هل أحرق بوش العالم؟

ما من صحيفة في العالم إلا وتطالعنا بعنوان واحد على الأقل فيما يتعلّق بأخطاء السياسة الأمريكية في عهد بوش، وتحمّل الغالبية العظمى من هذه الصحف والمجلات وأيضا التلفزيونات ومواقع الإنترنت، الرئيس الأمريكيّ شخصياً مسؤولية الحرائق في العالم.

من المؤكّد أنّ أصابع الاتهام يجب أن توجّه للسياسة الأمريكية بخصوص الكثير من الصراعات والحروب، بل يجب أن يحاكم موظّفو البيت الأبيض والكونجرس الأمريكي على جرائم الحرب التي ارتكبوها بشكل مباشر في أفغانستان والعراق، على سبيل المثال لا الحصر، أو شجّعوا عليها وموّلوها وأمدّوها بالسلاح والذخائر، ولكن هل يتحمّل الساسة الأمريكان فقط وخصوصاً الرئيس بوش بالذات اللوم كاملاً عمّا يحدث في العالم كما تطالعنا أغلب الصحف العربية؟ هل يستطيع شخص بعينه مهما ملك من قدرات فذّة أن يحرق العالم كما يقول عنوان المقال “بوش أحرق العالم” في صحيفة تشرين السورية في عدد السبت 22 تشرين الثاني 2008، بوش الذي يوصف أحياناً بالأخرق ويتّهمه البعض بأنّ معدّل ذكائه لا يتجاوز ذكاء طالب في الثانوية العامية، ويتندّر البعض الآخر بتصريحاته الخرقاء1.

يستحيل لشخص مهما ملك من قدرات ومهما كانت عبقريته استثنائية برأينا أن يحرق العالم إلا إذا تضافرت عدّة عوامل سياسية واقتصادية وديموغرافية، وأخرى معرفية وأخلاقية قبل كل شيء، إضافة إلى جهة وليس شخصا بعينه ـ وإن كان يمثلها كما سندلل بعد قليل ـ ، تمتلك من القوة والسطوة والنفوذ الحنكة لإدارة هذه الظروف.

نادراً ما نجد من يجادل بأنّ الولايات المتحدة تمثّل رمز الإمبريالية العالمية ومعقلها، وأن النظام السياسي والاقتصادي فيها يمثل مصالح النخب الاقتصادية والسياسية من مالكي ومدراء شركات النفط وشركات صناعة الأسلحة والسيارات والطائرات وغيرها من الشركات العابرة للقارات، بمعنى أن النظام السياسي فيها يترجم إرادة مجموعة من الأشخاص ويتمظهر وفقها، وهذه المجموعة هي أغنى أغنياء العالم. إذا قبلنا الفرضية السابقة، وأعتقد أنه من السهولة بمكان أن نتّفق عليها، فستكون الولايات المتّحدة بسياستها تمثل مصالح هؤلاء المتنفذين فيها وفي العالم، وسنقبل بأنّ هؤلاء هم من يتحكّم بسياسة البيت الأبيض، وأسماء قاطنيه وفق آليات لسنا بصدد الحديث عنها الآن. ومن المنطقيّ والطبيعيّ أنّ هؤلاء لن يتركوا أهمّ قوّة على وجه الأرض بكافة المعاني، وأكثر الاقتصاديات حجماً بيد أيّ كان، فما بالنا بشخص أحمق بكل ما للكلمة من معنى كما أكّد الكثير من السياسيين والمحللين والمفكرين، وسيعيدون التأكيد على ذلك في الأيام القادمة، عند مراجعة فترة بوش الرئاسية كما جرت العادة مع تغيّر الرئيس في أيّ بلد.

نستطيع القول بأنه لا يمكن تحميل بوش مسؤولية حرائق العالم، وسندّعي بأنّ بوش لم يكن سوى الواجهة والصورة للذين أحرقوا العالم فعلاً، أي الجهات والأشخاص والمؤسسات التي عبرت سياسية جورج دبليو بوش أو جورج بوش لا فرق، وحتى كلينتون الذي قد توصف سياسته بالاعتدال مقارنة بسياسة آل بوش، ودليلنا على ذلك واستباقاً كما قد نُتّهم، هو صمت باراك أوباما الرئيس المنتخب الذي صمّ أذنيه عن المجازر التي تحدث في غزة بحجّة أنّ لأمريكا رئيسا واحدا، وكذلك المواقف القادمة وطريقة تعامل أوباما، وسياسته مع ما ورثه من فترة رئاسة سابقه بوش، ولعلّ البشائر بدأت بالتوارد، من خلال إرسال نائبه إلى أفغانستان والعراق في الوقت الذي يتجاهل الحرب في غزة نهائياً، وكأنما أمريكا التي تحتل كلا البلدين غير أمريكا التي أرسلت ثلاثمائة طن من الذخائر لإسرائيل لتعوّضها عن الجحيم الذي ألقته على غزة، وربما تمهيداً لجحيم آخر في الضفة الغربية بعد الانتخابات الرئاسية القادمة والتي إن كانت ديمقراطية كسابقتها فستفوز بها حماس بأغلبية أكبر بكثير مما حدث سابقاً.

