هل بالإمكان التعامل مع الإسلاميين

هل بالإمكان التعامل مع الإسلاميين (؟؟)
الصاوي والبحث عن الاستنارة في صحراء الإسلاميين

التجاني الحاج عبد الرحمن

ابتدر الأستاذ عبد العزيز حسين الصاوي نقاشاً ثرياً ووعراً في ذات الوقت، عبر سلسلة مقالات لـ “البحث والتنقيب عن مكامن للاستنارة في صحراء الإسلاميين” وهو يعني فيما يعني ـ حسب تفسيره ـ البحث عن التفتح العقلي والقابلية لاستخدام الوسائل العلمية والمنطقية في التعامل مع شئون الحياة المختلفة، بفكرة “وداوني بالتي كانت هي الداء”. وقد تابعت ـ تقريباً ـ كافة ما كتبه في هذا الصدد. لكن أجد نفسي هنا على خلاف مع الأستاذ الجليل على هذا الموقف على صعيد الرؤية والمنهج معاً. وسأحاول تبيان مواضع هذا الاختلاف قدر الإمكان.

لا يختلف اثنان على أن الإسلاميين السودانيين ـ وهم المعنيون بالخطاب في مقال الأستاذ الصاوي ـ ينحدرون حسب تصنيفات الباحثين،من التيار السلفي، وبصورة أكثر دقة إذا كنا نصنف السلفية إلى حقلين أساسيين هما الشيعة والسنة. فالإسلاميون في السودان يقعون ضمن التيار السني، وفي داخله يتموضعون فيما يتم تعريفه بأهل “السنة والجماعة”، وهذا التيار تاريخياً هو الذي هزم فكرة التنوير التي بدأت مع المعتزلة في نهايات الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، وتم تتويج هذا الانتصار لاحقاً عن طريق الإمام الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” واضعاً بذلك آخر مسمار في نعش حركة التنوير داخل الثقافة الإسلامية العربية. لذلك فكل التيارات التي برزت حديثاً في الحقل السني هي نتاج هذه المعركة التي انتهت بانتصار أهل السنة والجماعة. ودون الخوض في تفاصيل هذه الفترة والتي أودعها الدكتور الجابري في مشروعه “نقد العقل العربي”، إلا أن الدرس المستفاد من ذلك هو أن هذه التيارات لا علاقة لها بالتنوير أو الاستنارة من قريب أو بعيد، وهذا يعود لأسباب متعلقة بالرؤية والمنهج. لذلك فالباحث عن الاستنارة داخلها، فعلاً كالباحث عن الماء في صحراء قاحلة والذي وإن وجد، فهو مجرد واحات معزولة عن بعضها البعض(!)، وقد كان الأستاذ الصاوي دقيقاُ جداً في اختيار العنوان لما له من مدلول حول صعوبة تحقيق هذا الهدف. ومع ذلك؛ فلنحاول إجلاء هذا الاختلاف المنهجي الرؤيوي حتى لا نكون ممن يلقون القول على عواهنه.

يعتمد التيار السلفي في فهمه وتفسيره لمتغيرات الحياة على ما يسميه منهج النقل، بمعنى؛ النقل عن السلف الصالح، والذي يأتي في صيغة “عن فلان..عن فلان” وهو ما يتم تعريفه بـ “السلسلة الذهبية”، والتي وبمرور الوقت اكتسبت سلطة وقفت على قدم المساواة مع سلطة المقدس. وقد تعرض هذا المنهج للنقد العنيف في عهد المعتزلة والذين كانوا يغلبون العقل على النقل. ولا يبدو حتى الآن في التاريخ المعاصر أن تغييراَ قد حدث ليطيح بهذا المنهج، ويعيد الاعتبار للعقل داخل أوساط التيارات الإسلامية/السلفية، بل ما زال منهج النقل سائداً حتى يومنا هذا.

عليه؛ طالما ظلت المعرفة وطريقة التعاطي معها مقيدة إلى هذا المنهج الذي يسد الطريق سداً أمام الإبداع العقلي، ستظل مسألة الاستنارة محدودة السقف، في أفضل الشروط، بالمدى الزمني والتاريخي الذي يعود بنا إلى حدود الإمام الغزالي وما قبله، أي أننا نعيش حقيقة وواقعاً داخل الزمن المستعاد بتعبير الجابري(!).

{{إن ما يبرز من ثنايا حديث الصاوي من أن لابد:}}

“… أن نستعيد للأذهان حقيقة أن أول حزب استخدم الكومبيوتر في إدارة أعماله هو الجبهة الإسلامية القومية، [وبالتالي] فإن البحث في كيفية تحويل رصيد الانفتاح والاستنارة هذا من الإمكان إلى الواقع يغدو ضرورة قصوى لأنه سيؤدي إلى الإضعاف الحقيقي للنموذج الديني السياسي تياراً وسلطة بخلخلة الركيزة التحتية التي يقوم عليها وينقذ جهود المعارضة في مجال الصراع ـ التعايشي السياسي مع النظام من اللاجدوى…”.

يفهم منه وكأنما استخدام التكنولوجياً بواسطة الإسلاميين مدخلاً، لهذه الاستنارة (!!)، لهو حقاً مدخل غير موفّق، لذلك أجد نفسي هنا على أشد الخلاف مع الأستاذ الصاوي حول هذه النقطة. نعم إن الإسلاميين أو الجبهة الإسلامية أول من استخدم هذه التقنيات لتطوير عملهم السياسي في السودان، والمجاهدون الأفغان أيضاً استخدموا التكنولوجيا (صواريخ الإستنجر التي رفضت الولايات المتحدة أن تعطيها حتى لأقرب حلفائها)، وتنظيم القاعدة مثال حي لمدى قدرة السلفيين على استخدام التكنولوجيا بكفاءة عالية حيرت أعتى أجهزة الاستخبارات في العالم. لكن بالرغم من ذلك ظلوا ـ أي السلفيين بما فيهم الجبهة الإسلامية ـ الجبهة متخلفين على عدة أصعدة، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع التطور الذي حدث في المجالات القانونية، والدستورية، والنظم السياسية وغيرها أي العلوم الإنسانية، والتجربة الماثلة أمامنا تبرهن على ذلك. وهنا لا يفهم المرء كيف تكون هذه التيارات على مقدرة كبيرة باستخدام التكنولوجيا، لكنها متخلفة لدرجة كبيرة فيما يتعلق بالديمقراطية(راجع حيدر إبراهيم: الحركات الإسلامية وقضية الديمقراطية) وحقوق الإنسان، والنظم السياسية، بمعني التقدم على صعيد العلوم الإنسانية.

{{هذا التناقض، له جانبان يمكن تفسيرهما به:}}

أولاً: بشكل عام، هذه التيارات تتعامل مع العلوم بانتقائية، تأخذ ما تريده منها وترفض ما يتعارض معها ـ بمعني تأخذ منها ما يخدم مصالحها السياسية، وترفض تلك التي تتعارض مع هذه المصالح، وهو الأمر الذي يرتد في نهاية التحليل إلى أصله كصراع سياسي بحت، يعري زيف الخطاب الديني الذي يغطي رغبات الاستحواذ على السلطة ـ وبلغة علمية أنها تأخذ الناتج النهائي لهذا التقدم ولا تعترف بالمنهجية التي قادت إليه. وهو ما ولد في داخل الدول والشعوب الإسلامية والعربية بشكل عام ثقافة الاستهلاك. ولهذا جذر قديم أيضاً داخل حقل الثقافة العربية الإسلامية نفسها، فقد كانت العرب قديماً تعتبر أن المهن ممارسة تحط من قدرهم ومكانتهم الاجتماعية، والعربي الأصيل في تعريفهم هو من يهتم “بأخبار العرب، ونسبهم وشعرهم”. أما المهن، فهي من عمل الموالي والعبيد، لذلك نجد أن كل الذين نبغوا في المهن والعلوم المشتقة منها (العلوم التطبيقية بالتعبير المعاصر مثل الطب والهندسة وغيرها) ينحدرون إلى الموالي، ويظهر ذلك من كنياتهم مثل السرّاج، (صانع السروج)، أو السيوفي (صانع السيوف) أو الإسكافي (صانع الأحذية). وحتى الذين نبغوا في العلوم النظرية في الإسلام كانوا من الموالي أيضاً وأشهرهم حسن البصري. لذلك، فاستخدام التكنولوجيا حديثاً بواسطة هذه التيارات لا يسند قضية أن ذلك قد يقود إلى استنارة داخلهم، لأن التحول المنهجي في فهمهم لم يحدث حتى الآن، وسيظلون في حالة غربة عن التقدم العلمي، يعيشون على استهلاك منتوج الحضارة، يرفضون دائماً الفلسفة التي إنبنت عليها. وبداهة فإن أي مشروع للتنوير يتجاوز الأسس الفلسفية التي قامت عليها المعرفة والتقدم العلمي، ويتعامل مع منتوجاتها فقط، لن يلد استنارة مهما بدت عليه من مظاهر المدنية والتحضر، والتي تبقي كقشرة خارجية تزول مع الزمن، وهذه نقطة منهجية حاسمة.

{{لذلك، فإن النتيجة النهائية التي خلص إليها الأستاذ الصاوي من أن ذلك:}}

” .. سيؤدي إلى الإضعاف الحقيقي للنموذج الديني السياسي تياراً وسلطة بخلخلة الركيزة التحتية التي يقوم عليها وينقذ جهود المعارضة في مجال الصراع ـ التعايشي السياسي مع النظام من اللاجدوي…”.

هي بناء للمجهول، ومعركة مع خيال، لأنها نتيجة قامت على قراءة غير صحيحة. وإلى أن يتحقق افتراض أن الإسلاميين فعلاً وقولاً ومنهجاً مع العلم والعقلانية، أي أنهم يأخذون التقدم العلمي كمنتوج وفلسفة ومنهج معاً، يصبح بالتالي وصولهم إلى نقطة الاستنارة هو نتيجة منطقية. لكن طالما ظل هذا الفصل قائماً فسيظل حفر الأستاذ الصاوي مجرد حرث في البحر ليس إلا، ولن يؤدي إلى خلخلة في الركيزة التحتية التي يقوم عليها، ولن ينقذ جهود أي معارضة ولن يؤدي إلى تعايش سلمي، لأنه وببساطة هذه الركيزة بقيت بمنأى عن أي تأثير.

ثانياً: إن ربط هذا الانقلاب الافتراضي في تركيبة الإسلاميين بالبحث عن مكامن الاستنارة في صحرائهم بالتطور على صعيد الفكر العلماني، في تقديري هو ربط تعسفي لا جدوى منه، ويعيد تدوير أزمة التيار العلماني نفسه، والذي ـ وللأسف الشديد ـ ظل يعاني ولفترة طويلة يرهن نفسه لابتزاز الحركات الإسلامية التي تصمه تارة بالإلحاد والشيوعية، وتارة بالعلمانية، وفي كلا الحالتين، ومن خلال إتباع المنهج العلمي في التحليل نصل أن ذلك لم يكن إلا مبارزة سياسية خاضها الإسلاميين بوعي تام لمحاصرة التيار العلماني في زاوية ضيقة من حلبة الصراع السياسي، وقد استسلم العلمانيون لهذا الابتزاز المهين (!!).

ولإجلاء هذه النقطة لابد من إزالة الغبار حول مفهومي العلمانية والدينية حتى يتأطر فهمنا لهذا الابتزاز في مستواه الفسلفي والسياسي. فمسألة العلمانية يتم تفسيرها في إطارها التاريخي الذي نشأت فيه، والذي تلخّص في مقولة “فصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية”، وتم التعبير عن هذا الموقف الفلسفي/التاريخي بصيغ عديدة، مثال، فصل الدين عن الدولة، الدولة المدنية، ما لله لله، ولقيصر لقيصر والدين موقف باطني… إلخ من الصيغ. وهو في نهاية التحليل صياغة لموقف ورؤية جديدة للحياة قامت على فصل بين المناهج التي تتبعها الأديان في تناول المعرفة، وبين ذلك الذي يتبعه العلم، ولخصه التراث الإسلامي في مقولة “أنتم أدرى بشئون دنياكم”. ومدخل الابتزاز الذي قامت به التيارات السلفية في السودان حول هذه النقطة إنها ربطت مابين هذا الفصل والإلحاد، بمعني أنها نظرت إلى كل من يأخذ بهذا الموقف على أنه ملحد، وبالتالي ربطت بشكل تعسفي ما بين قضية معاملات وقضية عقيدة، وهو ما لم يفطن له العلمانيين، ووجدوا أنفسهم محاصرين في زاوية ضيقة تحاكمهم في اعتقادهم من غير جريرة، جعلت الكثيرين منهم وفي خريف عمرهم، تجدهم إما ينتمون إلى هذه التيارات الإسلامية/السلفية أو المتصوفة، في رحلة تطهر وندم على ما فات من ماضيهم العلماني وغيره، وكأن ما كانوا يدافعون عنه من قيم ومواقف فكرية، هي نزوات صبا (!)

لذلك فإن الموقف الصحيح هو ليس في البحث داخل الإسلاميين عن مكامن الاستنارة، وإنما استنهاض هذه الاستنارة داخل العلمانيين المهزومين في فكرههم وضميرهم الديني. والتأكيد من جديد على أن هناك اختلافا منهجيا عميقا في تناول المعرفة يجب الاعتراف به هو أن الأديان هي في نهاية المطاف مسألة اعتقاد لا تتطلب بالضرورة البرهنة عليها والسؤال فيها قائم على الإيمان وعدمه بينما السؤال في العلم لا يقف عند حدود الإدراك فحسب، بل يجب البرهنة عليه عقلياً. لذلك عندما وضع المفكر محمد أركون مقولته بأن الحركات الإسلامية وفي سياق رهاناتها الزمنية ودون أن تعي ذلك تقوم بأكبر عملية علمنة في التاريخ، إنما كان يشير إلى نقطة جوهرية، هي المسافة الشاسعة في الحياة اليومية لهذه التيارات بين ما تعتقد فيه، وبين ما تمارسه فعلياً، وما يتولد من ذلك من تناقضات ومواجهات على صعيد الوعي، والوجود. وهو قضية فلسفية قديمة تتمثل في المواجهة ما بين الصورة/المثال، المثالية/المادية، الفكر/الواقع، الممكن الذهني/الممكن الموضوعي … إلخ من المصادمات.

لذلك فالمعارضة السودانية التي يعمل جاهداً الأستاذ الصاوي على إعانتها على الخروج من مأزقها، إنما يسلك بها طريقاً محفوفاً بالمخاطر ومليئا بالثعابين، وهو وهم في بحثهم عن شعلة الاستنارة داخل الإسلاميين كالمستجير من الرمضاء بالنار. وكان من الأفضل أن يستنهض فيها العقلانية، ويحررها من ربقة الخضوع لابتزاز السلفيين لهم في دينهم وضميرهم، ودفعهم لقيادة المواجهة عن “يقين علمي”، كما يحدث في المغرب العربي.

{{نقطة أخيرة:}}

حقيقة لقد أثبت التيار الديني/السلفي تقدمه على التيار العلماني في الجانب التكتيكي. فبقراءة سريعة للواقع الماثل نجد أن أقوى تيارين في الساحة ينحدران إلى أصول إسلامية (المؤتمر الوطني في الحكومة و المؤتمر الشعبي/حركة العدل والمساواة في المعارضة). ولم ترصد حتى الآن اختلافات عميقة بين هذه التيارات عدا ما أصبح يصرّح به الترابي مؤخراً، ولنا فيه قولً سننتظر إلى أن تتضح الملامح النهائية لهذه السلفية الجديدة.

لذلك ففكرة استخراج الدواء من الداء بالبحث عن ” الاستنارة وسط الإسلاميين واستثمارها لمصلحة المجتمع والسياسة” لا أعتقد أنها موفقة، ولا حتى أن هؤلاء الإسلاميين من الغفلة بحيث أنهم جاهلون بما يفكر فيه الآخر، بل أذكياء بما يكفي، وهذا هو مدخلنا عما سكتنا فيما يقوله الترابي، لأن الذين على السلطة اليوم هم مجرد زبد بحر سيذهب جفاء، وقد قال فيهم عمار بن ياسر قولته قبل أكثر من 14 قرناً من الزمان، يحلمون بأن يصيروا “جبابرة ملوكاً” في حركة التاريخ ليس إلا. أما الآتي فهو ما يجب مناقشته حتى لا نعيد دورة التاريخ في شكل ومظهر جديدين.

—-
نشرت في موقع sudanile
في /1/ 2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق