هل الثورة دينية حقاً؟

طرح المفكر ياسين الحافظ منذ السبعينات مفهوم "الفوات التاريخي" للتعبير عن حالة المجتمعات العربية المتأخرة والموجودة قسراً في قلب الحداثة الغربية الساحقة، فصارت في وضع لا تحسد عليه، لجهة عدم قدرتها الحفاظ على بنيتها التقليدية قبل الحداثة وفي نفس الوقت عدم قدرتها على الانخراط في الحداثة الغربية بكل اشكالياتها المدوّخة وتيّارها الجارف، فحافظت على فواتها التاريخي طازجاً حتى بدت تباشير الثورات الشعبية الحالية في تونس ومصر وليبيا وغيرها من الدول، تؤذن بولادة عربية جديدة يمكن أن تكون تجاوزاً لوضعها القديم.

في كتابه "ما الثورة الدينية"، لا يسعى المفكر الإيراني داريوش شايغان إلى تعريف الثورة الدينية، التي تطمح إلى تجاوز الفوات التاريخي بقفزة حلمية، ارتدادية إلى الوراء، بل إلى نقض هذا التعريف وتبيان مدى زيفه ورائحته الأيديولوجية الزاكمة للأنوف. فالثورة برأيه، تحيل وبشكل بدهي إلى ما هو علمي، تغييري، دنيوي، قانوني، إنساني.. في حين يحيل الدين بصورة عامة إلى ما هو سرمدي، متعالي، حتمي، لا دخل للإرادة الإنسانية فيه، وبالتالي فالحديث عن ثورة دينية أمر لا يستقيم مع المنطق العلمي ولكنه يتماشى ويتساوق مع بنية إيديولوجية زائفة طرحتها وبلورتها بقوة، الثورة الإيرانية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، بشعارات دينية ثورية أرادت احتكار الأرض والسماء معاً. كتاب شايغان الذي جاء بعد الثورة الإيرانية هو كتاب فلسفي عميق، عن "اللاثورة" الدينية، وعن الدين والأيديولوجية، الحداثة والتأخر، المجتمعات الحداثية والمجتمعات التقليدية . . . وهو بسعة علمه وتبحّره في ميدان الثقافات -الشرقية والغربية على حدّ سواء- يطلع علينا بكتابة فلسفية وعلمية تحافظ على راهنيتها وحضورها رغم السنين الطويلة التي مرّت على إصدار الكتاب.

تتشابه الحضارات التقليدية الكبرى في قيمها ومنظوماتها الفكرية الدينية، بكونها تندرج في نفس الوقت فيما يسميه شايغان الكوكبة الثقافية التي تعتبر التجربة الميتافيزيقية، أساس وجود الانسان والعالم. وهذا ما يجعل من انتقال  البنى والمفاهيم الثقافية وتحوّلها، من ثقافة إلى أخرى، ضمن الكوكبة نفسها (إسلامية، هندية مثلاً)، عملية ميسورة تغذّي الحضارة المضيفة وتثريها. في وسط هذه التجربة الميتافيزيقية، الروحية تبرز فكرة المصدر الروحي الخالق للوجود والقيم، بوصفه "شمسا لا مرئية" ناظمة لتجربة الإنسان الكلية. ففي عالم المقدس، مهما تنوعت التقاليد الدينية، هناك عوالم مرتبة ومنسقة وفق هرمية محددة سلفاً، يتحرك فيها الإنسان معرفياً، حركة صعودية وهبوطية من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات عبر عالم المثل أو الخيال، أو الصور المعلقة بحسب السهروردي، والذي تبرز أهميته كعالم وسيط مشحون برموز إلهية تترجم بأفعال شعورية وتجريبية يعبر الإنسان عنها بالرؤى والوحي والابداع الفني، يقول أحد الرسامين الصينيين، "قبل أن ترسم خيزراناً دعه ينبت أولاً في داخلك"، وبالتالي ليس عالم الخيال تعبيرا عمّا هو خياليّ معزول عن الواقع، ضمن ثنائية الفكر الديكارتي، فكر ومادة، ولكنه تعبير عن وجود عالم موجود .

. . هذه الحركة بين العوالم، تتم خارج سياق التاريخ الدنيوي، الخطي، والانسان فيها، هو نقطة الاتصال والتواصل بينها.

ولكن ما الذي حدث؟… إنها الثورة الكوبرنيكية التي مثّلت تحولاً نوعياً في الثقافة البشرية اقتصر على الغرب وحده دون غيره من بقاع العالم، فتغيرت العلاقة بين الله والإنسان والطبيعة، لتحلّ محلّها علاقات جديدة مختلفة تماماً عن سابقتها. ووفق المفهوم الرياضي الحديث الذي ساد العالم، غابت الغائية، وانهارت التراتبية الوجودية، عالم المعقولات، عالم الخيال، عالم المحسوسات وتمّ التخلّي عن الروح التي مثلت الوسيط بين الطبيعة والفكر. و"لم يعد للإنسان موضع مركزي في العالم، لأن العالم لم يعد هو نفسه شيئاً ثابتاً، بل هو صيرورة تاريخية ـ روحية في سياق فلسفة هيغل، وطبيعية بيولوجية مع داروين وسبنسر، واجتماعية – اقتصادية مع ماركس". ص 118 مجمل المسيرة الظافرة للعالم الجديد باعتمادها على الإرادة والعقل البشري أداة وغاية لمعرفة العالم واكتشافه، ستصل إلى ثورات فكرية وسياسية وتغيرات هائلة في علاقة الغرب مع نفسه ومع العالم، وستتبلور صورة الفكر الغربي كفكر "مهووس بالبحث، شبيه بروح هيغل المطلق الذي يجوب في مغامراته المدوخة مراحل التاريخ ليعي ذاته؛ فكر لا يكل ولا يعرف من قانون سوى قانون الحركة المتواصلة. وكل استغراق في التأمّل يغيظه ويحنقه. . . هو لا يخشى السقوط لأن كل عثرة هي بالنسبة إليه انطلاقة جديدة في مغامرة جديدة. ولذلك هو وحيد ومأساوي" ص 175 وستبرز على الصعيد الفكري والفلسفي نتائج القطيعة بين الإيمان والعلم، والوصول إلى العدمية أهم محطات الفكر الغربي، بوجهيها المنفعلة والفاعلة، خاصة مع نيتشه ودستويفسكي، كأبرز معبرين عن حالة عالم محروم من الروح.

الحضارات التقليدية التي لم تعش تحولات الغرب الصميمية أجبرت على مواجهتها قسرياً والدوران في فلكها وتحمّل نتائجها، وهي عاجزة في نفس الوقت عن وعي وفهم آلياتها وما أحدثته في العالم من تغيير. ولذلك لا غرابة أن كان التشظي والانقسام بين عالمين، هو السمة الأميز لهذه الحضارات، تشظٍّ يجد تعبيره البارز في تغرّب لاواعٍ في ميادين الفكر والفن والسلوك الاجتماعي، وفقه تتم المواءمة والمؤالفة بين أشكال تقليدية دينية، وأخرى حداثية، دون التفكير في الناتج الهجين والهلامي المتحصل لدينا، فتصبح الصلاة، رياضة بدنية، والوضوء وقاية صحية، وحتى الماركسية يمكن انتزاعها من سياقها الغربي العلماني وخلفيتها الفلسفية الجذرية واصطناع نسخة نضالية متدينة (حالة علي شريعتي)، عدا عن الشورى والديمقراطية والاقتصاد الإسلامي والزكاة وغيرها. في سياق مواجهة المجتمعات التقليدية لتحدي الحداثة الغربية ستكون الايديولوجيا هي المَعْبَر فوق الفجوة الأساسية التي خلقتها حالة الفوات التاريخي بين الغرب والعالم. وبموجبها تصبح الثورة، دينية أو يسارية، هي وهم الثورة، خاصة في حالة الطلاق البيِّن بين الدين والثورة. إذن لماذا الإيديولوجيا؟ لأنها ببساطة تتوسل العلم والمنطق وهي زائفة، تدعي الحقيقة وهي واهمة، تنشد الجدل وهي أحادية، تؤكد على الواقع فلا تنتج سوى الوهم، تقدم الترياق وهي سمّ زعاف. وبعبارة أخرى "إذا كانت الإيديولوجيا تنزع إلى تقديس الأفكار المعلمنة، فإن الديانات النضالية تنزع إلى علمنة الأفكار المقدسة. هاتان النزعتان تمثلان وجهين لعملة واحدة، وهما من سمات ازدواجية بنية الإيديولوجيا التي تجمع بين رؤية سحرية دينية ونزعة عقلانية علموية" ص 257.

شايغان يحسم تماماً قدرة الدين على إنتاج نظام سياسي مؤثر وفاعل، يوجه الحياة الاجتماعية في المجتمعات الحديثة، ويؤكد على دوره الهام، فقط، في إثراء حياة الفرد الروحية. وأي نظام من هذا النوع محكوم عليه بالفشل لأن "الوعي المتطور للإنسان الحديث لا يمكنه احتمال البنى الانفعالية الناتجة عن النكوص نحو أشكال الوعي العتيقة" ص 282.

"خمسة قرون من الحداثة لن تكون بلا فائدة" هذا مؤكد، رغم أن الحداثة الغربية تعيش أزماتها الكبيرة وتسعى إلى تجاوزها بحيويتها المعهودة وإن غير المؤكدة حالياً، ومع ذلك فإن ثمة صدى مؤثرا وفاعلا وجديدا للصوت الغربي يتمثل حالياً بالثورات الشعبية في البلاد العربية، تونس، مصر، ليبيا وغيرها، والآفاق التي ستنفتح عليها هذه الثورات ليس على الصعيد العربي فقط ولكن، ولا أخشى المبالغة، على الصعيد العالمي. والفكر الغربي الذي كان قادراً على إنتاج الثورات، وعن إنتاج الترياق لنفسه وللعالم، وربما كفّ اليوم تقريباً عن ذلك، فإن الثورات العربية الحالية تجربة يمكن استلهامها والنظر إليها بجدية وتفكُّر كبيرين من قبل الغربيين أنفسهم، ليس لأنها نمط جديد بالنسبة للغربيين، وهي ليست كذلك، بل لأنها تدين بجزء كبير من بنيتها وواقعها ونضوجها إلى تراث الغرب التنويري الذي بدا أن الغرب نفسه في الكثير من اللحظات قد نسيه أو تناساه، ولأنها أيضاً، يمكن أن تمثل رافداً في الشرق يؤازر ويساند الأصوات الحرة التي طالما افتقدها الغرب فيه.

ما الثورة الدينية:
الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة
تأليف: داريوش شايغان
ترجمة وتقديم: د محمد الرحموني
مراجعة: د مروان الداية
إصدار: رابطة العقلانيين العرب ودار الساقي
الطبعة الأولى 2004

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This