية التي استقرت باذهاننا ودخلت من باب الكسل الموارب وكأنها بديهيات أو مقدسات لايجوز لنا أن نستقرؤها من جديد ونعيد النظر بها أو حتى أن يكون لدينا الجرأة لفعل ذلك. يدفعنا الخوف المتأصل بذواتنا من الجماعة والخوف من إعلان الإختلاف معها فالخروج على الجمع، من الكبائر، على حد تعبير الخطاب الديني أومن العيوب التي تدعو لخجل من يرتكبها بالتعبير الإجتماعي الجمعي الذي يخيف الغنم من سطوة الذئب الذي يستهدف القاصية منها، باستبطان نفسي لحالة من القبول المطلق لما تقره الجماعة صواباً كان أم خطئاً.

وهكذا يدخل أقطاب وأحزاب الاسلام السياسي إلى معترك الحياة بعد الانتفاضات العربية، برماح يرفع عليها راية تطبيق الشريعة ويدعون للتحكيم بالاستناد إلى مقولة قديمة استخدمها أساطين الفن الهابط وأفلام المقاولات وهي مقولة “الجمهور عايز كده”. ليزيح من أمامه عقبات تتمثل بالقوى التي تناضل من أجل المطالب الحقيقية التي قامت من أجل تحقيقها الانتفاضات التي قادها الشباب، في الحرية والعدالة والديمقراطية ودولة القانون المدني، هذه القوى التي تدعو للحوار العقلاني والمناقشة العلنية لحل المشاكل والبحث عن حلول لأسئلة الحاضر والمستقبل لا استعادة الماضي المجيد من خلال الخطب ومسيرات “الحشد المؤمن” المطالبة بتطبيق الشريعة والرافعة لشعار الاسلام هو الحل، ولا عبر استحضار النص المقدس وتفاسيره المتناقضة المتراكمة عبر الأجيال والتي تؤكد بلا ادن شك إن تفسير المقدس غير مقدس لأن التفسير خاضع للتغيير الذي هو سنة الكون. وإلا لكانت فتوى مشايخ سالف العصر والأوان بتحريم تقليد الطيور وبزندقة عباس بن فرناس قائمة ليومنا هذا.

ولا أظن أن هناك رجل دين أو مرجع أو مفتي، يذهب إلى العلاج أو الحج على متن طائرة، يُقر بفتوى كهذه، تجاوزها الزمن بفضل التطور العلمي وأصبحت بمثابة طرفة في حديث فكاهة.
 
 هامش:

(1)جوستاف لوبون. سيكولوجية الجماهير. ترجمة هاشم صالح ، دار الساقي بيروت ، 1991م
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق