هل المواطن العربي العادي غائب فعلا؟





عند قراءتي للمقالة المنشورة على موقع الأوان بعنوان :
(حول السّياقات التّاريخيّة لعمليّة اقتحام الحرم المكّيّ سنة 1979 –  تأليف جون فرانسوا ماير – ترجمة: محمّد الحاج سالم)، توقّفت عدّة مرّات عند الكثير من النقاط و لكنني في النهاية رأيت نفسي أندفع إلى التفكير، ليس بالسبب الذي أدّى إلى نشوء الحركات الجهادية بل بالسبب وراء القبول الجماهيريّ الكاسح لها في طول وعرض العالم الإسلاميّ من اندونيسيا إلى مراكش و من الشيشان إلى الصومال، بتقديري أنّ الزعامة العربية المركزية للإسلام التي كانت متنحّية لعدّة قرون في ظلّ الحكم العثمانيّ كانت قد استعيدت مع سقوط هذه الدولة و لا بدّ من التوقّف عند النقاط التالية في أيّ محاولة جادّة لفهم ما حدث في العالم الإسلاميّ بين مطلع ونهاية القرن الماضي:

    * قيام المملكة العربية السعودية والدور الهائل الذي لعبته في توجيه الثقافة العربية خصوصا والإسلامية عموما، لقد كانت السعودية هي الحاضن الفعليّ للتيّار الإسلاميّ الجديد بل والمغذّي الكبير له حتى خارج حدودها، فقد انتقل مركز الثقل الثقافيّ العربيّ مع الثروة المستجدّة تدريجيا من مصر والشام إلى الخليج وبذلك رجعت عقارب الساعة الثقافية العربية عدّة قرون إلى الوراء، من المهمّ الإشارة إلى أنّ الشام كانت تشكّل المنطقة العربية الأكثر تنوعا وتقدّما في العالم العربيّ وإذا لاحظنا أنّ مناطق المشرق العربيّ القديم الرئيسية والتي هي العراق، الحجاز،اليمن، الشام ومصر شكّلت كلّ منها دولة مستقلة وموحّدة بعد انهيار الدولة العثمانية، باستثناء الشام التي انفرطت إلى عدّة دول، وذلك بسبب أحلام الدول المستعمرة ومشاريعها السابقة على انهيار الدولة العثمانية. ففرنسا كانت تخطّط لإقامة دولة مسيحية علمانية في الشرق، بينما كانت بريطانيا تخطّط لإقامة دولة يهوديّة، إنّ تجزيء هذه المنطقة منعها من أن تشكّل دولة كانت ستكون برأيي أقرب إلى الحداثة بكثير من بقية الدول العربية وذلك بسبب تركيبتها السكانية والثقافية، فبدلا من أن يعمل من اعتبروا أنفسهم المحررين من التخلّف العثماني، على تشجيع قيام دولة حديثة متعددة الثقافات جزّؤوا المنطقة بشكل خلق ولا يزال الكثير من المشاكل. ومحاولة فهم تصرف بريطانيا وفرنسا هذا لا بدّ أن تأخذ بعين الاعتبار أنّ فكرة التنوع فكرة غريبة نسبيا عن أوربا وإنما دخلت إلى الثقافة الغربية بعمق مع انتشار الفكر الأميركيّ.
    * قيام دولة إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي وما سبقه أو تلاه. وهذا قد يكون العامل الأكثر أهمية كما أنه يبدو للكثيرين على أنه استمرار للصراع الإسلامي المسيحي وكونه يصعب الحديث عنه منفصلا فسأؤجل الحديث عنه لأتناوله لاحقا مع التحليل المجمل للموضوع.
    * الثورة الإسلامية في إيران التي شكلت نموذجا وحافزا للإسلام السياسيّ السنّي، ليتحرك حيث أحس هذا الأخير مع انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية أنه مطالب بأن يُثبت نفسه على الأرض.
    * حرب الخليج الأولى والتي رفعت حدة التوتر والاستقطاب في المنطقة إضافة إلى أن حرب الخليج الثانية لم تكن لتحدث لولا حدوث الأولى.
    * أحداث أفغانستان فمن خلال المقاومة التي اتخذت طابعا إسلاميا صرفا والتي دُعمت بلا حدود من السعودية والولايات المتحدة تولد الإسلام السياسيّ المتطرف كما نعرفه الآن.
    * حرب الخليج الثانية(احتلال العراق للكويت ثم انسحابه منه وما تلاه من حصار اقتصادي للعراق)، قبل هذه الحرب كانت الأفكار الإسلامية المتطرفة بعيدة عن إلى حد ما عن المواطن العادي في منطقة الخليج العربي، ومن السهل ملاحظة التغير الهائل الذي حدث على الفكر في هذه المنطقة بعد هذه الحرب، لقد أصبحت أغنى المناطق العربية والتي يمكن أن توصف بأنها المنطقة الأكثر تأثيرا في العالم العربي، أكثر راديكالية وتطرفا وهذا تحوّل يجب التوقف عنده مطولا، إنني اعتبر أن هذه الحرب كانت السبب المباشر لنشوء القاعدة كما نعرفها اليوم والأهم من ذلك لتقبلها الشعبي الواسع وأستغرب تماما الحديث المطول عن الأسباب الغير مباشرة لهذا الحدث (الأسباب غير المباشرة التي يكثر الحديث عنها في معظمها صحيحة وهامة ولكن ليس إلى الحد الذي يغيب معه السبب المباشر).
    * الانتفاضتان الفلسطينيتان الأولى والثانية والتي هي أكثر أثرا بكثير من الأولى على الأحداث الكبرى في المنطقة، فقد جرت الانتفاضة الأولى بينما جزء كبير من العالم العربي يشعر بنشوة ما اعتبروه نصرا عراقيا مبينا، ويبنون آمالا وهمية كما هي العادة عندنا، بينما اندلعت الانتفاضة الثانية(انتفاضة الأقصى) في جوّ حالك من الإحباط التام والشامل. فبعد قرابة العشر سنوات من  مشاركة العرب غيرهم في رفع راية الحكومة العالمية الجديدة و تطبيق قرارات مجلس الأمن على العراق ولو بالقوة القاسية، لم تحقق عملية السلام شيئا لأي من الأطراف العربية، ولم يبدُ أنها في طريقها لتحقق شيئا، والعراق سار في طريق مؤلم للغاية، ليس المهم من المسئول عما كان يجري على الشاطئين أهو صدام أم أميركا في الشاطئ العراقي، وهل هو إسرائيل أم السلطة الفلسطينية على الشاطئ  الفلسطيني. وأنا اعتقد جازما أن السبب المباشر لانطلاقة القاعدة وعملياتها في التسعينات هو حرب الخليج الأولى كما أن السبب المباشر لأحداث أيلول 2001 هو الانتفاضة الثانية في فلسطين(لنتذكر حادثة المدمرة الأميركية التي وقعت عقب اندلاع الانتفاضة الثانية مباشرة)، وعندما أقول السبب المباشر فإنني اعني تماما أنني أجزم بوجود ترابط السبب والنتيجة بين هذه الأحداث بمعنى أنه لو لم يحدث الأول لم يكن الثاني ليحدث مطلقا. من المهم أن نتذكر الدور الذي لعبته الفضائيات العربية الناشئة في تلك الفترة، في تأجيج المشاعر خلال الانتفاضة الثانية إلى حد كبير، والذي يمكن تشبيهه بالدور الذي لعبه الإعلام العربي أثناء حرب العام 1948.

دعني أبدأ الحديث عن الصورة المجملة من النقطة المؤجلة والتي هي الصراع العربي الإسرائيلي وهنا لا بد من الانتقال للحديث عن الموضوع من وجهة نظر الطرفين.

يمكن للغربي المعتدل أن يقول: إن تطورات الأحداث منذ قيام إسرائيل حتى الآن ربما تكون قد أثبتت أن المشروع كان كله خاطئا، و لكن ما الذي يمكن فعله الآن؟ الحل الوحيد المتوفر حاليا هو حل هذا الصراع وفقا لقرارات الشرعية الدولية، ولكن هذا الحل أيضا ليس بالسهل، فكل من طرفي النزاع عنده تفسير مختلف لهذه القرارات وأقصى ما يمكن فعله والحال هذه هو ما يتفق عليه طرفا النزاع. مع التأكد أنه من غير الممكن إجبار أي منهما على شيء يرفضه. وإذا كان موضوع الأرض قابل للحل وذلك بأن تعيد إسرائيل للفلسطينيين كامل أراضي عام 1967 أو ما يعادلها فإنّ  قضيتي اللاجئين والقدس  تبدوان مستعصيتين على الحلّ، بالنسبة إلى القدس فإنّ كلا الطرفين يعتبرها، بل نفس البقعة منها، مكانا مقدسا في غاية الأهمية ولما كان المكان مقدسا فعلا بمجرد أن يعتبره شخص أو مجموعة أشخاص مقدسا لم يكن بالتالي هناك من وسيلة لحل هذه المعضلة.

إن المعتدلين في العالم الغربي وخاصة في الآونة الأخيرة يفهمون إلى حد ما مصدر الغضب العربي أو الإسلامي، ولكنهم أيضا يشعرون أنهم غير قادرين على فعل الكثير لحل الصراع العربي الإسرائيلي، فما يفكر به العرب وهو أن الغرب يمكنه إلزام إسرائيل بأي حلّ كان، هو تفكير غير واقعيّ فالحكومات الغربية عاجزة ليس تجاه إسرائيل بل تجاه شعوبها هي، عن تجاوز حدود معينة في الضغط على إسرائيل وهذا ما تدركه الأخيرة تماما.

والمحصلة أن أهم عامل لتخفيف التوتر بين الغرب والعرب(أو المسلمين) وهو حل الصراع العربي الإسرائيلي هو للأسف غير ممكن، ولا أحد تقريبا في هذا العالم يستطيع فعل الكثير من أجله، لقد خلقت بريطانيا قضية ثم لا هي ولا غيرها قادر على حلها. والحالة هنا كالذي فكر أن مصلحته تكمن في دحرجة كتلة هائلة من الصخر إلى قعر البئر أو أسفل الجبل وبعد أن فعل ذلك، اكتشف أنه يجب إعادة الصخرة إلى مكانها ولكن إخراج صخرة عملاقة تماما من بئر عميق جدا لا يشبه أبدا إلقاءها فيه.

إذا انتقلنا إلى طرح وجهة نظر الجهات الأكثر اعتدالا في الجانب العربي، فلابد بداية من الإشارة إلى نقطة هامة وهي:  لسوء الحظ أن وجهة النظر المعتدلة من المنظور العربي التي سأشرحها الآن تتبناها أقلية قليلة من الجمهور العربي، وهذا ما يزيد تعقيد الموضوع وعلى كل حال فسأحاول بسط هذه النظرة كما أفهمها.

بكل بساطة يرى العربي المعتدل أن هذه الأرض فلسطين يقطنها سكانها الذين طردوا منها بشكل همجي عام 1948 ومنذ قرابة 2500 سنة بشكل متواصل، وإذا كان الإسرائيليون موجودين في هذه الأرض لفترة معينة طالت أو قصرت من الزمن الغابر فان هذا لا يغير شيئا. وحتى طرد اليهود من الجزيرة العربية والذي تم منذ حوالي 1400 سنة هو الآخر لا يغير شيئا، فهذه الأحداث لطالما تكررت دونما توقف طوال التاريخ. فأين هم البيزنطيون و الأندلسيون وسكان شمال وجنوب أميركا وأستراليا الأصليون، وهل يمكن أن يقول أحد مثلا أن للعرب الحقّ بطرد الأسبان الحاليين واسترجاع أرض عاشوا عليها لعدة قرون أو أن سكان أميركا الأصليين لهم الحق بتأسيس دولة عرقية خاصة بهم في شمال أميركا وطرد الآخرين أو تحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية؟ وعموما من المهمّ التأكيد على ما هو معرف بشكل بديهي تاريخيا وهو أنّ العبرانيين لم يكونوا في أي زمن السكان الوحيدين لفلسطين وأن من طردهم منها هم ليسوا العرب، و حتى ما يُقال من أن إسرائيل لم تطردهم، بل هم غادروا أرضهم تحت تأثيرات مختلفة(ومن الجلي أنها الخطيئة الأكبر التي تم ارتكابها)لا يحل المشكلة، فلماذا لم يُمكنوا من العودة؟

إن الحجة التاريخية لقيام إسرائيل هي حجة أكثر من واهية كما لا يخفى على أحد فماذا يبقى؟

تعرض اليهود للاضطهاد وضرورة إيجاد وطن قومي لهم بهدف حمايتهم من ظلم الشعوب المضيفة؟

هذا السبب واهٍ أيضا مع أن قيام دولة إسرائيل أدى إلى عكس المطلوب، لقد خلق لليهود مشكلة جديدة في منطقة عاشوا فيها طويلا. إن الحل ليس اختراع أوطان وخاصة أن اليهود الذين قدموا إلى فلسطين كلهم كانوا مواطنين لدول أخرى وعلى كل حال أذا سلمنا جدلا بهذا السبب، فلم لا يُقام الوطن القومي لهؤلاء المضطهدين على حساب من اضطهدهم؟ أو يسمح لهم بالهجرة إلى أماكن أكثر أمنا كشمال أميركا واستراليا علما أن هذه المناطق استقبلت مهاجرين بعد الحرب الثانية يفوق عددهم عدد جميع يهود العالم.

إن هذه النقطة فعلا قادرة على إثارة حنق أكثر العرب علمانية واعتدالا، أما السببان الأخيران الممكن التفكير بهما لقيام إسرائيل فهما إما المصالح الاستعمارية للدول العظمى مثل بريطانيا أو الدافع الديني للمسيحية البروتستانتية. وأي منهما لا يمكن أن يكون مقبولا ولا بأي درجة. فقد ساعد العالم كله السكان الأصليين في جنوب أفريقيا على استعادة سيادتهم على بلادهم وإبطال الحالة التي نتجت عن مصالح الإمبراطورية البريطانية، يبقى إذا سبب وحيد وهو السبب الديني، وهو أكثر الأسباب تعقيدا وإثارة للحساسية، و لا أحد يستطيع اعتباره مبررا مقبولا فهل يمكن لسكان أميركا الشمالية أو أستراليا الأصليين أن يدمروا مدينة أو كنيسة ليعيدوا بناء معبد يُفترض أنه كان يوما ما في مكان هذه الكنيسة رغم أن المسألة تعود لثلاثمائة سنة لا لثلاث آلاف سنة ؟

في الواقع لا يستطيع أي عربي مهما بلغ اعتداله أن يجد مبررا واحدا مقبولا ولو بالحد الأدنى لقيام إسرائيل ليقنع به نفسه أو يجادل به مواطنيه. وعلى كلٍ فالمعتدلون العرب لديهم في الحقيقة مبرر لوجود واستمرار إسرائيل ألا وهو الأمر الواقع المدعوم بالشرعية الدولية، فعمليا لم يعد من الممكن إلغاء دولة إسرائيل من الوجود.

المبرر الوحيد لوجود إسرائيل الذي يمكن أن يكون مقبولا من قبل العربي المعتدل وهو الأمر الواقع المعزز بالشرعية الدولية، يقود تلقائيا إلى معضلة ترتبط به وهي: لماذا تطبق قرارات الشرعية الدولية على كل أحد وبالأخص على العرب كما هو الحال في وضع العراق ولا تطبق على الدولة الوحيدة في العالم التي تدين بوجودها للشرعية الدولية وقراراتها؟

اعتقد بقوة أن المنتصرين في الحرب الأولى قدروا الأمور بطريقة غاية في السطحية، وأن العربي العادي قد استهين إلى حد كبير بقدرته ولكنه أثبت العكس، ولو على حساب ما يمكن أن يعتبره البعض الشق الأهم: التنمية.

ما أعنيه أن المقاومة التي أبداها العرب، الذين يوصفون بأنهم كشعوب غائبون عن مسرح الأحداث العالمي، أثرت بشكل كبير في دفع اتجاه التطور العالمي برمته مما كان متوقعا له أن يصير إليه عقب الحرب الكونية الأولى، إلى الشكل الذي هو عليه الآن. الشيوعية هي التي حرمت الغرب من تحقيق نصر كامل بعد انهيار ألمانيا والأصولية الإسلامية حرمته من تحقيق هذا النصر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، البعض قد يرى في كليهما مصلحة خفية وغير مباشرة للغرب، فاستمرار نظام ما يحتاج إلى عدو لهذا النظام. وهذا صحيح وهذه نقطة هامة في رأيي، العقلاء من الطرفين حتى الآن لا يفعلون شيئا بينما يستفيد حمقى كليهما أيما استفادة من الوضع، كيف تحشد الجماهير إذا لم تخوفهم من الآخر؟

مقولة أن الشعوب العربية غائبة عن المسرح خاطئة، والمقولة الصحيحة أنها حاضرة؛ ولكن ليس بالشكل الصحيح، لقد سقطت الأنظمة في كل الدول العربية المركزية بعد حرب 1948 بتأييد شعبي كاسح ولم يكن من الممكن لقادة الانقلابات العسكرية أن يفعلوا ما فعلوه لولا هذا التأييد الشعبي، بل هم أقدموا على ما فعلوه مدفوعين بهذا الهياج الشعبي، وفي نفس الوقت استغلوا التغيرات العالمية التي حصلت بعد الحرب الثانية. المواطن العربي العادي هو الذي سبب كلا الظاهرتين السالفتين(المد القومي الذي هز المنطقة العربية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي والمد الإسلامي الأصولي الذي يزعج العالم كله الآن). الشعب العربي من أكثر شعوب العالم حياة و حراك، هذا شيء لا أشك فيه، ولكنه أبدا ليس كافيا، من ينجح في النهاية هو ليس من يعمل أكثر، بل من يعرف كيف يوجه عمله ويديره، لأن العمل الفوضوي كثيرا ما يدمر بعضه بعضا، هنا تماما تكمن نقطة الضعف العربية الكبرى.

من الملاحظ في معظم التحليلات التي تتناول قضايانا المعاصرة أنها تتناولها من جانب واحد وعندما تكون القضايا متداخلة كالحالة هنا، فهذا التناول مضلل، الممانعة العربية حققت إلى حد كبير هدفها (وليس كما يُقال لم تحقق شيئا)، للحد الذي دفع رئيس وزراء إسرائيل أولمرت لأن يقول:أن كلّ تأخير في حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لن يكون لصالح إسرائيل، ولكنها لم تحقق هدفها كاملا هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فالثمن الذي دُفع مرتفع جدا: ألا وهو التضحية بالتنمية. وللبعض أن يقول أن هذا يعني الفشل، ولكنه لا يستطيع منع غيره من التفكير بطريقة مغايرة. بتقديري أن هذه هي مشكلتنا الكبرى ففي حين يستطيع أنصار المعسكرين لدى الطرف الآخر التواجد في نفس الساحة وتبادل الأدوار بما يخدم في النهاية مصلحة المجموع، نلجأ نحن إلى أحادية مزعجة.

أليس من السهل ملاحظة أن أكثر ما تستفيد منه الأصولية الإسلامية هو الخلاف الذي وصل إلى حد التناقض بين التيارات العربية العلمانية؟ وهل ستظل هذه التيارات التي تتبنى فكرا حداثيا بدرجة أو أخرى عاجزة عن الاتفاق على حد أدنى مقبول؟ أم أنها في بنيتها إقصائية مما يعني أنها لا تختلف عن الأصولية الإسلامية؟ وأي نقد يمكن أن يوجه للمواطن العربي العادي الذي خُيّر بين فكرين إقصائيين، فاختار أقربهما إلى ما اعتاد عليه؟

عموما وبما أننا مسلّمون بأنه لا يمكن عمل شيء حيال الماضي، فما الممكن عمله في الحاضر والمستقبل؟

يحتاج هذا إلى تفكير وتحليل عميق، ولن أدعي أنني أعرف فعلا ما يجب فعله، ولكن قبل أن أنهي كتابتي أحب أن أطرح فكرة أو اثنتين.

لا يمكن إحداث شيء بدون تنمية اقتصادية اجتماعية حقيقية والمشكلة أن هذه التنمية تحتاج إلى تبني طريقة تفكير حديثة وبنفس الوقت يُعزى التفكير بتلك الطريقة إلى الغرب، الذي تدفع كل العوامل السابقة العربي البسيط إلى اعتباره عدوا، مما يُسهل مهمة الذين يحاولون وقف عجلة الزمن. وكفكرة أساسية أعتقد أن حل كثير من المشاكل في هذا العالم يتوقف على التمييز بين الخصم والعدو، لا يضير المرء أن يكون له خصوم، وأن تهزم خصمك يعني أن تستفيد منه أكثر مما تتضرر منه وإلا فأنت المهزوم، أما العداء بمعناه العميق فهو شيء سلبي في هذا العالم.


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This