بالاستناد إلى الفرضيات السابقة، نستطيع القول إنّ الرئيس الأمريكي، أيّ رئيس في الأعم والأغلب، هو تمثيل لمصالح نخبة سياسية واقتصادية وهي ليست أمريكية صرفة بالضرورة، هذه النخب هي التي قدّمت بوش ووفّرت له الإمكانيات لوضع صورته في إطار رئيس للدولة العظمى في العالم، ولسبب وحيد هو أنّ شخص مثل بوش وإدارته أمّن للشركات الكبرى وخصوصاً الأميركية منها، المنتجة للأسلحة وشركات النفط وشركات البناء والإنشاء وحتى الشركات الغذائية وشركات الاتصالات، وغيرها سوقاً واسعاً لمنتجاتها، إن كان في أفغانستان أو العراق أو في إسرائيل بحروبها التي شنّتها في المنطقة، دون أن ننسى أن نشير إلى الاتفاق الذي يلزم الحكومة العراقية ببيع النفط للشركات الأمريكية بسعر بخس ثابت لا يتغير ليتناسب وأسعاره في الأسواق العالمية. فبالنظر للمكاسب التي تحققها الشركات الكبرى وخصوصاً منها الأمريكية من هذه الحروب، ربما سنستطيع أن نفهم لماذا تقوم الولايات المتحدة بإشعال الحرائق في العالم….

بالعودة إلى سؤالنا العنوان، نضيف، أنّه لا يمكن لشخص أن يحرق العالم بل لا يمكن لدولة مهما بلغت من قوة وجبروت أن تفعل، وإن فعلت فهي ليست وحدها في ذلك، فللإدارة الأمريكية شركاء في ما يحدث وهناك عوامل موضوعية كثيرة ساهمت ومهّدت وسهّلت مهمّة “إحراق العالم” منها 11 أيلول والقاعدة، والتي نسمع الكثير من اللغط حولها وحول علاقتها بالولايات المتحدة وإدارة بوش، وكذلك حول تآمر السي أي إيه الأمريكية في التدبير لهذه المجزرة، رغم عدم اقتناعنا بما يتمّ تداوله في هذا الشأن دون أن ننفيها كلّياً، فباب الاحتمال مفتوح دائماً، إلا أننا نظنّ القاعدة شريكا بشكل آخر في سياسة بوش المجنونة، إذ قدّمت له العنوان الذي برّر به حربه المجنونة على شعوب العالم خصوصاً في الشرق الأوسط، “الحرب على الإرهاب” واستطاعت سياسة بوش ومن خلفها أضخم المؤسسات الإعلامية والسينمائية في العالم، استثمار هذه المجزرة والصدمة التي سبّبتها للرأي العام الأمريكيّ والعالميّ حتى، باتجاه إعلان الحرب على كافة التيارات الفكرية والحركات والأحزاب بل والدول الممانعة والمقاومة أينما وجدت وبأيّ شكل كانت عليه، إن كان في العراق أو أفغانستان أو إيران وسوريا وحزب الله في لبنان أو كوريا الجنوبية، ودائماً في فلسطين، حيث أكثر الشعوب مقاومة لمشاريع الإمبريالية في القرن الماضي والحالي، وبذكر فلسطين وخاصة في هذه اللحظة، لا يمكننا أن نتجاوز دور عجز الشعوب وخصوصاً العربية منها التي يبدو عجزها جلياً اليوم، في إطلاق يد الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، عدا عن دور الحكومات والأنظمة العربية وتورّط قوى اقتصادية عربية والتي يبدو تواطؤها في أوضح تجلّياته، وهنا أقصد أغلب الدول النفطية وارتباط اقتصادها بالدولار والاقتصاد الأمريكي بقطاعاته وأسواقه المختلفة، ـ الاستثمارات العربية الخليجية والتي تبلغ أرقاماً خيالية، وتشكّل نسبة لا بأس بها من الاقتصاد الأمريكي ـ، عدا عن بعض الأنظمة العربية التي تعتاش على المساعدات الأمريكية، وكذلك الأنظمة التي تدين بوجودها واستمرارها للبنك الدولي، فالكثير من الأنظمة العربية مشاركة بشكل مباشر وفي أحسن الأحوال متواطئة مع البيت الأبيض في سياسته، أضف إلى ذلك دور الشعوب العربية بعجزها، في تمرير المخططات الأمريكية في المنطقة وغيرها من العالم.

هذه الأسباب جميعها هي التي سمحت لإدارة بوش بإطلاق يدها في المنطقة، واحتلال أفغانستان والعراق، وإشعال الاقتتال الطائفي في العراق…، أو الحرب في لبنان، وهو ما كان واضحاً بقوة في حرب تموز الأخيرة، وهو أوضح اليوم في المحرقة التي تحدث في غزة على مدار عشرين يوماً ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة، طبعاً لسنا بصدد تعداد وتوصيف آثار السياسة الأمريكية وتعدادها في عهد بوش، لأن الحديث سيطول وسنمضي الوقت في التنقل بين أوروبا الشرقية وإفريقيا وأسيا، وبل وحتى في أوروبا الغربية التي لم تشتعل النيران فيها كما في بعض مناطق آسيا وأفريقيا رغم أنها ترزح تحت أعباء تتعلق بالاقتصاد وللولايات المتحدة دور كبير في تراكمها، ربما لأن أوروبا رغم كل شيء، كانت وما تزال عوناً كبيراً لسياسة بوش أو متواطئة معها في الأخيرة، إن كان من خلال دول أوربا مجتمعة من خلال ما يسمى الاتحاد الأوربي، أو كل على حدة، كما في موقف بريطانيا دائما، وفرنسا ساركوزي، مثلاً، إذ لا تختلف أغلب دول أوروبا الأخرى في موقفها كثيراً عن المواقف الصريحة لفرنسا وبريطانيا، فهي إما أن تقف موقف المحايد من ممارسات الولايات المتحدة الخاطئة المدمرة لمجتمعات واقتصاديات وثقافات وبنى اجتماعية والتوازنات الضرورية، أو تؤيدها تحت مسميات عدة.

فأوروبا اليوم، وخصوصاً بعد (توحدها!!؟)، وسقوط الإتحاد السوفييتي، ينتظر منها أن تكون أكثر حضوراً وفاعلية في العالم، إلا أنها أثبتت وما تزال عجزها عن تبني دور حقيقي يتناسب مع حجمها وإمكانياتها وإرثها الحضاري بكل جوانبه السياسية والاقتصادية والثقافية. وكذلك الصين (الشيوعية!!) واليابان صاحبة الدين الثقيل بذمتها للولايات المتحدة والحلفاء بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، رغم أن الأخيرتين اليوم تعتبران من أهم الاقتصاديات في العالم وبالتالي من أكثر الدول قدرة على التأثير.

خلاصة القول: أن الإدارة الأمريكية التي تعبّر عن مصالح شركات ومؤسسات أصبحت إمكانياتها تفوق إمكانيات الدول، وكذلك تأثيرها، (وإلا ما هو تبرير عدم اختلاف سياسات البيت الأبيض جوهرياً أيا كان الحزب الحاكم في الولايات المتحدة ومهما كان اسم الرئيس)، فهذا النوع من المؤسسات لا ينتمي ولا يؤمن بدولة أو شعب أو ثقافة، وبالتالي لا يعترف بأيّ أخلاق إلا الأخلاق التي تمكّنها من رؤية العالم ككلّ سوقاً تتنافس فيما بينها على اقتطاع الحصة الأكبر منه، بل الأنكى أنها تسعى إلى تحويل المجتمعات دون اعتبار للاختلافات بينها إلى قطعان مستهلكة لمختلف منتجاتها بما فيها السلاح، من خلال آليات مختلفة لا مجال لذكرها هنا في تحتاج إلى بحث مفصل وطويل خاص بها، والسياسة الأمريكية وكذلك في معظم دول أوروبا ليست في أحسن الأحوال سوى محاولات لتطبيع مشاريع الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى من خلال الحكومات المختلفة في العالم أياً كان على رأسها، حتى لو أدّى ذلك إلى إحراق العالم عبر واجهة متمثلة بالرئيس الأمريكي بوش، وأوباما لاحقاً….

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This