هل أتاك حديث المشانق ! / الحبيب الجنحاني

– قال صاحبي : عندما تسيطر عليّ الوساوس، و يقض مضجعي الخوف على مستقبل الوطن أبحث عن أخبار مطمئنة لأهدأ، ولتعود إلي الابتسامة، و لكن سرعان ما تهجم علينا الأخبار المستفزة فتنعش الهواجس السوداء.

نحن ننتسب إلى جيل يؤمن بالدولة، و بضرورة صيانة هيبتها، و بخاصة في عيون المواطنين، فلا ننسى أن مفهوم الدولة الحديثة، ما يزال هشا في المجتمعات النامية، إذ الكثير يخلط بين الدولة و السلطة الحاكمة، و تنحصر الدولة في بعض الحالات في الزعيم القائد و الملهم، و عندئذ يبدأ التأسيس للاستبداد، لذا فكل ما يمس هيبة الدولة يدخل على جيلنا القلق و الحزن.

حاولت هذا الصباح أن أقرأ الأخبار المفرحة، طاردا عني الوساوس و الهواجس، و لكن سرعان ما نزل علي خبر كالصاعقة، كيف تتصور حالتي، و الخبر نزل من قمة الهرم ينذر مرغيا و مزبدا بإقامة المشانق إن حاولت فئة اجتماعية إسقاط الحكومة القائمة، و الاستيلاء على السلطة، و مما زاد في غرابة هذا الخبر أنه بث من خارج حدود الوطن، و من منبر إعلامي أجنبي، هل تصدق هذا الكلام في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن كلاما يبعث على الطمأنينة، و التفاؤل بالمستقبل ؟

– قلت : قرأت الخبر، و لكنني لم أصدقه قائلا : لعله انتزع من سياقه، و هوله الصائدون في “الماء العكر”، فهو كلام لا يمكن أن يصدر عن إنسان ساذج، فما بالك بمن هو مسؤول عن تسيير شؤون مجتمع بأسره.

لا أدري : هل تعلم أن الله جل جلاله يمنح بعض الناس ذكاء حادا يمكنهم من التنبؤ بالمستقبل، و لا يدرك معاني أقوالهم إلا من أوتي الحكمة، فقد سجل لنا التاريخ العربي نماذج من ذلك أكتفي هنا بذكر مثالين :

أ‌- كان أحد أمراء المماليك اسمه قراقوش (ت. عام 597 هـ)، تنسب إليه أقوال و أحكام عجيبة نتيجة حدة الذكاء، و لم يفهمها الناس، و قيض الله مؤرخا نبيها سجل أقواله الغريبة في كتاب سماه “الفاشوش في أحكام قراقوش”!

ب‌- أما المثال الثاني فهو من التاريخ المعاصر، فمن المعروف أن الجنرال النميري تلقب في آخر حكمه بأمير المؤمنين، و طبق الشريعة، و أقام الحدود فقطع أيدي السراق الجياع، و حمى نهاب ثروة الشعب السوداني الفقير، و كل ذلك بمباركة أحد زعماء الإسلام السياسي في الوطن العربي الأستاذ حسن الترابي مستشار الجنرال، و قد اعترف ذات يوم بأن صديقه كان يشرف بنفسه على إقامة الحدود، و رافقه في إحدى المرات فأغمي عليه.

كان النميري يتجول ذات يوم في طائرة “هيلوكبتر” فالتفت إلى مرافقيه سائلا : هل تعرفون ماذا يقول محرك الطائرة، فأجابوه كيف نعلم ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال لهم : إنه يسبح باسم أمير المؤمنين النميري ! إنها رواية ثابتة لا يتطرق إليها الشك.

* * *

– قال صاحبي : أريد أن أعود إلى لب الموضوع لأسألك من هم “العلمانيون المتطرفون”؟

– قلت : من يريد أن يعرف من هم فلا مناص له من بعث محاكم تفتيش حتى يكون الشنق عادلا و منصفا، فهي القادرة على النبش في ضمائر الناس لتحديد هوية “العلمانيين المتطرفين”، إذ أن الفئات التي يمكن أن تصنف ضمن هذا المفهوم الجديد متعددة و متنوعة، فبينهم الماركسيون، و المتمركسون، و الماركسيون صنفان : عشاق ماركس الهيغلي الشاب، و أحباء ماركس الشيخ، و نجد اللينينيين الستالينيين، و اللينينيين فقط، و كذلك التروتسكيين، و الماويين، و إذا وصلنا إلى الفضاء العربي نجد أشتاتا من التقدميين يمكن حشرهم ضمن مفهوم “العلمانيين المتطرفين”، نجد البعثيين، و هما تياران، و الناصريين العروبيين، و الناصريين الماركسيين، و العصمتيين (نسبة إلى عصمت سيف الدولة)، أما الصعوبة الكبرى التي ستعترض محاكم التفتيش لتحديد هوية “العلمانيون المتطرفون”، فهي التعرف إلى ما يدور في ضمائر المسلمين التقاة الورعين، و لكنهم ماركسيون، أو متمركسون، و بينهم جماعة من الزيتونيين و الأزهريين، فلا بد إذن أن تضم المحكمة أحد فقهاء البلاط ليسعفها بفتوى تتهم هؤلاء بالزندقة، مفيدا من فتاوى فقهاء السلطان التي يزخر بها تراث الفكر السياسي الإسلامي.

أريد أن أصدع هنا مرة أخرى قائلا : إن تقسيم التونسيين إلى إسلاميين و علمانيين مقصود و ممنهج، و لم يسمع الناس بهذا المفهوم قبل الحملة الانتخابية في خريف سنة 2011، و خطط الماكرون لنشره في الأوساط الشعبية، و قرنوا عن وعي بينه و بين الزندقة و الكفر، ثم جاء الخطاب الرسمي، و من هرم الدولة إلى التهديد بنصب المشانق لفئة منهم !

الاختلاف المطروح اليوم في المجتمع التونسي هو اختلاف في الرؤية الفكرية السياسية بين مواطنين مسلمين متمسكين بهويتهم العربية الإسلامية، و لكنهم حداثيون تقدميون يعملون من أجل أن تلتحق بلادهم بركب الحضارة الكونية، و محافظين ماضويين يجهلون التجربة التاريخية التي عاشتها الحضارة العربية الإسلامية، و أن التقدم و التألق الذي أنجزته في عصور ازدهارها جاء نتيجة التحامها بالحضارات الكونية التي سبقتها، و لما تخلفت، و تقوقعت أفل نجمها.

* * *

– قال صاحبي : أعرف أنك شغوف بقصة غيلان الدمشقي المأساوية، فهل هناك شبه بين قصص الأمس، و قصص اليوم ؟

– قلت : إن الشبه واضح مع الأسف، و قد تسأل لماذا مع الأسف ؟ لأن قصص الماضي لم تدخل إلى الأبد في مصنفات التاريخ، و تصبح تراثا، بل أصبحت قصصا نعيشها في حياتنا اليومية بعد أن اكتسحت موجة الردة و الرداءة الوطن العربي.

لما بلغني خبر الإنذار بنصب المشانق عادت بي الذاكرة إلى مأساة غيلان الدمشقي في مطلع القرن الثاني للهجرة، و كان عالما مجتهدا، زاهدا ورعا، و صديقا حميما لعمر بن عبد العزيز (61-101 هـ)، و لكنه من المدافعين عن حرية الإنسان، و أنه مخير، و ليس مسيرا، و هو حر في اختيار النظام السياسي الذي يتفق عليه المسلمون مخالفا بذلك إيديولوجية الأمويين التي تقوم على المذهب الجبري، ومعارضا سياسة توريث السلطة، و ناسفا مقولة، “الإمامة في قريش”، و لما تولى الخلافة هشام بن عبد الملك (71-125 هـ) استنجد بفقهاء السلطان ليلفقوا له تهمة الزندقة فقطع يديه، ثم صلبه على أحد أبواب دمشق !

عندما يعطى لمفهوم “العلمانية” محتوى دينيا، و هي بعيدة عن ذلك كل البعد فيكمن أن تلصق بيسر التهمة بغيلان لو بعث من قبره، و أصبح يعيش بيننا، و لا نستغرب بعد ذلك أن نستيقظ ذات صباح لنجد غيلان الدمشقي مشنوقا على أحد أبواب مدينة تونس بجوار حمة الهمامي!

عن جريدة الشروق التونسية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق