هل الاختلاف حق مطلق؟

برزت، إنطلاقاً من تسعينات القرن العشرين، مجموعة من المقولات في الفكر السياسي. وقد استخدمها كثير من الباحثين والصحفيين في مقالاتهم ودراساتهم وأحاديثهم. غَلب عليها طابع العمومية وعدم الوضوح وعدم التحديد واللعب في اللغة والتورية. منها : المجتمع المدني، الديمقراطية، حقوق الإنسان، التعددية. وسنناقش حصراً مقولة حق الاختلاف لما لها من دلالات على مستويات عدة.

يعبر مفهوم حق الاختلاف كما طُرح عن الحرية المطلقة في الاختيار، حيث يمكن للأفراد والجماعات أن يتموضعوا في أي حزب سياسي أو جماعة أو عمل أو ارتباط أو نشاط ما،وأن يختاروا ما شاؤا من أشكال الفكر وأن يحولوه إلى ممارسة عملية.

هذا الحق كما هو مبيّن لا يميز بين ما هو صالح للعصر الحديث وبين ما هو ضده، بين ما هو خير لمجموع الناس وبين ما هو خير لفئة ما، بين من يملك ومن لا يملك. أي هو يؤكد على أن المجتمع ذو طبيعة سكونية، غير متحركة، وهو خال من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي هو مجموعة من الأفراد المتناثرين كتناثر حبات الرمل.

الحق بهذه الصورة يؤدي مجتمعياً وسياسياً إلى الفوضى وتدمير الموضوعية في المعرفة وعدم الاعتراف بقيمة العلم أو العقل فكيف بالعقلانية وكذلك التاريخ حيث لا تراكم ولا قفزات ولا نشاطات تغييرية. وhقتصادياً إلى الاحتكار وتحكيم الخاصة في العامة. هذا لو أن الناس تبنوا هذه الدعوات الإيديولوجية كمشروع واقعي. وبالتالي سيكون ما بحوزتي أنا حر به وما بحوزتك أنت حر به. وأما لماذا ما بحوزتك بحوزتك، وما بحوزتي بحوزتي، وما علاقة هذا بذاك؟ فإن الأمر لا يعدو أن يكون تساؤلات من بقايا الايدولوجيا الماركسية، التي أفضت وفق ذلك الفهم إلى الشمولية وألغت حرية الفرد وأطلقت النار على كل من قال بحرية الاختلاف.

سياق التحليل أوصلنا للعبث والفوضى، إن ساد هذا الفهم. ففي سوريا، وعلى أرضية النقد الثأري من حقبة العمل الثوري ومن النظام السياسي الديكتاتوري، غرّق بعض المثقفين في إطلاقية حقل حق الاختلاف حيث ساووا فيه بين : الليبرالي والطائفي والمتخلف والديمقراطي واليساري والماركسي والقومي والفاسد في مرحلة لاحقة وهذه الفكرة عرفت بضرورة تشكيل جبهة واحدة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وهو ما توقعن لاحقاً بإعلان دمشق أو جبهة الخلاص الوطني مع ترجيح نمط فكري وسياسي واقتصادي لصالح بنية معرفية بعينها!.

ولذلك ليس من حق مطلق، بل إن حق الاختلاف مشروط بقضايا وخصائص حداثية، وأن كلا من البشر له شروطه المختلفة وقضاياه وخصائصه لهذا المفهوم. وبالتالي يتمايز هذا الفهم بتمايز الرؤية الفلسفية والمواقع الاجتماعية للباحثين والأفراد والجماعات والأحزاب.

لذلك، نقارب الدقة بخصوص هذا المفهوم بالقول: إن مفهوم حق الاختلاف يتضمن حق الجماعات والأفراد بالتمتع بمختلف الحاجيات والحقوق الأساسية والحريات الأساسية دون أن يضطهد أو يقمع أو يتمايز بعضهم عن بعض.

هذا الحق فلسفياً ينتمي إلى حقل الحداثة والتنوير، وبالتالي كل فكر أو سياسة أو إيديولوجيا خارج إطار الفكر البشري أو ليست من إنتاج البشر لا يمكن أن تكون ضمن حقل حق الاختلاف، حيث أن ما هو مقدس المشاريع الطائفية بعمامة أو بدونها) لا يقبل بما هو مختلف عنه. فالدين من الله ولله في البشر وكلاء حصريون. وهذا ما يفترض الابتعاد عن توجيه أي نقد للدين سواء، أكان للبيانات الصادرة باسمه أو للأحزاب السياسية الطائفية أو للقادة الدينيين ؟

وبالتالي في حقل الاختلاف الحداثي ينحصر مجال المقدس بما هو حق شخصي للأفراد والجماعات بممارسة العبادة والشعائر الدينية وفق العادات والتقاليد المتوارثة. أي أنه، حق لا ينتمي للحقل العام لجميع المواطنين. ولكنه بعكس ذلك، لا يخرج من نطاق الحق الفردي ويبقى على حاله في إطار ممارسته إجتماعياً عبر الصلاة أو الحج أو غيرها. وبذلك ينصف حقل الحداثة حقل ما قبل الحداثة، أي يساوي بين البشر دون تمييز ماهوي، ديني أو قومي ونضيف كذلك طبقي..

تسييس الدين، أو تطويفه- تحويله حزب سياسي طائفي- أي نقله إلى حقل الاختلاف يلغي الأخير ويحوّل الدين ذاته إلى عامل إعاقة وتفرقة بين جماعات المجتمع أو الدولة أو الأمة. حيث بذلك نكون أمام دولة دينية أو مشروع يتجه نحوها (الأدق القول دولة طائفية) وهذا المصطلح صحيح حتى لو كانت الدولة دولة ذات طائفة واحدة. حيث ستظهر عندها الفرقة الناجية والمشروع السياسي للمذاهب عدا عن دور الفتاوى السياسي.. عكس ذلك يكون الدين عامل تقدم بالمعنى الأخلاقي والاجتماعي وذلك حينما يستقل عن السياسة أو التدخل في شؤون الدولة وفي مكونات الدستور وقوانينها. عندها تكون الدولة دولة حديثة شريطة أن تكون دولة مؤسسات وبها انفصال للسلطات بعضها عن بعض وللأفراد حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية المنصوص عليها في شرعة حقوق الإنسان.

نحدّد أكثر، الحق في الاختلاف، هو حق في حقل الحداثة، حيث من الممكن أن تتصارع القوى البشرية عبر مقولات متعددة كالعقلانية والعلمانية والديمقراطية والليبرالية والقومية والوطنية والمدنية الخ..

وبالتالي لا يمكن إدخال التكوينات الأهلية ( العشائر والأديان والمناطق والعائلة ) ضمن هذا الحق وإنما هي فقط في إطار العادات أو التقليد والشعائر الدينية.

الاختلاف حق مشروط بتشكل الدولة الجامعة، العلمانية الديمقراطية، ذات القوانين المطبقة على جميع أفراد المجتمع على اختلاف مذاهبهم أو أحزابهم.

الضامن لهذا الحق للأفراد والجماعات هو الدستور، وكل دستور ينتقص من هذا الحق ليس بدستور عادل، وهو ما يؤبد عدم الحق بالاختلاف ويظهر ذلك عيانياً عبر القوانين وفي حياة البشر.

أما في إطار الأدب من شعر ورواية وقصة ومسرح وسينما وغناء وموسيقى ورقص وغيرها من الأشكال الفنية فالحق في الاختلاف حق مطلق، خيار بلا ضفاف، لا حد له، إلا وعي المبدع. فبمقدار وعيه وعبر إبداعاته، يوسع خيارات البشر ويفتح أفقهم ويكسر الحواجز ويلامس الجوهري والجديد والرائع ويعطي البشر كثيرا من الخيالات والفرح.

الحرية والاستقلال هي أصل الإبداع. دون ذلك، يدخل المبدع في زواريب الحد والشرط والسقف والضفة والمحرم وهو ما يسمح لبعض الساسة الفاشلين في العمل السياسي التحوّل إلى مبدعين أفذاذ. وهذا لا يلغي وجود احتمال هامشي لتحول بعض السياسيين إلى أدباء جيدين ولكن القاعدة أن حقل الأدب بلا شروط ما عدا ما يساعد على إنتاج أدب جيد وأما حقل السياسة والاقتصاد فمشروط.

إطلاقية الحق أدبياً تسمح للأدباء أن يعيدوا تشكيل العالم جمالياً وروحنته وبالتالي خلق الوعي البشري الراقي. في هذا التشكيل يلعب الحق في الاختلاف رافعة التقدم الأدبي.

ونضيف هنا لا معنى لمقولة أدب ثوري أو أدب رجعي، فهذه المقولات ضد الحد المطلق في الاختلاف وهي نقل لشروط الحدود في السياسة إلى الأدب.

لذلك هناك فقط أدب جيد أو أدب سيء. الأول : يكرس إنسانية الإنسان، أي التفتح للقدرات والحرية والكرامة والجمال والحس المرهف والخيال الجامع والتعددية في الرؤية الديمقراطية في العقل والسياسة والجمال ويحض على العالم الخالي من الفاقة والفقر والجوع.

أما الثاني: فيكرس القائم، المؤبد نفسه بقوة أجهزة السيطرة. وبمساعدته يتم إعادة إنتاج كل ما هو ماضوي وكل ما يعيق تطور الحاضر ويخلق الأزمات في وجه المستقبل. حتى كأن الهدف أن يكون المستقبل هو هو الماضي. وبالتالي لا يعدو الحاضر أن يكون زمناً للتفسخ واللامعنى واللاجدوى.

أخيراً نوجز:الحق في الاختلاف يمكن أن يكون مفيداً إن كان مشروطاً في السياسة والاقتصاد. ويكون كذلك إن كان مطلقاً وبلا شروط في مجال الأدب بأنواعه المختلفة. ويتحول إلى حق كارثي إن كان حقاً مطلقاً في مجال السياسة والاقتصاد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق