هل تحترق حلب؟ / خيري الذهبي

في ستينيات القرن الماضي (1966) قدمت السينما الاميركية فيلما سينمائيا كان اسمه هل تحترق باريس؟ وكان يتحدث عن نهايات الحرب العالمية الثانية حين كان الجيش النازي في طريقه الى الانسحاب من باريس، ولكن الجنرال المسؤول عن مؤخرة الجيش كان واقعا تحت رعب الاختيار بين الاستجابة الى طلبات ضميره الحضاري والانساني والمربى منذ طفولته على زيارة المتاحف الفنية والمعارض والآثار والكاتدرائيات والقصور، وكل ما أنتجه العقل الفني لخدمة الجمال، وهذا ما شكل لديه ضميرا ثانيا من احترام الجمال والفن وما صنعه الانسان للجمال وليس للنفع أو القتل، بل الجمال فقط.

كان الفيلم من إخراج رينيه كليمنت وبطولة جان بول بولموندو وشارل بواييه.. كان الجنرال موزعا بين الاستجابة لضميره الحضاري الذي لم تستطع الافكار العنصرية للنازية وإحساسها بالتفوق العرقي على بني البشر، وبين الطلب أو الامر الاخير الذي أعطته له القيادة العامة قبل أن تنسحب، كان الامر هو: أحرق باريس.

كان عذاب الجنرال هو في انه يعرف باريس، يعرف كنيسة نوتردام دو باري، ويعرف قصر الاليزيه، ويعرف التويليري، وفرساي، ويعرف السان ميشيل، ويعرف مونبرناس، ويعرف الكنائس والقصور التي صنعها العقل واليد الانسانيان لقرون فصنعت من باريس مدينة للنور والجمال ومقصدا للحالمين برؤية الجمال على الارض عمارة وحدائق وفنا تشكيليا.

كانت باريس مقصد الأجيال منذ ان أطلقوا عليها اسم مدينة النور، وكان الجنرال نفسه قبل ان يصبح جنرالا وقبل ان يصبح نازيا، وقبل ان يصبح جزءا من الحلم الهتلري بالسيطرة على العالم، كان من أولئك الشبان الذين اعتادوا مغادرة قراهم ودساكرهم ومدنهم ليروا العالم، وكان العالم مختصرا في باريس.

أحرق بارس… كان الامر مريعا، ولكن مخالفته كانت أكثر ترويعا، فربما كان ثمن المخالفة الإعدام أو القتل، ولكن الاستجابة له ـ كان يعرف ذلك ـ كانت تعني اللعنة التي ستحيق به وباسمه وأطفاله وآبائه. انه.. من أحرق باريس. انه من سيكون هيروسترات بطل مسرحية “انسوا هيروسترات” الذي أحرق المعبد اليوناني ليذكره التاريخ بأنه من أحرق المعبد.

كان الفيلم الطويل هو عن هذا الصراع الروحي والانساني بين عقل أوروبي متنور صنعته عدة قرون من عبادة الجمال، والتربية الطويلة والمخلصة منذ مراحل التعليم الاولى في تذوق الجمال عمارة وفنا تشكيليا وموسيقى يسمعها في الكنائس وفي السهرات، وربما كان الاب أو الام عازفا ماهرا لا للتكسب من العزف وانما لإرضاء ذوقه الشخصي الفني الاوروبي المتنور.

كان الصراع بين هذه التربية الطويلة والمخلصة والتي قام عليها عدد من كبار المربين الأوروبيين لصناعة إنسان المستقبل والذي سيتكون عقله في جزء كبير منه من عبادة الجمال في دروس طويلة ومخلصة لتذوق الجمال وربما إنشائه وإبداعه.

لم يكن هذا التعليم “للفنطزة” أو للتبجح، كما دأبت بعض بيوت محدثي الثروة والنعمة من عسكريين وحزبيين وكومسيونجية على شراء البيانوهات من موسكو التي ربما كانت تصنع بيانوهات خاصة للتصدير الى سوريا، بيانوهات لا تصلح للاستعمال ولكنها تكفي لتلبية مزاج محدثي النعمة أولئك، فقد كان ديكور البيت يحتاج لاستكماله حسب مجلات الديكور الى بيانو، فكانوا يستوردون البيانو ثم يستأجرون معلما لتعليم الطفل أو الطفلة العزف عليه.. هذا البيانو كان في معظم الحالات ينتهي به الامر الى ان يصبح طاولة يوضع عليها “فاز” فيه زهور بلاستيكية.

كان الفيلم هو عن الصراع بين عقل أوروبي تربى على أيدي باخ وفاغنر وديبوسي.. الخ… وعقل أوروبي ايضا ولكنه خضوع لإعجاب العقل بنفسه وما أنجز عبر مئتي عام من احتلال العالم الثالث كله تقريبا، إعجاب الاوروبي بنفسه هذا وصل به الى الاحساس بتفوقه الالهي والطبيعي على أبناء البشر… فكانت النازية التي لم تكن ألمانية فقط كما أرادوا لنا ان نردد بل كانت اوروبية عامة، حتى انها وصلت في بريطانيا الى الملك الذي تخلى عن العرش تحت ضغط هائل من تشامبرلين والسياسيين البريطانيين المعادين للنازية فأجبروه على التخلي عن العرش ثم اخترعوا له قصة غرام رومانسية في زواجه من مطلقة أميركية تخلى عن عرش بريطانيا إكراما لحبه لها.

ونعود الى الضابط الممزق بين الاوروبي المثقف والاوروبي النازي، فبعد ساعتين من فيلم ممتع يستجيب الجنرال النازي للمثقف الاوروبي ويأمر جنوده بتفكيك المتفجرات والخروج من باريس لينقذ تراثا هائلا وجميلا للبشرية، لا نزال نشكره ونشكر الضابط النازي الذي لم يستجب للوحش فيه فأنقذ تراث الجمال للإنسانية.

و….. صدر الأمر: أحرقوا حلب.

المؤسي والمزعج والمخيف، أن متلقي هذا الامر لم يتوقفوا ليفكروا: كيف أحرق حلب، كيف أحرق مدينة الجمال، مدينة سيف الدولة وأبي فراس، كيف أحرق مدينة السهروردي وابن جني، كيف أحرق خان البيازنة (أهل بيزا) وخان البنادقة ومدينة طريق الحرير التي كانت المحطة الاخيرة للقادمين من الصين وأخبارها وحكمتها ومهاراتها، كيف أحرق مدينة عبد الرحمن الكواكبي وبيت المراش – الكتاب المبكرين، كيف أحرق ملجأ الثوار الفحامين الهاربين من ايطاليا بعد مطاردة الملك فيتوريو ايمانيويل لهم الذين جعلوا من خانات حلب ملجأهم الاخير، كيف أحرق حلب المدينة الاهم بعد استانبول في الامبراطورية العثمانية كلها، كيف أحرق حلب التي وقفت عنيدة صامدة ضد كل العنف والوحشية لدى جحافل الفرنجة الذي أسموا انفسهم بالصليبيين، كيف أحرق حلب التي عرفت الحضارة قبل موسى وعيسى والانبياء جميعا، كيف أحرق حلب….. لا. لا… فمتلقو الامر لم يترددوا ولم يراجعوا ولم يؤنبهم ضميرهم ولم يتذكروا جماليات المدينة واسواقها الاثرية وخانقاهاتها وخاناتها، لم يتذكروا مساجدها ومدارس موسيقاها وقدودها ومسارح رقص سماحها، بل مضوا يقصفون ويفجرون ويحرقون ليس حلب وحدها، بل معرة النعمان مسرح ابي العلاء المعري التي هاجمها الصليبيون وأبادوا كل سكانها بعد حرب باسلة جعلت الاوروبيين من بدو النورمان والفرانك الذين لم يهذبهم باخ ولا فاغنر ولا موزارت، فهم لم يولدوا بعد، يعمدون في إحدى الروايات الى اكل لحم ضحاياهم من اهل المعرة بعد فتحها، أما حمص….. فتحتاج الى كتب ومطولات للبكاء على ما وصلت اليه.

لا…. سأتوقف فأنا لا أريد الحديث عمّن دمر هذه المدن وجمالياتها، بل أريد أن أتحدث عمّا دمرها…. أنا شخصيا أعتقد ان هذه الوحشية قد انبثقت في جزء كبير منها منذ الطفولة، منذ إلغاء مواد الرسم والموسيقى وتاريخ الفن من مناهج اولادنا التعليمية، منذ إلغاء زيارات المتاحف ومعارض الفن التشكيلي من مناهجنا التعليمية، منذ إلغاء كل ما هو جميل في الحياة وإحلال مادة التربية القومية المعتصرة من أفكار البعث الخطابية، ثم اختصار هذه الافكار في تكليف الطلاب لحفظ خطب الرؤساء والكبراء محل دراسة تاريخ الفن، فخلقنا الوحش الذي يزدري الجمال ولا يعتقد ان له اهمية، فالمهم هو حفظ آخر خطبة تفرض عليه في المنهج، خطبة ربما ستلغى بعد شهر لتحل محلها خطبة جديدة، أما الجمال وأما التاريخ وأما الذاكرة فكلها تفاهات.

أحرقوا حلب….. واحترقت حلب.

 

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق