هل أنقذت ما بعد الحداثة الحداثةَ من مأزقها؟



  

  تنامى في العقود الأخيرة تيّار ما بعد حداثي، شمل الفلسفة والفكر عموما يعلن عن انهيار “السرديات الكبرى” كفكرة الحقيقة والعقل  والموضوعية والتقدّم والتنوير… وقد تزامن هذا التشكيك مع تحوّل شهده الغرب نحو شكل جديد من الرأسمالية يحتفل بالنزعة الاستهلاكية ويطلق العنان للذّة والشكل السلعيّ بعيدا عن ضوابط القيم.


     عملت ما بعد الحداثة إذن على التحرّر من سجن الذات واستحضار اللامعقول و”الجنون والكشف عن اللامفكر فيه والمستحيل التفكير فيه والمسكوت عنه، واستدعاء الهوامش لتزعزع يقينيات المراكز. فالذات ذوات والسلطة سلط وهو ما يستوجب الانتقال من “معقولية الوحدة إلى معقولية الكثرة والتنوع” (فتحي التريكي: الحداثة وما بعد الحداثة).

     لقد صيغت هذه المقولات انطلاقا من مآزق الحداثة، التي انبنت على الوعي ومركزية الذات والانطلاق من العقل ومعاييره لإظهار الحقيقة. فاكتشاف اللاوعي مع فرويد واللاشعوريّ مع نيتشه والميكروسلطة مع ميشيل فوكو… استوجب تحرير الأنا إلى أقصاه من تجلّيات السلطة ووسائل قهرها وعنفها. ” فما بعد الحداثة تنبع من استحالة الحداثة، من تفجرها الداخليّ واتّهامها لذاتها”(تبري  إيغلتون: أوهام ما بعد الحداثة).العدل والحرية والعقل…إذا “سرديات وهمية” وجب هدمها، عقلانية التنوير وجب احتقارها، فعقل الحداثة جلب الحروب والمجازر، والتنوير عوض أن ينير أظلم، فلنحتفل إذن بالمعرفة المرحة ولنفرح بقبر فلسفة البؤس وتشييع جنازة العقل!

     ولكن ألا يجدر التساؤل في الردّ على ما بعد الحداثيين ” حول الشروط التاريخية الخاصة التي تضطر أفكارا رائعة كأفكار العقل والحربة والعدالة لأن تتحوّل الى صور زائفة تثير العطف والشفقة” (تبري إيغلتون: أوهام ما بعد الحداثة). أليست ما بعد الحداثة ” ذلك الطفل الأوديبي لذلك العصر الذي يتلوّى حائرا مرتبكا إزاء الهوة بين الكلام الكبير الذي يطلقه أبوه وبين أفعاله الرّاهنة الرخوة؟” (تيري إيقلتون).

     يبدو أنه من المنطقيّ وجود شروط ماديّة جعلت تلك الأفكار تتحوّل إلى نقيضها. فالابن (ما بعد الحداثة) طمس عينا الأب(الحداثة) أو بالأحرى خان وصيّته فاستمرّت أمراض الحداثة في ثوب جديد في شروط جديدة متّخذة اسم ما بعد الحداثة.

     فالمشكلة تتلخّص في الحامل التّاريخي للحداثة الذي لا يمكن له أن يواصل الحياة إلاّ بإلقاء مقولاته وراء ظهره. فقد كان مقدّرًا “لفوضى السوق أن تولّد دولة سلطويّة” وكان محتملاً”لأشكال العقل الأداتي أن تستخدم في تقييد البشر أنفسهم وفي قمعهم”(إيقلتون).

     فالحداثة التي كانت تتباهى بحريّة الذّات واستقلالها وما يستوجب ذلك من اعتراف بالآخر واستقلاله ” أجبرت على أن تضحّي بحقيقة الذّات وهويتها على مذبح تعدديتها” تحت شعار يدعى الحريّة.

لقد انحلّت الذات الموحّدة لتخلي المجال لزحف الذّات المستهلِكة،الذّات الرغبة،الذّات السّلعة، و هكذا تحوّل الآخر المستقل إلى نسخة تعمّم ضمن نظام ينتج نسخ متشابهة.

     لقد حسبت ما بعد الحداثة أنّها حرّرت الذّات الكلاسيكيّة من قيودها و لكنّها هل فعلاً أصبحت حرّة؟؟

إنّ الذّات ما بعد الحديثة “حرّة وسلطويّة، متعيّة وكابتة، تعدديّة وأحاديّة وسبب ذلك لا يصعب تبيّنه فمنطق السوق هو منطق لذّة وتعدّد، منطق شبكة من الرّغبة لا مركز فيها”(إيقلتون: ما بعد الحداثة).

     فالحديث عن الشواذّ جنسيًّا مسموح به، وغير مسموح الحديث عن الهيمنة، والحديث عن الجنس مسموح به بل تسخّر سينما محدّدة لنشره، أمّا الطبقة فمقولة وجب قبرها، واختزال الجسد في الإشهار مسموح به أمّا الجسد الجائع والمنهك فلا يجب التفكير فيه بل وجب السّكوت عنه.

     إنّ ما بعد الحداثة ليست سوى تبريرٍ لمجتمع الاستهلاك ودعامة من دعائم العولمة حيث “القبض على تلابيب الفرد أينما كان لتحوّله إلى عبد يستهلك إنتاجيّاتها الماديّة والرمزيّة” (فتحي التريكي) وبذلك عادت الوحدة لتهيمن بمنطق أكثر إقصاءً حيث الكلّ همج وبرابرة لا بدّ من تحضيرهم وأنسنتهم.

ولئن احتفلت الحداثة بميلاد الإنسان فإنّها أنتجت سمًّا (ما بعد الحداثة) يميت الإنسان ذاته، إنّ كلّ هذه المآزق أعادت النّقاش حول ضرورة التنوير والعقلانيّة.

     فمشروع الحداثة لم يكتمل بل وجب تخليصه من تناقضاته. وقد كان هابرماس (الفيلسوف الألماني) من بين من نادى بضرورة وحدة العقل “كمنبع لتعدديّة خطاباته” حيث العقل التواصلي القاسم المشترك بين الثقافات..إلاّ أنّ ذلك لا يمثّل حلاّ للإشكاليات المتراكمة. فمقولة الوحدة بحسب صيغة هابرماس تسقطنا في مأزق آخر ألا وهو التّمركز الأوروبّيّ حيث الغرب “الضّامن المطلق للحريّة”(هابرماس:الخطاب الفلسفي) (انظر كذلك فتحي التّريكي: الحداثة وما بعد الحداثة) ممّا يخلق حركات اِرتداديّة نكوصيّة ما قبل حداثيّة متقوقعة على الذّات ومهووسة بسكن الماضي أو ما سمّاه سمير أمين”الاستشراق المعكوس”.

     إذا كانت مقولات الحداثة قد تمّت خيانتها وتجاوزها لمشاريع مضادّة للمجتمعات، فإنّ ذلك لا يعني إفلاسها كمشروع معرفي بل إنّ الواقع يفرض راهنيّتها بتجاوز تناقضاتها حيث نحتفل بانتصارها في شروط موضوعيّة أخرى وبحامل اجتماعيّ آخر يبقى مضطرًّا لها رغم نفوره منها، خاصّة في مجتمعنا العربي الذي أضاعت “نهضته المغدورة توأمها التنوير”(مطاع صفدي).

فكيف السّبيل إلى تجاوز التّصادم بين وعي الأنا والآخر ضمن المجتمع العربيّ حتّى يتحوّل حلم الحداثة إلى واقع متجسّد؟؟ وما هي مقوّمات حلم العيش المشترك كونيًّا؟؟
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق