هل الفلسفة سلعة؟

عرف الفيلسوف جاك بوفريس في فرنسا بمواقفه النقدية المناهضة للتضليل الإعلامي والفلسفي، إذ لم يكفّ عن التحذير من مغبّة السقوط في فخّ الاستعراض الذي تنصبه وسائل الإعلام الحديثة. هو من كبار دارسي لودفيغ فتغنشتاين والفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة والعلم والمنطق. شغل كرسيّ فلسفة اللغة والمعرفة بالكوليج دو فرانس ذائع الصيت. من مؤلّفاته: الكلام القَلِق: من السيمياء اللغوية إلى النحو الفلسفي 1971.
 فتغنشتاين: الفَصْل والعقل ؛ العلم، الأخلاقيات والجماليّات 1973 
الفلسفة، الأسطوريّات والعلم الزائف: فتغنشتاين قارئا فرويد 1991 
الإنسان المُحتمَل: روبرت موزيل، المصادفة، المتوسط وسلحفاة التاريخ 1993 الطَّلَب الفلسفي: ماذا تريد الفلسفة وما الذي يمكن أن يُراد منها؟1996 القول واللغو: اللامنطق والاستحالة واللامعنى1997 اللغة، الإدراك والواقع: الفيزياء، الظاهريات والنحو2004 معرفة الكاتب : في الأدب والحقيقة والحياة 2008 ما الذي يمكن أن يُفعَل بالدين؟ 2011 
 
في المجلد الخامس من أعمالك والمخصص لديكارت وليبنتز وكانط، ذكّرت بمقولة ريتشارد رُورتي القائلة بأننا في حاجة إلى تخيل “أرسطو دارسا لغاليلي […] ومغيّرا طريقته في النظر”، هل تدافع عن “مغالطات واعية ومعقولة” تسمح لك بإقامة حوار خياليّ ونقديّ مع الفلاسفة الكبار الذين سبقوك. إلى أيّ مدى يمكن التعامل مع هؤلاء الفلاسفة كمعاصرين لنا؟  
 
هناك موقفان متطرّفان في تاريخ الفلسفة، يبدوان لي غير معقولين معا. فمن جهة يراود الحلم بعض المؤرخين في الوصول إلى فهم مفكّري الماضي كأنهم معاصرون لهم، ويتحوّلون بطريقة افتراضية إلى قرّاء معاصرين لديكارت مثلا، وكأنّ شيئا لم يحدث في مجال الفكر منذ القرن السابع عشر. ومن جهة أخرى هناك تلك العادة المترسّبة التي تجعلهم يتعاملون مع فلاسفة الماضي كما لو كانوا معاصرين لنا وكأن مشاكلنا اليوم كانت هي نفس مشاكلهم في الماضي. رحت أبحث عن منهج ثالث يمكن إيصالنا إلى عدم التضحية بواجب فهم فلاسفة التراث في لغتهم الأصلية ودون أن يفصل هذا المنهج بين الفهم والتقييم. وعلى كل حال، فليس من العجيب أن يكون قد حدث تقدّم ما في مجال الفلسفة ذاتها، وربما قد بتنا نعرف أشياء لم يكن الفلاسفة القدامى قادرين على معرفتها أو لم يعيرونها اهتماما. عندما أشتغل حول الفيلسوف ليبنيز مثلا، لا أتردّد في استعمال كُتاب مثل غوتلوب فريج وكورت غودل فهما يساعدانني على فهمه أكثر ويجعلانه مثيرا للاهتمام. كما سأتّخذ من علوم الجهاز العصبيّ مرجعية لإجراء قراءة نقدية لديكارت الخ. أمارس هذا المنهج منذ “أسطورة الجوانية: التجربة، الدلالة واللغة الخاصة عند فتغنشتاين”، حيث غامرت بإجراء مواجهة أشبه بالمباشرة بين ديكارت وفتغنشتاين فيما يتعلّق بطبيعة العقل. غالبا ما يرى دعاة تاريخ الفلسفة على الطريقة التقليدية أنّ عوالم فلسفية مختلفة ومتباعدة في الزمن لا يمكن أن تتواصل فيما بينها. أنا ضدّ هذا التصوّر النسبويّ لأنني آمنت دائما بإمكانية النقاش وضرورته في الفلسفة، و كذلك بشكل ممكن من الحوار مع الأموات ومع الأحياء أيضا. 
هل تعود هامشيتك الفلسفية وسخريتك النقدية إلى الطريقة التي رفضت عبرها “النظرية الفرنسية”- ميشال فوكو،جيل دولوز، جاك دريدا- مبدأ الحوار العقلاني؟  
 لمّا باشرتُ تعليمي، لم يكن النقاش يحتلّ اهتماما كبيرا في عالم الفلاسفة، إذ كانت الغالبية الغالبة منهم تعتبر محاولات الدحض والتفنيد عديمة الجدوى. لا فوكو ولا دولوز ولا دريدا. بل لا أحد من عظماء الفلسفة في سنوات 1960-1970 كان يؤمن حقيقة بإمكانية وأهمية النقاش، على عكس الفلاسفة التقليديين الكبار الذين كان الكثير منهم يجد في الاعتراضات ومحاولة الردّ عليها أمرا طبيعيا. لقد ذهب دولوز حتى إلى القول، إن لم تخنّي الذاكرة، أنّ الفيلسوف الحقيقيّ هو من يهرب حينما يسمع حديثا ما عن الحوار. وحسب هذا التصوّر للفلسفة، المكتفي بذاته، فكلّ فيلسوف يطرح مسألته أو مسائله ثم يقترح لها حلولا. ويبقى منهج وحيد هو استعمال المنظومات الفلسفية الموجودة، ليس من أجل الحوار والمناقشة وتقييم مقترحاتها وإنما من أجل طرح قضايا أخرى وحلّها. وهو ما فعله دولوز مع ليبنيتز في كتابه “الطيّ” على سبيل المثال. لا أقول بأننا لا ينبغي أن نفعل ذلك ولكنني أعتقد بأنه يمكن أيضا التساؤل عن مدى صحة ما يقول هؤلاء الفلاسفة، أو عمّا إذا كان ما يقولونه مقبولا على الأقل. وبطبيعة الحال لم تشغل هذه المسألة بال ممثلي “النظرية الفرنسية” الذين ينزعون بالأحرى إلى اعتبارها قضية قد تجاوزها الزمن وغير ذات قيمة، مثلها مثل مسألة الحقيقة. وبصفة عامة لا أشعر بأدنى ميل نحو الأفكار ما بعد-الحداثية، وقد أوضحت ذلك في كتابي “عقلانية وكلبية”. وإذا كان عليّ أن أختار، فإنني أفضّل تحمّل تنظير لويس ألتوسر الدوغمائي وتلامذته. 
 

على ذكر ألتوسر، أنت تحتفظ بفكرته القائلة بأن الفلسفة هي أن “نكفّ عن الكذب على أنفسنا”.  
 
نعم، أظن أن الفلاسفة كثيرا ما يبالغون في إضفاء هالة خاصة على الفلسفة وعلى المكانة المتميزة التي ينبغي أن تحتلها في مجال الثقافة، في حين ينبغي على الفلسفة أن تعلّمنا كيف نتفادى ذلك. ومن البديهيّ أني تأثرت كثيرا بالفيلسوف فِتغنشتاين فيما يتعلق بهذه المسألة. فهو يقول : قلما نصل في الفلسفة إلى معرفة ما يجب قوله في مسألة ما، ولكننا بالعكس، نستطيع غالبا أن نعرف أنّ أشياء معينة لا يمكن أن تقال وهو بالأحرى أمر مفيد للغاية. وذلك جانب من العمل الفلسفي البعيد عن السلبية تماما و يبقى عملا أساسيا بالنسبة إليّ. 
 
ومن هنا أهمية لقائك مع أعمال لودفيغ فِتغنشتاين التي أثرت – وما زالت تؤثر بشكل كبير- على مسارك الفلسفي. فهل من تفسير؟  
بدأت أتحرّر من قبضته نوعا ما! كإنسان وفكر كان فِتغنشتاين موضوع إعجاب عدد كبير من المريدين مع أنه لم يكفّ عن تشجيع وضع مسافة نقدية معه ومع دروسه. كانت شخصيته وحياته مثار إعجاب أكثر من فلسفته، وكان ذلك مع الأسف سببا في نسيان أنه كان كائنا كرّس حياته من أجل مهمة واحدة : حلّ المشاكل الفلسفية. لم يكن لمسار فِتغنشتاين الفكري علاقة بمسار ذلك الجامعي الكلاسيكي. كان في الأصل مهندسا ومارس مِهنا أخرى غير مهنة الفيلسوف، فقد كان معلما في النمسا على سبيل المثال من 1922 إلى 1928. وقد نشر كتابا واحدا في حياته “رسالة فلسفية- منطقية” سنة 1921، وفي طبعة لم يعترف هو ذاته بها. أما كتابه الأهمّ “بحوث فلسفية” فلم يظهر إلا بعد مضيّ سنتين على وفاته، أي سنة 1953. ولحسن الحظ، فنحن نتوفّر اليوم على مجموع مخطوطاته على أقراص مضغوطة، وتمثل عددا معتبرا من الصفحات هي بمثابة منجم يمكن استغلاله الآن. 
في وقت من الأوقات، كان تأثير فتغنشتاين منحصرا أساسا على العالم الأنغلو- سكسوني، ولكنه بدأ يعود شيئا فشيئا إلى أوروبا بل وحتى إلى مسقط رأسه، النمسا. لما بدأت الاهتمام بفكره، كان معتبرا كممثل للوضعية المنطقية، أكثر حذقا من غيره لا أكثر. وبالتالي فهو كاتب لا يمكن معاشرته لأسباب سياسية على وجه الخصوص. 

ما هو الجامع بين لودفيغ فتغنشتاين وروبير موزيل، وهما الكاتبان اللذان لم يكفّا عن تغذية فكرك؟  
من الأسباب الكثيرة التي جعلتني أعجب بهما هو القدرة والاستقلالية والقوة الروحية الهائلة التي كانا يخرجانها لمقاومة ضغوط عصرهما وإغراءات المرحلة. لقد نذر كلّ منهما حياته بشكل شبه كامل وأحيانا بشكل مأساوي إلى قضية رأى أنها واجب مطلق، مهمة حياة. كرّس روبير موزيل قرابة ثلاثين سنة لكتابة رواية واحدة وحيدة هي “الرجل الذي لا خصال له”، والتي لم يختمها أبدا ودون أن يتنازل قيد أنملة عن مبادئه الجمالية حتى حينما عاش المنفى والفقر في سويسرا. ما يلفت انتباهي حقا هو شعور هؤلاء الحادّ بالواجبات الاستثنائية حيال أنفسهم وحيال العالم الذي يعيشون فيه، بينما يبدو لي مثقفو اليوم يطالبون بالأخص بحقوق استثنائية. يتحدث بريان ماكغينس، أحد كتاب سيرة فتغنشتاين عن “واجب العبقرية” لدى الفيلسوف. ولكن كان لديه أيضا شعور بأنه تحت رقابة سلطة أخلاقية صلبة لا يمكن أن تقبل من لدنه سوى الأحسن. 
 
كتب روبير موزيل مرّة :”لا نعرف ذلك السبب السخيف الذي لا يجعل الصحف كمخابر ومحطات تجريبية للعقل بل بورصات ومتاجر”، وهو هنا قريب جدا من المُناظر النمساوي كارل كراوس (1874-1936) والذي خصصت له كتابا أعدت فيه إثارة معركته ضدّ وسائل الإعلام. ما الذي أثار انتباهك إلى الهيمنة التي تمارسها الصحافة؟
 
بدأت أقرأ كراوس في نهاية الخمسينات، ولم أجد أدنى صعوبة في فهم شعوره بالحاجة إلى قيادة حرب ضدّ الصحافة. بل لا يكاد يمرّ يوم إلا وجدت انتقاداته مبرّرة، لا سيما مع التمركز المتزايد وتبعية الصحافة أكثر فأكثر للسلطة الاقتصادية. لقد اعتبرت دائما الصحافة سلطة مُقلقة وسريعة التعسف ليس من الأكيد إيجاد سلطة مضادة لها. ولأسباب بديهية كان اهتمامي منصبّا خصوصا على التأثير الذي تمارسه الصحافة ووسائل الإعلام على عالم الثقافة والفلسفة. ولكن ما يقلق ونحن نشاهد تلك الوجوه/النجوم المقترحة علينا اليوم لتعويض مفكّري الجيل السابق المحتذى بهم، هو التدهور ونقص البصيرة لدى هؤلاء الذين كان من الممكن أن يوجّهوا الرأي العام. ويبدو لي أنّ الوضع بات أخطر منذ اللحظة التي فضّلت فيها الفلسفة الجديدة في نهاية السبعينات حكم وسائل الإعلام على حكم الجامعة وحاولت استبدال التكريس الأكاديمي بالتكريس الإعلامي. وقد نجحت العملية إذ لا أعرف بلدا آخر (غير فرنسا) أصبح فيه الطلاق أكثر جذرية بين ما يسمى فلسفة “جامعية” وما تعتبره وسائل الإعلام فلسفة حيّة ومهمّة. إنّ انتصار الفلسفة الجديدة والانهيار الذي مسّ ما كان مهمّا سابقا، دون أدنى مقاومة وخاصّة من الماركسية، لهو في نظري أمر مهين للعقل. 
 
هل يمكن اعتبارك فيلسوف أخلاق مهتمّا بالخطاب الفلسفي والسلوك؟ 
في منحى ما، نعم. تواجهنا اليوم قضايا كثيرا ما تذكرني بملاحظة أبداها كارل كراوس تشير إلى “العجز المخزي الذي يشعر به الناس الشرفاء أمام الناس الوقحين”. إنه لأمر مفجع أن يكون لأناس شرفاء اليوم كثير من الأسباب التي تجعلهم يشعرون، ليس فقط بأنهم عاجزون ولكن مهانون، ومُساء إليهم. لديّ انطباع بأنه عمّا قريب لا يعتبر نفسه مجبرا على احترام القانون سوى من كان متخلفا أو ساذجا. إذا كنت من أصول متواضعة وسبق أن تمّ تعليمك احترام القواعد بحذافيرها فإنك ستصدم حينما تُواجه باستمرار بعدم استقامة المحظوظين. وليس سهلا ولا مستحبا أن تجد نفسك مضطرا أحيانا للتساؤل عمّا إذا لم يكن هؤلاء الذين لقنوك احترام المبادئ مغفلين أصلا. في البدء كنت أعتقد ساذجا أنّ الوسط الفكري، ولأسباب خاصة به، كان في مأمن عن التعسّف والرشوة التين نتحدّث عنهما بشكل عامّ. ولكن في الحقيقة، لا وزن للنزاهة ولا للحجج الرصينة أمام الكلام المنمّق والوقاحة. فهنا، كما في كلّ القطاعات، يقرّر السوق وأرقام المبيعات أيضا. ما هو أكيد أنه ليس انطلاقا من مبيعات كتابين أو ثلاثة وصلت إلى 100000 أو 200000 نسخة، يمكن أن نتحدّث عن فلسفة جديدة أو تجديد كما تفعل وسائل الإعلام. وليس من المستبعد أن يكون هناك تجديدا فعلا في الفلسفة ولكن للوقوف على ذلك، ينبغي استعمال معايير أخرى ويجب البحث في المواضع التي لا يعيرها الإعلام اهتماما. وإذا تحدثت عما يهمّني فهناك حاليا مجموعة من الفلاسفة الشبان يقدمون أعمالا ممتازة في المسائل والفلاسفة الذين خصصت لهم أهمّ مجهوداتي. ولكن – حتى وإن أفلحوا في نشرها- فلا يوجد سوى حظّ ضئيل كي نرى الجرائد تتحدث عنها.. 

المصدر:
مجلة الفلسفة (الفرنسية)، عدد 3 
 Jacques Bouveresse 
 Philosophie magazine n°3

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق