هل بمقدور نص تغيير العالم؟

    هل بإمكان نصّ تغيير العالم؟ الظاهر أنّ الإجابة ستكون إيجابا بكلّ تأكيد، إن نحن فكّرنا في العهد الجديد وفي البيان الشيوعي لكارل ماركس وانجلز أو في العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، لكن من اللازم إعمال أدوات التمييز بين الخاصية الثورية للنصّ في حدّ ذاته وبين آثاره التاريخية المباشرة والبعيدة، أو ببساطة تلك غير الموجودة. فمثلا الحاصل في المجال العلمي هو أنّ مقالة ألبيرت اينشتاين سنة 1905 التي خصّصها للنسبية الخاصة، كانت مقالة ثورية في منهجها وفي أبعادها، إلا أنّها لم تنتشر إلا ببطء في مواجهة عوائق عديدة قبل أن تحدث الثورة في مجال الفيزياء، كما أنّ ذلك ناجم عن كون الاختبارات التجريبية لهذا الفكر المكتمل (النسبية العامة) نادرة ومستعصية على صعيد الإجراء أيضا. كما يعود إلى الوضع الخاص للثورات العلمية التي لا تتحقّق أبدا في مجرّد لحظة، إن نحن أخذنا بالتحليل الكلاسيكي لتوماس كون Thomas Khon ضمن كتابه "بنية الثورات العلمية" (1970)

    هناك مثال آخر مستمدّ هذه المرّة من الميدان السياسي الديني، كما أوضحته المؤرخة كاترين مير Catherine Marie في كتابها الصادر عن دار النشر غاليمار سنة 1989 والمعنون بـ"من علّة الله إلى علّة الأمّة de la cause de dieu à la cause de la nation " فالفكر الجنسيني Jansénisme ، رغم انه تحقق في الفترة الكبرى لبور – رويال Port – Royal، فإنه لم يقدم قربانا في مواجهة النزعة الإطلاقية، إلا عندما تم توظيفه قَرْناً بعد ذلك من طرف البرلمانات في نضالها ضد الملكية.

    من هنا إذن يصبح من الضروري تعريف الملامح المميزة للثورة، إذ ينتج حدث بالخصائص الآتية : 1- إحداثه لقطيعة 2- كونه محفّزا بقوى باحثة عن السلطة 3- كونه ضدّ الشرعية القائمة 4- إقامته لنظام جديد يلقي بسابقه في الماضي : وفقا لهذا المعنى أبدع المنتصرون في ثورة 1789 مصطلحا جديدا هو مصطلح "العهد القديم". هكذا فالثورة هي هذه الظاهرة التي يُمَأْسِسُ فيها المنتصرون لتأريخ، وقطيعة بين السابق واللاحق، باحثين حتى عن تغيير التقويم الزمنيّ القائم.

    ومن هنا تأتي أيضا التشابهات والاختلافات التي يمكن ملاحظتها بالنسبة لنص يوصف بـ"الثوريّ"، إذ غالبا ما يكون هذا الأخير منحدرا من نصوص سابقة عليه، بغية عكسه لمنطقها : ذاك هو الحال بالنسبة للعقد الاجتماعي الموجّه ضدّ سيادة الملك على الحقّ الإلهي، أو بالنسبة لماركس الذي صرّح في رسالة له إلى جوزيف ويدميير Joseph Weydemeyer ، بأنه أخذ صراع الطبقات عن مؤرخين مثل MignetThiers Guizot.

    بل أكثر من ذلك، لا يبحث النص الذي نسميه اليوم نصّا ثوريا، بالضرورة عن تغيير واقع زمنه، بل بالأحرى، عن تغيير الحياة الأخلاقية والروحية؛ ذاك هو حال اعتبار المسيحية كطائفة متمرّدة من وجهة نظر الإمبراطورية الرومانية كما من وجهة نظر المعبد اليهودي، لكنّها من وجهة نظر المسيح الذي "لم تكن مملكته من هذا العالم" ما كانت أبدا كذلك، وفي الاتجاه المعاكس؛ من أكثر ثورية من لوتر Luther  الذي دعم خلال حرب الفلاحين في سنتي 1524 و 1526، القمع الممارس من طرف الأمراء ضدّ المتمرّدين المتصوّفة؟ إنّ الثوريّ المتعلّق بما هو إيماني يمكن أن يكون محافظا اجتماعيا، أما العكس فغير ممكن أبدا.

آثــار خـفـيـة :

    الواقع أنه من اللازم الحذر من فكرة الإسناد السببي المباشر بين النصّ – الحاوي لفكر تجديدي يقلب القيم القائمة – وبين الواقع الاجتماعي، فحركة اليعاقبة، وحتى روبسبيير Robespierre ، وبصفة أكثر امتداد " المصطفين Montagnards " استشهدوا بروسو واستندوا إليه، غير أنّ المؤرخ يجب أن يتساءل : بأيّ وجه من وجوه روسو يتعلق الأمر؟ وبأية لحظة من لحظات الثورة ؟ ولأجل أية رهانات داخل الصراعات الثورية؟

    إن نحن قمنا بدراسة خطاب اليعاقبة، فما سنسجّله هو أنه ارتكب تأويلا مضادا لفكر روسو، وهو ظرف يلقي بثقله، لأنّ الفكر السياسيّ لهذا الأخير معقّد جدّا، وملتبس أحيانا إلى درجة استحالة اتخاذ أيّ قرار بصدده، (هذا ما يتضح مثلا عندما يتعلق الأمر بأين ومتى يجب أن نتكلم عن "الإرادة العامة"؟)

    هكذا يتّضح أنّ روسو ليس هو من أنتج الثورة كما يذهب إلى ذلك الرأي المفرط في التبسيط، بل الخطاب الثوري الباحث عن تكوين ذاته وشرعنَتها، لكن هل يمكن الإقرار بالوجود الفعلي لنُصوص  يمكن اعتبارها، ولنفس السبب، نصوصا ثورية، والتي فتحت بهذا المعنى، حقبة جديدة، كما هو الأمر بالنسبة لكتاب "مقال عن المنهج" لديكارت، فلأوّل مرّة معه لم يُكتب كتاب ينتمي للثقافة العالمة باللغة اللاتينية، وقام على "الحسّ السليم Le bon sens " ، وعلى الحكم الداخلي الذي يضع موضع شك كل ما يمثل سلطة، فما الأكثر جرأة من هذا بعد حركة لوثر ضد روما؟

    وفي القرن 19 وخلال حقبة دوطوكفيل – نجد حتى عند هذا الأخير نفسه وبكل تأكيد فكرة أن لوثر وديكارت هما المفكّران الثوريّان العظيمان، لأنهما كانا حاملين للحداثة حتى إلى أمريكا. 

    غير أن ما نُلاحظه هنا بوضوح هو أن نصا قويّا يمكن أن يُخَصِّبَ العقول من دون أن يُتَرْجَمَ ذلك من خلال انقلاب في العالم السياسي والاجتماعي، أو ألا يتمّ ذلك إلا بعد مرور قرون عديدة، أو وفقا لآثار طارئة وغير متوقعة، تجعل رسالة وفكرة قائمتين بوظيفة التهييج والإثارة، في ضوء هذا يمكن التساؤل عما إذا كانت الاشتراكية الواقعية لبرجنيف سليلة البيان الشيوعي لماركس وانجلز، أم أنها تعود إلى نقد البرنامج لـ  Gotha   ، الذي عرف القواعد الأولى للاشتراكية ؟

    من اللازم كذلك الاحتياط من أساطير التاريخ الثقافي، وبالأخص  ما تعلق بالبيان الشيوعي لماركس، الذي أثار العالم الثقافي والفلسفي، بل والعالم السياسي، فهذا البيان القصير جدا، سليل المخطوطة المعنونة بـ"أطروحات حول فيورباخ" بقضيتها الحادية عشرة المشهورة : "لم يعمل الفلاسفة إلا على تفسير العالم بطرق مختلفة،   بينما الأهمّ هو تغييره".

    انطلاقا من هذا القول ذي السلطة القدسية، أثير الجدل حول "وحدة النظرية والممارسة" في شكل آلاف الصفحات من الدراسات كما أثيرت نزاعات لا تعدّ ولا تحصى داخل الحركة الشيوعية، ابتدأت بالخصام بين مَاوْ وقادة موسكو، أما بالنسبة للفلاسفة، فإنّ أزْمةً لها قابلية للاستمرار، وربما لازالت هي تلك المتعلقة بمكانة الفكر في علاقته بالممارسة "البراكيس" ؛ أي الفعل الذي يغيّر العالم.

    وبالمثل هل يكون بعث آدم سميث بشكل أكيد، في رحم الفكر الليبرالي، هو ما أدّى إلى الأحداث الكبرى، أو بالأحرى عبارة جون لوك في محاولته الثانية حول الحكومة : "حيث لا يوجد قانون، لا وجود للحرية" ؟

    إن النزعة الليبرالية هنا تتمسك بقوله الأساسيّ، الذي يقود تقليدها، إلا أنّ الخصوم يغفلون بسهولة أنّ : السلطة من دون قوانين والسوق من غير قواعد، لا يُفضيَان إلى الانعتاق وجها لوجه أمام " سلطة الإنسان على الإنسان " التي مثلت الطغيان بالنسبة لمفكّري الأنوار.

    إنّ البناءات المنطقية ليست هي ذاتها بين الثورات الثقافية والأخلاقية من جهة، وبين الثورات الاجتماعية من جهة أخرى، هكذا يبدو أنّ الأفكار "لا تحكم العالم" كما كتب ماركس، هذه العبارة، التي تقوّض ذاتها بذاتها، لأنّ هذه الفكرة نفسها حكمت بشكل مستمرّ ملايين الأفراد!

  إنّ النصوص الثورية موجودة بكلّ تأكيد، وبمقدورها إلهام فرد عظيم مثل القدّيس فانسون بول Vincent Paul المتأثر بالإنجيل، أو إلهام جماهير بأسرها في توقها للحرية داخل العالم.


  المقالة الأصلية بعنوان : Un texte peut-il changer le monde ? ;  Le point Hors – série n° 28 , Juin – Juillet 2008 .

لصاحبها لوسيان جوم Lucien Jaume وهو مدير بحث بالمعهد الوطني للبحث العلمي وأستاذ بمعهد الدراسات السياسية بباريس ومؤلف لعدة كتب صادرة عن دار النشر فايار Fayard منها :

L'individu effacé, ou la paradoxe du libéralisme français .
La liberté et la loi (2000) .
                          

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق