هل الحضارة دائرة مغلقة تتفاعل مع الأخرى؟ أم أنها خط مفتوح ومتغير؟

-1-
مع انهيار الاتحاد السوفيتي في عام1991، وقبله الكتلة الشرقية عام 1989، دخلت البشرية في نظام القطب الواحد لأول مرة منذ عام 31 ق م، عندما سيطرت روما على الشرق بعد معركة أكتيوم، مما أدخل البشرية في عصر “السلام الروماني” الذي انهار مع ظهورالإسلام في القرن السابع الميلادي.  وكانت بوادر تفككه قد لاحت مع ظهور الدولة الساسانية في القرن الثالث كقطب مقابل للقسطنطينية التي انتقل إليها ثقل العالم الروماني في القرن الرابع.
رغم أن الإسلام قد استطاع إنهاء الدولة الساسانية، في معركة نهاوند عام 651 م، فأنه لم يستطع ذلك مع الدولة البيزنطية.  كما أن شارل مارتل قد استطاع أن يضع حداً للامتداد الإسلامي عند جنوب فرنسا عبر معركة بواتييه (732 م)، فيما تكفلت أسوار الصين بذلك شرقاً.
تماماً كما حصل بعد معركة أكتيوم عندما ظهرت مقاومات ثقافية أبدتها الحضارة المغلوبة أمام الغالب العسكري السياسي الاقتصادي، مثل الشكل الشرقي للأفلاطونية الحديثة (فيلون الإسكندري – نومينيوس الأفامي)، أو المسيحية الشرقية التي واجهت المسيحية الغربية التي سيطرت في النهاية على روما في عام 313، فإن عصر “ما بعد الحرب الباردة” يبين أيضاً أن المراكز الحضارية المتعددة تبدي مقاومات ثقافية كبرى أمام الهجمة االغربية التي نجحت أخيراً في تحويل نفسها إلى سيطرة عسكرية سياسية اقتصادية وتطمح إلى أن تكون مركز الإدارة المباشرة للعالم.

-2-
من يدرس الفكر الغربي في القرن التاسع عشر، يلاحظ أن قطبيه الرئيسيين، أي الوضعي –الليبرالي (أوغست كونت، جون ستيوارت ميل)، والهيجلي- الماركسي، قد افترضا بأن المترافقات الثقافية للنموذج التقني الاقتصادي الاجتماعي، الذي أفرزه الغرب الصناعي الرأسمالي الحديث، ستعم كل زوايا المعمورة بعد إزالة بقايا الأشكال الاقتصادية الاجتماعية الثقافية للمجتمعات والحضارات القديمة غير الأوروبية.
إن حصيلة قرنين من الزمن تبين فشل الهجمة الغربية على العالم في إزالة الهوية الحضارية الثقافية للمراكز الحضارية القديمة في العوالم غير الأوروبية.
فمن الواضح في العالم العربي الآن، أن الأفكارالتحديثية التي اتبعت اتجاهاً اتباعياً تجاه الفكر الغربي، سواء ما كان منها ليبرالياً أم وضعياً أم ماركسياً، قد تراجعت ليس فقط أمام الفكر الأصولي الذي يعبر عن اتجاه سياسي يمتح من الثقافة المحلية، وإنما أيضاً أمام ما أفرزته هذه الاتجاهات الثلاث من طبعات تحاول التلاقح مع البيئة والثقافة المحليتين، فيما اكتسب الاتجاه القومي قوته ليس فقط من التفاعل مع المشكلات الساخنة في الخمسينات والستينات (فلسطين، الوحدة العربية، الاصلاح الزراعي)، وإنما أيضاً من قدرته على إيجاد منظومة فكرية توفق بين العروبة والإسلام. كما أن ثورة الخميني تمثل نهاية للشوط التحديثي التغريبي الذي بدأ في إيران مع الثورة الدستورية (1906 – 1909) مروراً بحكم آل بهلوي (1925 – 1975).  فيما تقدم الهند مع صعود الحزب الهندوسي الأصولي (بهاراتيا جاناتا) منذ نهاية الثمانينيات صورة عن مقاومات الثقافة المحلية وفرضها لشكلها على الحياة السياسية.  بينما لم يؤد انتصار الشيوعيين في الصين إلى تغريبها بل إلى تصيين الماركسية.  ومن الواضح أيضاً أن النموذج الرأسمالي الياباني المتقدم متعايش مع الثقافية التقليدية المحلية.  ومن يراقب أدب أمريكا اللاتينية (ماركيز، بورخيس، إيزابيل أليندي)، يلاحظ كيف أن العناصر الثقافية للحضارات الهندية القديمة في أمريكا تطل برأسها بقوة، وخاصة من ناحية علاقة الإنسان بمظاهر الطبيعة،  وهو ما يشكل أساس كل منظومة ثقافية.
لا يشكل انهيار النموذج البلشفي في روسيا تعارضاً مع هذا السياق، بل تأكيداً له؛ فقد ترافق تأسيس دوقية كييف في عام 972، التي كانت الدولة الروسية الأولى التي امتدت من الفولجا إلى الدانوب في البلقان، مع امتصاص السمات السلافية لتلك النرويجية التي كانت للفايكنج الذين غزوا مناطق روسيا وأوكرانيا الحالية، وكيف تزامن ذلك مع تحول العائلة المالكة الروسية إلى المذهب الكنسي الأرثودكسي اليوناني في عام 989، وخضوع كنيستها لبطركية القسطنطينية منذ عام 1037.  وهذا ما جعل السلافية مترافقة بشكل عضوي مع الأرثودكسية في التاريخ الروسي، لتشكلا معاً الهوية الحضارية لروسيا.  الشيء الذي ترافق مع تحول العالم السلافي في بلغاريا وصربيا إلى مذهب الكنيسة الأرثودكسية في القسطيطنية.  هنا لاقت محاولات بطرس الأكبر(1682-1725) لتغريب روسيا مقاومات كبرى، وبرزالصراع بين التغريب والسلافية بوصفه محور الفكر الروسي، وخاصة بعد حركة الديسمبريين في عام 1825، ما أثرَ على الأدب (تولستوي، دوستويفسكي)، وعلى السياسة (البلاشفة والمناشفة – الاشتراكيون الثوريون)، ليجيء انتصار البلاشفة بوصفه انتصاراً للتغريب، وخاصة أنه أتى في وجه السلافية والأرثودكسية اللتان كانتا متحدتين بسياسة القيصر الروسي في مواجهة العثمانيين والنمساويين.  ولم يحاول لينين أن يمزج الماركسية مع هذين العاملين بل وضعها ضدهما، فيما كانت محاولته لترويس الماركسية متحدِدة في تنظيم حزبي ملائم للأوضاع الروسية قدمه في “ماالعمل؟”، وسياسة تلاقت مع المشكلة الفلاحية في روسيا، واتجاهات لملاقاة مطالب الأقليات القومية المضطهدة من الحكم القيصري عبر مبدأ “حق الأمم في تقرير المصير”.
لذلك رأينا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي (وهذا شيء واضح في صربيا أيضاً) كيف أن الخلفية السلافية – الأرثودكسية مازالت قوية على الصعيد الثقافي في تحديد الهوية الحضارية في مواجهة الغرب، وهذا شيء لم يؤثر فقط على سياسات الزعيم الصربي ميلوسيفيتش، وإنما يشمل أيضاً الزعيم الشيوعي الروسي زيوغانوف.  فالتغريب لم يكن أبعد من الجانب التقني الاقتصادي، فيما ظلت الهوية الحضارية السلافية – الأرثودكسية مسيطرة في وسط الجمهور العريض، بخلاف النخب المثقفة التي يميل معظمها الآن إلى الليبرالية والاتجاه الاشتراكي الديمقراطي.  ومن الواضح منذ تسعينيات القرن الماضي، أن العالم السلافي – الأرثودكسي قد استيقظت عنده هويته تلك ضمن القوس الذي يمتد من موسكو إلى البلقان بعد تلك الوقفة التي مثلَها عام 1917.

-3-
إن اصطدام التمدد الغربي بجدار الهوية الحضارية الثقافية ليس سابقة تاريخية، فالشرق القديم الذي تحددت هويته الحضارية مع البابليين والأشوريين والكلدانيين، عبر أفكار التوحيد البابلي مع الإله مردوخ وعبر نبذه تعددية الألهة (كما عند اليونان) والثنائية (كما عند الزرادشتية الفارسية)، قد حافظ على هويته الحضارية أمام الاختراق الفارسي (بعد سقوط بابل على يد قورش عام   539 ق.م) وبعد سقوطه بيد الإسكندر المقدوني (336-323 ق.م)، حيث كانت الثقافة الهيلنستية التي حصلت عقب ذلك وتشكلت من مزيج من العناصر الثقافية الهيلينية والفارسية وثقافة الشرق القديم، غير قادرة سوى على اختراق سطحي لثقافة الشرق القديم، تجسدت في الشكل الغربي للأفلاطونية الحديثة (أفلوطين، فرفوريوس الصوري) والمسيحية الغربية (بولس الرسول، أوريجين الإسكندري).  فيما ظلت البنية الثقافية العميقة للمنطقة ذات طابع مقاوم كما نجد عند الشكل الشرقي للأفلاطونية الحديثة (نومينيوس الأفامي)، وفي المسيحية الشرقية (مارقيون، اليعاقبة)، إلى أن تتوج ذلك مع الإسلام الذي أنهى وجود الهيلنستية في الشرق.
كما أن الإسلام بعد سيطرته العسكرية السياسية على فارس، لم يستطع مسح طاولة التراث الثقافي الزرادشتي- المانوي، بل تلون بعناصرها الثقافية هناك، وظل العالم الهندوسي القديم – الذي مازال يشكل الغالبية السكانية من الهند – عصياً عليه، وتظهر عناصره حتى في ثقافة المسلمين الهنود.  وفي الغرب رأينا أشكالاً اتباعية أمام المثال الإسلامي، تجسدت في شارلمان (768-814) المعاصر لهارون الرشيد، وفي الحركة الرشدية التي استمرت تأثيراتها في الجامعات اللاتينية حتى القرن الخامس عشر، إلا أن ما شكل ثقافة الغرب الحديث قد نبع من أشكال استقلالية معارضة للفكر الاسلامي، ولو أخذت لحسابها الخاص بعض عناصره، كما نجد في السكولائية (القديس توما الإكويني 1225-1274).

-4-
من الواضح أن هذه الأمثلة الحضارية وما مثلته من تطور ومسار تاريخي متشعب، تعطي صورة عن أن هناك “دوائر حضارية” أخذت ملامحها الخاصة في فترات تاريخية محددة بالنسبة لكل منها، بحيث أن ما يطرأ عليها من تلونات وأشكال ثقافية يتم تحت سقف الهوية الحضارية الخاصة، وما يأتي خارج ذلك لا يلاقي تربة للزرع والنمو في الدائرة الحضارية المحددة.
ففي المنطقة الممتدة بين دجلة والنيل لم تلاق الثقافة الهيلنستية أرضاً سوى عند نخب ثقافية معزولة في القرون التسعة الفاصلة بين الإسكندر المقدوني وظهور الإسلام، وهذا ما دفع بولس الرسول – الذي أراد ادخال عناصر الثقافة اليونانية إلى المسيحية – للذهاب إلى العالم الهيليني القديم وإلى روما، الشيء الذي فعله أيضاً كل من أفلوطين وفرفوريوس الصوري والقديس أوغسطين الجزائري.
هذا لا يعني أنه لا يوجد حوار أو تفاعل بين هذه الدوائر الحضارية، أو أن هناك جداراً كتيماً بينها، إلا أن أشكال هذا التفاعل تأخذ صوراً متعددة:
1-الاتجاه الإتباعي.
2-الاتجاه الضدي السجالي.
3-الاتجاه الاستقلالي المستوعب لعناصر”الآخر” لصالح “الذات”.
في سياق هذا البحث قدمت أمثلة عديدة عن الاتجاه الأول، هنا أو هناك، فيما يقدم القديس أنسيلم (1033- 1109) في سجالياته مع الاسلام، وابن تيمية (1263-1328) في سجالياته ضد المنطق الأرسطي (الذي أثر كثيراً على عناصر كثيرة من الفكر الإسلامي وخاصة في علم الكلام والفلسفة)، مثالين كبيرين عن الاتجاه الضدي السجالي.  بينما يعطي توما الإكويني مثالاً غربياً كبيراً عن الحالة الثالثة.  الشيء الذي نراه أيضاً عند ابن رشد (1126-1198) في استيعابه لعناصر منطق وفلسفة أرسطو من أجل مفهومه وفلسفته الخاصة حول الفصل التناغمي بين الدين والفلسفة أو القلب والعقل، فيما لم يستطع العالم العربي أن يقدم في العصرالحديث – حتى الآن – إلا أمثلة اتباعية أوسجالية ضدية تجاه الغرب.  وتشكل الأصولية الإسلامية حالة سجالية ضدية على الصعيد السياسي فقط، لأنها لا تملك للآن مقومات فكرية فلسفية خاصة بها تستطيع  عبرها الحوار ولو الضدي – وليس البنائي – مع الفكر الغربي الحديث.

– 5 –
يقوم فكر صموئيل هنتنغتون، وبالتعارض مع التراث الغربي للقرن التاسع عشر، على التفريق بين التغريب والتحديث، معتبراً أن الحضارة الغربية قد أخذت ملامحها الحضارية الخاصة في القرنين الثامن والتاسع، وأن التحديث لم يبدأ فيها إلا في القرن الثامن عشر.
لا يقدم هنتنغتون شيئاً جديداً في موضوع الحضارة كـ(دائرة مغلقة)، بل إن أطروحاته هي   استعادة لأفكار فيلهلم ديلتاي (مؤسس فلسفة الحياة)، واشبنغلر، وفرنان بروديل الذين اعتبروا البحر المتوسط دائرة حضارية، ولو أن هنتنغتون يختلف معهم حول حدود كل دائرة حضارية. الشيء الجديد عند هنتنغتون هو اكتشافه أن التحديث يقود إلى تعزيز الهوية الثقافية المحلية عند كل حضارة، وليس إلى التغريب باعتبار الغرب مصدّرا للتقنية ونمط الإنتاج الرأسمالي إلى باقي العالم.  من هذا المنطلق، ينصح هنتنغتون أصحاب القرار في العالم الغربي بأن لا يتوهموا أن بمقدورهم جعل العالم – الذي يسيطر عليه الغرب عسكرياً وسياسياً واقتصادياً – نسخة ثقافية على طراز الغرب، بل أن يقروا بالتنوع الثقافي الحضاري للعالم، مما يشكل تعارضاً مع فكر فوكوياما حول (نهاية التاريخ)، ومع محاولات الغرب القديمة لتغريب العالم غير الغربي.
في هذا الإطار لا يتطرق هنتنغتون إلى أن وضع واشنطن الآن هو مثل وضع روما القديم، من حيث أن كلاهما لا يملك معادلاً فكرياً أو أيديولوجية للهيمنة – وإن كانت هناك إرهاصات على استخدام إدارة بوش الحالية للنيو ليبرالية – ولكن من دون أخذ وضعية المركز الأيديولوجي الصريح، كما كانت موسكو بالنسبة للشيوعيين موازياً لسيطرتها العسكرية السياسية الاقتصادية، بخلاف ما وجدناه عند الإسكندر المقدوني لما سيطر على الشرق القديم أو الإسلام عندما أقام دولته التي امتدت من البيرينيه إلى أسوار الصين.  كما لا يلمس عند هنتنغتون قضية كيف أن مقاومة واستقلالية الثقافة غالباً ما تفرز شكلاً مطابقاً في مجال السياسة عبر سياق زمني لاحق لمرحلة المقاومة الثقافية.

-6-
من الواضح الآن في بداية القرن الجديد هذا، وبعد قرون من الاختراق الغربي للعالم، أن أفكار القرن التاسع عشر الغربية (وهذا يشمل هيجل وكونت وماركس) حول تغريب العالم غير الأوروبي ثقافياً وكهوية حضارية، قد سقطت أمام الوقائع، وأن أغلب ساسة الغرب قد أصبحوا يعترفون بذلك حتى وهم يمارسون ويديرون الهيمنة الغربية على العالم، مفرقين بين الثقافة والسياسة، بخلاف الكثير من الذين تتملكهم – هنا أوهناك – أفكار “العولمة” و”توحد العالم في قرية إلكترونية واحدة”، وما يرافق هذه الأفكار عندهم من تصورات حول إمكانية ترجمة التقنية والشبكة الاقتصادية العالمية وأيضاً أنماط الاستهلاك إلى حضارة واحدة للعالم تملك هوية حضارية ثقافية موحدة.
عبر ذلك كله يمكننا فهم حدود (أو مدى) مواضيع مثل “حوار الحضارات”، حيث يلاحظ أن الكثير من الدعوات المحبذة له لا تبنى على أكثر من الإرادة الطيبة، من دون ربطه مع العملية التاريخية أو مع السياسة العملية، وهذا ما يؤدي إلى معالجات أخلاقية أو ثقافية محضة لموضوع مثل هذا بمعزل عن السياسة التي قررت تاريخياً هذا الموضوع، وتقرره الآن بأشكال عارية الوضوح في ظل روما الجديدة التي تمثلها واشنطن في عالمنا المعاصر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق