هل المرأة المصرية إنسان؟

هل أنهى قرار المحكمة الدستورية الصادر يوم 14 مارس 2010 الجدل حول جواز تعيين المرأة المصرية   قاضية بمجلس الدولة؟ فقد قالت هذه المحكمة في قرارها إنّ الاختصاص بتعيين مندوبين مساعدين في مجلس الدولة معقود للمجلس الخاص للشؤون الإدارية دون الجمعية العمومية، وإنّ لفظ «مصريّ» ينطبق على كلّ من يحمل الجنسية المصرية دون تمييز.  ويأتي قرارها هذا بناء على طلبٍ صادرٍ من رئيس مجلس الوزراء إلى المحكمة الدستورية بتفسير البند «1» من المادة «73» من قانون مجلس الدولة، الذي ينص على أنّه : يشترط فيمن يعيّن عضواً في مجلس الدولة (1) أن يكون مصرياً متمتّعاً بالأهلية المدنيّة الكاملة، وكذا تفسير الفقرة الثالثة من المادة «83» من القانون ذاته التي تنصّ على «ويعيّن باقي الأعضاء والمندوبون المساعدون بقرار من رئيس الجمهورية، بعد موافقة المجلس الخاص للشؤون الإدارية»، وأوضح رئيس مجلس الوزراء، أنّه ثار خلاف بين المجلس الخاص للشؤون الإدارية لمجلس الدولة، والجمعية العمومية للمجلس، بشأن تطبيق هذين النصين إثر قرار غالبية أعضاء الجمعية العامة للمجلس برفض قبول المرأة صلبه وذلك يوم 15 فيفري 2010. وجاء حكم المحكمة  لا ليقول إنّ المرأة يحقّ لها التعيين في مجلس الدولة، ولكن ليفتي فيما سئل عنه رئيس الوزراء حول تفسير كلمة «مصريّ» في شروط التعيين وهل تعنى ذكراً أم أنثى، واعتبر الحكم أنّ السؤال غير واجب فكلمة مصريّ هي ذكر وأنثى ومسلم ومسيحي ولا تفرقة..

لن نتوقّف كثيرا عند جواب المحكمة، فهي في الواقع قالت بوضوح رأيها إذ أكّدت أنّ السؤال لا معنى له وأنّه غير واجب. ولكنّ السؤال رغم ذلك طُرح والخلاف ثار. لقد استفزّنا  السؤال لأنّنا كنّا نظنّ أنّ بعض المسائل من البديهيات التي لا يحتاج في تصوّرها أو التصديق بها إلى اكتساب أو تحليل ونظر،. كما لا نحتاج إلى دليل للتصديق بأنّ المرأة إنسان لأنّ التصديق بذلك بديهيّ. إلا أنّ ما حسبناه بديهيا ليس كذلك. فمن قال إذن إنّ مقولة "المصريّ" المنسوبة منطقيا إلى المذكّر يمكن أن تشتمل على الجنسين معا؟ ولماذا يثور خلاف بين هيكلين من هياكل مجلس الدولة  أي  المجلس الخاص والجمعية العامّة حول قضية من هذا النوع في حين أنّ السؤال ذاته مخالف  للمادة 73 من قانون مجلس الدولة 47 لسنة 1972والتي تحدّد شروط تعيين عضو في مجلس الدولة، والتي لم تضع شرط أن يكون المتقدّم رجلا ولم تحظر هذه الوظيفة على المرأة؟

وكيف يطرح السؤال رغم مخالفته لعدّة موادّ من الدستور المصريّ، منها المادّة الثامنة التي تؤكّد  تكفّل الدولة بتكافؤ الفرص لجميع المواطنين؟ والمادّة 40  من الدستور التي ساوت بين المواطنين في مصر دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو العقيدة؟ إضافة إلى مخالفته للمواثيق الدولية التي ترفض أيّ شكل من أشكال التمييز؟ ورغم كلّ ذلك  فقد أُلقِي السؤال وثار الخلاف وطلب رأي الخبراء في ما حسبنا أنّه لا يجوز السؤال عنه. لشدّ ما يذكّرني هذا السؤال بسؤال قديم كانت تطرحه أوربا في عصور ظلماتها.
 
لقد كانت الكنيسة تعقد مؤتمرات غريبة لبحث أمر هذا الكائن (المرأة) ففي القرن الخامس عقد مؤتمر ماكون للنظر هل للمرأة روح أم لا ؟ وقرّر المؤتمر خلوّ المرأة من الروح الناجية. وقال القديس جيروم : "المرأة عندما تكون صالحة تكون رجلاً". أي إذا شذّت عن مثيلاتها الإناث كانت مثل الرجال.

وفي عام  586م عقد مؤتمر لبحث إنسانية المرأة، ثمّ قرّر المؤتمر بأغلبية صوت واحد بأنّ المرأة إنسان خلق لخدمة الرجل. وبعد ظهور البروتستانت في القرن السادس عشر عقد اللوثريون مؤتمراً في وتنبرج لبحث إنسانية المرأة.  إذن  لم  تكن إنسانية المرأة في أي عصر من العصور أمرا بديهيا بل كانت دائما أمرا إشكاليا يجدر السؤال عنه وبحثه وطلب رأي الخبراء بشأنه. لقد قال الخبراء المصريّون رأيهم واعتبروا أنّ المذكّر كأصل  في النحو لا يدلّ بالضرورة على جنس بعينه، وإنما هو لفظ مشترك في الدلالة على الجنسين معا. ولكن هل انتهى الإشكال  حقا ؟ كلا، لأنّ  السياق الذي طرحت فيه القضية هو الذي يهمّنا بالدرجة الأولى. والسياق هنا هو هل يمكن للمرأة أن تكون قاضية صلب مجلس الدولة. لقد أجاب البعض بكلا عريضة في سياق الجدل. فما هي حججهم في ذلك؟  

يرى البعض أنّ المرأة لا تصلح قاضية، لأنّها «حساسة وعاطفية».

و أكد الدكتور عبد الخالق الشريف أحد علماء الأزهر، رفضه كرجل دين تعيين المرأة بالقضاء، قائلا في الندوة التي عقدها محمد عبد القدوس مقرّر لجنة الحريات بنقابة الصحفيين  في خضمّ الجدل وحول "تحرير المرأة على الطريقة الإسلامية" : "إنّه نظراً إلى أنّ المرأة عاطفية فهذا يجعلها غير قادرة على العمل بالقضاء، خاصة أنّ القرآن الكريم أكّد أنّ شهادة المرأة تعادل نصف شهادة الرجل، بل وأحياناً ترفض شهادتها، بالإضافة إلى أنها لا تستطيع أن تتولّى منصب رئاسة الدولة متسائلا كيف تستطيع أن تحكم وتأخذ قرارات بالحرب إذا استدعى الأمر"؟

وقال زكريا عبد العزيز:  "كلّ فرد له آراؤه ومعتقداته ونحن لدينا تحفّظات على دخول المرأة القضاء، ولا بدّ من احترام رأينا هل يعقل أن تترك الزوجة بيتها لأيام؟.. الأمومة شيء مقدّس عند المرأة.. القضاء عمل شاقّ لا تقوى المرأة عليه.. ماذا ترتدي المرأة القاضية"؟…

وقال آخرون إنّ الوقت غير مناسب لتعيين المرأة قاضية بالمجلس، وإنّه لا بدّ من التنسيق مع الهيئات القضائية  قبل اتخاذ القرار، وإنّه من الضروريّ أن نكون واقعيين فالمرأة عندنا تتزوّج وتنجب وتنشغل بالمنزل وبالأولاد كثيراً، وغالبا ما يكون هذا العبء عليها. بل إنّ البعض ذهب مباشرة إلى معضلة الاختلاط فرأى في عمل القضاء تشجيعا على الخلوة غير الشرعية.

.كانت هذه هي المفردات التي استخدمها جانب كبير من الرافضين لدخول المرأة إلى مجلس الدولة  تبريرا لرفضهم تعيين المرأة في القضاء. وهي في خلاصة تدور حول تأكيد أنّ المجتمع المصريّ غير مؤهّل حاليا وغير متقبّل لعمل المرأة قاضية.

فماذا يمكن أن نستخلص منها؟

1 – المرأة كائن عاطفيّ وحسّاس وذلك يمثّل ماهيتها السابقة على وجودها

2 – القضاء مهنة تتطلّب مواقف مخالفة لهذا الجوهر ومنها مبدأ الحياد في الفصل في النزاعات،  وهو حياد  يتطلّب قدرا أدنى من الموضوعية القائمة على التجرّد من العاطفة، ومنها أيضا القدرة على مواجهة الحالات  القاسية التي قد لا يتحمّلها الرجال أنفسهم كمعاينة الجثث لدى قضاة التحقيق أو أعوان النيابة العمومية  بالنسبة للأنظمة الخالية من مؤسسة قلم التحقيق، مع ما يعنيه ذلك من انتقالات وتحقيقات لمعاينة جريمة قتل وتقدير للعقوبة التي تتنافى وطبيعة المرأة العاطفية. ومنها أخيرا القدرة على اتخاذ قرار إعلان الحرب مثلا.

3 – هناك تقسيم اجتماعيّ غير قابل للتعديل مفاده أنّ المرأة خلقت للداخل والرجل للخارج، ومن مهامّ المرأة، بناء على هذا التقسيم، إنجاب الأبناء ورعاية الأسرة والقيام على شؤون البيت.

4 – الاختلاط في جوهره مناف للشريعة، إذ تنتج عنه فرص الخلوات غير الشرعية.

5 – لباس القاضي- باعتباره زيّا موحّدا في كثير من البلدان ومنها مصر لا فرق فيه بين المرة والرجل- يناقض مبدأ اللباس الشرعي بالنسبة إلى المرأة وهذا لا يجوز .(طرح المشكل في تونس إذ أنّ وضع القاضية حجابا مخالف لمبدأ الزيّ الموحّد، ومنعت القاضية من دخول الجلسات غير المكتبية إذا رفضت خلع حجابها).

ولنتوقف قليلا عند هذا الحجاج حتى ندرك طبيعته. تبدو الحجج المذكورة أعلاه خالية من أية تعبيرة قانونية بالمعنى الدقيق، أي بمعنى الإحالة على نصوص بعينها سواء كانت وضعية أو مستقاة من الفقه التقليدي  تتصل بمواد الدستور أو بالقوانين الخاصة، بل أكثر من ذلك لا يوجد أيّ تعليل شرعيّ لرفض قضاء المرأة إلا تلك التعليلات العامّة التي لو أخذنا بها لرفضنا عمل المرأة في القضاء أو غير القضاء، أي في كلّ تلك الأعمال التي تفرض زيّا موحّدا أو اختلاطا بين الجنسين (1) خاصة أنّ القضية أثيرت سابقا في مصر للنظر في الموانع الشرعية لعمل المرأة قاضية، إذ أصدر مجلس الدولة في أوائل الخمسينات من القرن الماضي‏،‏ وفي ظل رئاسة  رجل القانون والعلامة عبد الرزاق السنهوري، وفي القضية الشهيرة ‏‏ لعائشة راتب عندما تقدّمت لتعيينها في منصب القاضي الإداريّ، حكما أكّد في حيثياته‏‏ "أنّه لا يوجد عذر شرعيّ ولا دستوريّ ولا قانونيّ‏"  يمنع المرأة من تبوّء منصب القضاء، ‏وهو ما يعني أنّ المعارضين متفطّنون جدّا إلى أنّ الرفض لا سند له شرعيّا ولا قانونيّا، ولذلك  يختفون وراء المواءمة الاجتماعية  والوضع الأسري للمرأة، وهو ما يعني أنّ القضية في جوهرها ليست قضية تتصل بعمل المرأة في سلك القضاء فحسب، بل تتجاوز ذلك بكثير لتكشف عن تصوّرات دفينة يراد الترويج لها في صفوف عامّة الناس استعدادا للانقلاب على مكتسبات الحداثة القليلة التي حازتها مجتمعاتنا، إذ أنّ الجنس في خطاب الرافضين هو الذي يحدّد قطبي التجربة الإنسانية. إنّ المبدأ الأنثويّ مبدأ قلّما يعترف له بميزة العقل. والفكر الأنثويّ (هذا إذا كان للأنثى فكر أصلا) دائريّ منغلق على ذاته معرّض دائما للجمع بين أشياء متناقضة : الذاتيّ والموضوعي، الخاص والعامّ، الداخل والخارج… وهو ما يجعله فاقدا للسيطرة على نفسه في كلّ الميادين : محكوما بالعاطفة والغريزة وخاصة الحبّ في شكله الأمومي، هذا الحبّ الذي يعلى من شانه بلا شكّ، ولكن من أجل أن يحقّر من شان المرأة ويحكم عليها بأن تكون أمّا لا إنسانا. أمّا التجربة الذكورية -وبطريق الاستخلاص- فتجد جذورها  في  مفاهيم العقلانية  والمنطق  والخطية،  وهو منطق عالي القدرة على التمييز والانتخاب  فهو يهدف دائما إلى غرض محدّد. إنّ  الجهد الرجاليّ يسير دائما وفق هدف مرسوم  خال من العاطفة ويملك بفضل كلّ ذلك  السلطة مع الفعل الذي يلخّصها أي القتل (القدرة على إعلان الحرب). وهو ما يرشّحه لكلّ مناصب السيادة وسلطة القرار والتحكّم في المصائر. لا شكّ أنّ الخطر هنا يكمن في الهوّة السحيقة التي تفصل بين هذه التصوّرات وبين القوانين التي صنعتها أنظمتنا الحديثة، والتي قامت على معنى المساواة ورفض أيّ تمييز قائم على أساس الجنس. هذه القوانين التي على أهميتها بلا شك لم تستطع في نظرنا أن تقود إلى تغيير جذريّ في الذهنيات. فظلت القوانين في جهة والمتخيّل الجمعيّ شبه المستقرّ في جهة أخرى، وهو ما يعني لدينا أنّ الجهد القانونيّ غير كاف إذ أنّ هناك جهدا آخر تربويا ومعرفيا واجتماعيا نحتاج إليه وتقع مسؤوليته على العائلة وبرامج التدريس ومؤسّسات المجتمع المدني. فالمستقبل الذي يسير إلى الأمام وهم، والارتدادات ممكنة في خضمّ واقع مهدّد كلّ لحظة بتراجعات لا أحد يعلم على وجه الدقّة إلى حيث يمكن أن تقودنا.

لقد  تولّدت لدينا حقيقة من هذه الأزمة  عكست بشكلٍ واضح للغاية درجة  "الرقيّ" الذي وصلت إليه مجتمعاتنا، وهو رقيّ ما زال على شاكلة القرون الوسطى يسأل عن الإنسان هل هو الرجل أم المرأة  أيضا، أو لعلّه يسأل هل المرأة كائن له عقل حتى نمكّنها من مصالح الناس وأرزاقهم وأرواحهم. وما أشدّ شبه القضاة  بالآلهة. إنّها تقرّر الموت وتهب الحياة. وكيف يجوز للآلهة الذكورية أن تكون نساء؟


هامــــــــــــــش:


1- تبدو هذه الحجج في غاية الغرابة إذا علمنا أنّ  في مصر حوالي أربعين قاضية ولكن في غير مجلس الدولة وهذا يعني امرأ من أمرين أو الأمرين معا :إمّا أنّ دخول المرأة إلى القضاء ظلّ مسالة مرفوضة لدى البعض رغم الوضع القائم أو أنّ  دخولها إلى السلك القضائيّ قد يقبل على مضض بشرط ألا تعتلي المناصب العليا صلب السلطة القضائية لأنّ هذه المناصب ذات رمزية عالية ويرتبط الدخول إليها بمعاني السلطة التي هي من خصائص الرجال القوّامين على النساء.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق