هل البوذية ديانة أم طريقة للحياة؟

يقول البوذا: “لا أعرف شيئا عن أسرار الربّ لكني أعرف أشياء عن بؤس البشر”. بهذه الكلمات يلخّص البوذا غايته ويذهب مباشرة إلى الهدف من البوذية. فبمعرفة الكثير عن البؤس الذي يعيشه البشر، والطريق الحافل بالآلام والمرارة الذي يسلكونه، وبفيض التوق إلى الإشباع الذي يَسمُ النفس البشرية، أعني التوق إلى إشباع الغرائز والاستمتاع باللذات التي لا تنتهي والتي ينطبق عليها ما تقوله الحكمة المتوارثة- إنما مثل الدنيا كالماء المالح كلما شربت منه ازددت عطشا – ثم الوصول الحتمي إلى المعاناة التي تسببها حالة عدم الإشباع والظمأ الدائم بالإضافة إلى آلام العجز والخوف والمرض وخشية الموت وكل أسباب الشعور بالتيه والفقدان والاغتراب كل ذلك كان يدعو البوذا إلى التأمل من أجل الوصول إلى الخلاص وتجاوز كل العقبات التي تعترض الطريق الى السعادة والكمال للوصول إلى ما تسميه البوذية التنوير أو – النيرفانا-.

ثم يقدّم البوذا أعظم ما تؤمن به البوذية قائلا “إن القداسة والكمال من الصفات التي يمكن إكتتسابها”، وبهذه الكلمات يحطّم البوذا كل الهالات المقدسة التي تحيط بالفكر الديني الذي سبقه ومنزّلا إياه من البرج العاجي الذي يناطح السماء إلى الأرض التي تضجّ بالأسئلة ومناهج البحث عن الحلول. في كتاب(THE TRIPLE GEM –(An introduction to Buddhism أي الجوهرة الثلاثية – مقدّمة في البوذية- وهو أحد ثلاثة كتب عن البوذية للكاتب الأميركي (جيرالد روسكو) والذي عاش في تايلند لردح من الزمن مؤمنا ومتأثرا بنمط بوذية تايلند نرى مدى اختلافها عن أنماط البوذية الأخرى المنتشرة في الهند وجنوب شرق آسيا والصين وغيرها فهناك تفسيرات متعددة في البلدان المختلفة. لقد درس جيرالد روسكو البوذية باعتبارها طريقة للحياة لا تشترط أي تنازل عن أي ايمان سابق أو عقيدة أو دين يؤمن به المرء، بل تؤكد على احترام كل الأديان، يقول البوذا-لا تزدري دينا لاتؤمن به-. تكتفي البوذية باستعداد المرء للالتزام بقواعد معينة لها علاقة بالتأمل والنظرة المحبة للحياة باعتبارها قيمة مقدسة. وممارسة الرياضة الروحية التي تهدف الى التركيز العقلي وتنمية الملكات التي ترقى بالأنسان فكريا وروحيا. وتدعو للتعامل المتسامح بين البشر والكائنات الأخرى والحفاظ على الحياة بكل انماطها. انها دعوة للحياة وسط هذا العنف المنتشر كالنار في الهشيم في زوايا العالم الأربع، وهي دعوة للعودة الى الذات وإعادة تربيتها لما يجلب لها السعادة والرضى وسط القلق وأمراض العصر المستشرية بشكل يدعو حقيقة الى إعادة النظر باسلوب الحياة العصري الذي يجلب مع تطوره العظيم وايجابياته – التي لا يمكن لعاقل أن يتنكر لها- سلبيات كبرى.

كما يؤكد البوذا أنّ الطريق الى الكمال يمرّ عبر التربية والتجربة الشخصية وليس هناك من مستحيل أمام الإنسان، كما تؤكد البوذية على مجموعة من الأمور التي تأخذ طابع التعهد الشخصي، يفرضه المرء على نفسه ويلتزم به قائلا :

— سأسلك بنفسي وبجميع أعمالي وأفكاريطريق الاستقامة والأخلاق.

–سأتعامل مع جميع الناس ومع جميع الكائنات ذوات الإحساس بالتفاهم والتعاطف والرحمة والمحبة.

–سأمتنع عن الغضب، سأكفّ عن البخل سأربّي وأرعى الهدوء الفكريّ.

–سأتأمل وسأكون مدركا وواعيا لجميع أفعالي وأفكاري وسأنبذ الغرور، سأقاوم جميع نزعات النفس.

– سوف لن أكون آسفا علىالماضي أو قلقا من المستقبل .

–سأطور سماحة الخلق والحلم وسوف لن أسمح لنفسي بالابتهاج والتهليل بالحظ الطيب أو اليأس والتشاؤم من الحظ السيء.

–سوف أناضل وأسعى من أجل تحسين مهارتي ومقدرتي لكي أتبع الطريق إلى التنوير.

هذا الكتاب كما يقول مؤلفه ما هو بالضبط إلا مقدمة. وهو موجّه في المقام الأول إلى القارئ الباحث عن دليل سهل وموجز عن الطريقة البوذية للحياة.
يذكر جيرالد روسكو في مقدمته لكتاب الجوهرة الثلاثية توضيحا يشرح فيه ماذا تعني هذه الجواهر فيقول : “إنّ أولى تلك الجواهر هي البوذا: منشئ البوذية، والثانية هي الــــداما: أي التعاليم البوذية، والأخيرة هي السانغا: أي الأخوية الرهبانية”.
أما الصيغة البوذية التي نوقشت في هذا الكتاب فهي طريقة (ذيرافادا) بشكل خاص كتجربة في تايلاند، حيث إن البوذية هي دين الدولة الرسمي. الى جانب أقلية مسلمة و أخرى أصغر مسيحية بين خمسة وستين مليون تايلندياً تقريباً.(في 1995). وبوذيو ذيرافادا يعتبرونها بمثابة – سبيل الأقدمين – الذي يعني لهم الكثير، لكونها مستخلصة مباشرة من تعاليم بوذا المدوّنة في النصوص الاصلية المكتوبة بلغة –بالي- أو ما يسمّى “شريعة بالي”.

يدعو البعض بوذية ذيرافادا بـ(مدارس الحكمة القديمة)، فـ(هنيانا) أو المركبة الصغرى، هي بوذية آسيا الجنوبية، تايلاند، بورما، كمبوديا، سيريلانكا. في حين أنّ (ماهايانا) أو المركبة العظمى، هي صيغة متأخرة عن البوذية في شمال آسيا والتبت واليابان ومنغوليا وكوريا. كما انّ البعض من سكان تايلاند يمارسون بوذية (ماهايانا) كذلك بعض الرهبان الصينيين و أتباعهم وبعض الفيتناميين . والآن هناك أكثر من نصف مليون بوذي في أمريكا الشمالية (1992). وسواءً مورست “بوذية ذيرافادا” في أي من تشكيلاتها المتنوعة ـ المركبة الصغرى، المركبة العظمى، المركبة الماسية، وكذلك في أنواع مختلفة من التّاوية ـ فإن ّكل هذه التشكيلات والتنويعات تظل أقلّ أهمية من الملجأ الذي يجده البوذيون في الجوهرة الثلاثية. ذاك أن لغة بالي، وهي لغة قديمة لبوذية ذيرافادا، تبقى لهذا اليوم لغة كهنوتية وكذلك السنسكريتية والتي هي لغة بوذية ماهايانا.هناك الكثير من كلمات لغة بالي لايمكن أن تترجم الى اللغة الإنكليزية كما يجب برغم ان هناك الكثير من الروايات أو خطابات البوذا تمت ترجمتها على نحو رائع وجميل،وهناك أيضا ماترجم بلغة متكلفة وبشكل غير مفهوم أو يفتقد الى البراعة. لحسن الحظ أنّ المعنى الذي يريده البوذا يمكن ان يتحقق وإن لم يكن بالكلمات نفسها. وهو المعنى الذي وصلت اليه عند الأستشهاد بأحاديث البوذا أو خطاباته، أي مايسمىّ بـ(السوتا).

ويضيف المؤلف في مقدمته قائلا “كما إني استخدمت علم المصطلحات الفنية للغة – بالي- بالإضافة الى البعض من المصطلحات من اللغة السنسكريتية المشهورة والمعروفة لدى القارئ مثل( نيرفانا أو كارما” وهي مألوفة اكثر من مصطلحات (نيبانا، وكاما)في لغة – بالي.

لازال جيرالد روسكو يعيش في تايلاند موطن البوذية منذ سنوات من أجل دراسة البوذية ومتابعة السير في طريقها ويقول: “لقد تعلمت بأن البوذية ليست جازمة ولا طقوسية ولا تميل الى التأمل الميتافيزيقي .كما إنها ليست ردة نحو النبؤة والخرافة واقوال العرّافين. بل هي ديمقرطية بلا تحيّز أو تعصب أعمى، إنها العلاج لما نعاني من آلام، إنها طريقة للحياة تعلّمت منها أيضا إنها ديانة عجيبة لا تؤمن بصلاة الى إله وتتجاهل السؤال القائل، هل هناك إله؟ كما إنها لا تميل الى الطقوس الاحتفالية، لكنها بدلا عن ذلك تدعو المرء لأن يعتمد على نفسه ويجد الحقيقة داخلها”.
“أنظر داخل نفسك”هذا ماقاله البوذا.

ختاما نذكر بعضا من الآيات التي وردت في فصل يحمل عنوان- تأمل الموت-:

” الليالي والأيام تستمر بالانزلاق

كما الحياة تستمر بالتضاؤل

حتى يمتد الموتى كبرك المياه

وفي الجداول الضحلة يُستنفذ الجميع”.

” قطرة الندى على ورق الحشائش

تغيب عندما تشرق الشمس

مثل الإنسان على امتداد الحياة”.

” رغم أنّ الجبال الضخمة كوّنت من الصخر

وكادت أن تصل إلى السماء

وكانت تتقدم من كل جانب

لتطحن كل الحياة التي في الأسفل

كذلك الحياة والموت يدوران على الجميع

محاربين ورهبانا

تجار وحرفيين

منبوذين وكناسين

تحطم كل الكائنات ولا توفر أحدا

وليس هناك خيرات ولا ثروات

يتم توزيعها ليفوزوا بها”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق