هل ترى ما أرى؟

وعندما أتعبته الدّنيا عاد عمران، مردّدا في نفسه:

“البطالة… هه، وعود القائمين بشؤون البلاد لا تتجاوز أسماعهم” أخد ملفّا به باكالوريا، وإجازة وأشياء أخرى، لم يفهم لم لم يتخل عنها يوما.

 “هههة، مسخرة مؤلمة، أن يحمل الإنسان “دزينة” أوراق قضى قرابة ربع قرن في تحصيلها ولم تمكنه حتّى من شراء… كيس ملح مثلا”

 تثاءب بتعب، قبل أن يضيف وكله عزم “بل سأسعد… كل شيء يهون إذا كانت أمل بجانبي، لقد تحمّلت شهورا طويلة من البرد والشّقاء دونها في مزارع الكيف شمالا، وسنوات في التّهريب… توابل، ملابس مستعملة، وبشر أحيانا… أجل سأعمل بكلّ قوّتي وسنسعد معا”.

تذكّر ابتسامتها عند غروب الخميس، رغم العتمة “بانت” أطراف أسنانها عاجية البياض، تحيط بها شفتان طريتان كالفراولة عند الصباح، بدت لذيذة وجميلة، ألذ ممن غزون أحلامه كلهن، شعر بقوة عارمة تغمره، “سأجمع مالا يكفي لحفدتنا، فقط أريد أمل معي… ما المال؟ انه نتيجة مجهود فقط، ما المجهود؟ امتلاك للقوة وبذلها، وأمل منبع قوتي”قال محدثا نفسه “ايه، الزمن يجري حوالينا كسيول المطر”… فقد ترك أمل طفلة عندما غادر للبحث عن كسرة خبز، أخد ذلك وقتا مديدا من عمره… معظم عشرينياته… وعندما عاد، كان يحدّث أمه عن كساد التجارة وإجراءات غلق منافذ التهريب عندما دخلت أمل، ترددت… قبل أن تشجعها أمّه مرحبة “أمل، تفضلي” ثم استدركت مبتسمة “هل نسيت عمران؟”

تغيرت أمور كثيرة في رأسه منذ ذلك اليوم، عندما غادرت تطلع طويلا الى وجهه بالمرآة “ثمان وعشرون سنة، أنت في طريقك الى الشيخوخة يا عمران”، أبتسم، تطلع الى التجاعيد حول عينيه، بدت ابتسامته أقرب الى تكشيرة أسد عجوز، وضع المرآة بعصبية، فجل أقرانه من الذكور لهم أطفال، أما النساء فقد “سمنّ”، تهدلت صدورهن واعوجت ظهورهن من كثرة الشقاء، سأل نفسه بأسى “ما الذي تنتظره يا عمران؟ فقد تبعت الدنيا حتى تعبت وحالك هو هو، لا تملك إلا كيس أسمالك هذا” قال ذلك ثم ركل كيس أمتعته بتراخ.

تكاليف الزواج تخيف، والإجراءات…آه… الإجراءات هم آخر وصل سمع عمران أنهم أضافوا اختبار زواج جديد… لكنه لم يهتم.

وعزم عمران على الزواج…

*******

ما أقلق راحة بال عمران إلا سائق التاكسي الذي أخذه إلى مكتب العقد، بدا نزقا أول ما وصل، أمسك عقب سيجارته برأس إبهامه وقذفها بظفر وسطاه بلا مبالاة، ثم تقدم من عمران سائلا بحذق “زواج؟”، ابتسم عمران بثقة وأجاب “إيه، نعم”، هز سائق التاكسي رأسه ومط شفتيه بغير اهتمام ثم فتح باب التاكسي قائلا “تفضّل”.

قال عمران بعدما أخدت التاكسي مسارها على الطريق بحماس، وفي محاولة لمعرفة رأي السائق بأمر زواجه “يحتاج الانسان لأن يكمل دينه…”

غمغم السائق بغير اهتمام “أجل”، تطلع عبر زجاج السيارة الى الخارج، ثم استدار نحو عمران سائلا “ما عملك؟”

ارتبك عمران للحظة ثم أجاب “ليس لي عمل قار الآن، لكني سأجد عملا بعد زواجي، الانسان ينوي والله يدبر”.

استطرد سائق التاكسي مستخفا ومستغربا “ليس لك عمل قار وأنت مقدم على الزواج؟”

أجاب عمران بعصبية “لا، لم تفهم قصدي، كان لي عمل حتى الثلاثاء، لكن كما تعلم… أقدار خير من أقدار… من يدري؟ قد أجد عملا أفضل”

“لذلك فكرت بالزواج أولا؟”

“أجل، وليس في ذلك ما يسيء”

“آهه، ولم ستتزوج؟”

“أليس ذلك ما يفعله الجميع؟”

“أليس ذلك ما يفعله الجميع؟” ردّد سائق التاكسي باستغراب ظاهر ثم أكمل بصوت أراده أن يبدو حكيما “قدرنا في هذه البلدان اتباع التقليد دون أن نسل لماذا؟ فمثلا فقط لأن قومك حولك تزوجوا في مثل سنك فانك ستتزوج… لتلد أطفالا لا تستطيع إطعامهم ولا توفير مصاريف تدريسهم، وينتهي الأمر بهم أن يعيدوا عيش حياتك بشكل أبأس”

“ذاك قدرهم” رد عمران بلا مبالاة واضحة.

“قدر الانسان يصنع بيديه، أما القدر ببالك فما أردته لنفسك عزاء” قال سائق التاكسي ثم أضاف بتهكم “أليس ذلك ما يفعله الجميع؟”

“التقليد نظام حياة، أين سوء دخله بأمر زواجي؟”

“التقليد أوهمك أن خلاصك يكمن في زواجك، وأنت تعلم علم اليقين أنه ليس كذلك… التقليد رسم لنا جميعا حدودا في النفوس تعاظمت حتى صارت قلاعا أصبح هدمها ضربا من الاستحالة وهلك في هامش النبذ كل من ادعى بغير صواب تلك الحدود، فصرنا كقردة السيرك، نقلد ماضي من قلدوا ماضي غيرهم حتّى بهت التقليد وحل مكانه النّفاق”

“ألا يغريك من تزوجوا إذا؟” تساءل عمران

هز سائق التاكسي رأسه نافيا ثم أجاب “ليس الزّواج ما يغري غير المتزوّجين منا، بل هي صورة مثاليّة عنه تتجذّر في الذّهن تدريجيّا، تتعزّز بشعورنا المضحك بالوحدة ونحن وسط الجموع، وتزاحم اليومي من حياتنا حتّى تجد لنفسها مكانا فيه… سأخبرك شيئا، منذ بدأت عملي هذا أخذت الكثيرين إلى مكتب العقد وعلى وجوههم أمارات الفرح بالقادم من أيامهم، يسرقون نظرات الاعجاب إلى بعضهم باستحياء… يتزوّجون، يسعدون بأيّامهم الأولى معتقدين أنّ الخلاص حل تحت سقف بيتهم، وبمرور الوقت يتسلل الملل إلى القلوب ثم العقول، فتحيا إرادة تحقيق الأحلام، وأشياء أخرى…”

تأمل سائق التاكسي يساره وأمامه طويلا ثم أردف قائلا:

“فيحل صراع الإرادات محل التوافق،… قرض البيت يأخذ نصف أجرة عملك، عقيقة مولود آخر تنتظرك بعد شهر… بينما تضاعفت شكواها من قلة اهتمامك كما تدعي، لكن أصل المشكل أنك لم تبتع لها آخر تقليعة ثوب تحت العرض، فاضطرت إلى حضور حفل جارتكم بالتقليعة القديمة، فضايقتها الأعين وتناولتها الألسن هناك والملام أوّلا وأخيرا أنت.

هل تعرف ماذا يتبع ذلك؟ تجد شكواها الطريق إلى بيت نومك، إذّاك يتقلص وقت راحتك إلى الصفر… ويوم تفكر في الرد، تكون علاقتكما قد انتهت منذ زمن، لأنّها – ولأن رأسها امتلأ أوهاما حول وضعها لو تزوجت أول خطابها… فقد كان أشقرا… وسيما… – تزوجت الرّجل الخطأ، وأنك تغيرت منذ تزوجتما… فتنهي أنت جدال أشهر وقد يكون سنوات أحيانا بجملة “لم أتغير أبدا، بل كنت هنا طوال الوقت كما أنا… لكنك لم تفهميني قطً”

أحنى سائق التاكسي رأسه ثم أضاف “صدقني…عدت بالكثير منهم إلى المحاكم وقد شابت نواصي الرّجال منهم وخفّ شعرها، وترمّدت لحاهم وشواربهم… وتهدلت خدود النّساء منهم وعلت وجوههم نظرة كسيرة، أراقب ملامحهم التعيسة في مرآتي هاته وأحاول أن أجد فيها الوجوه النّظرة السّعيدة التي رأيتها ذات يوم بعيد، لم قد يغريني كل ذلك؟”

ضحك عمران بثقة ثم اتكأ إلى الخلف بزهو قائلا “أنت تعبر جسرا لم تبلغه بعد يا صديقي”

ردّ السّائق بغيظ: “لم في نظرك علينا عبور جسر أرهقه مرور أجيال لا يخطر عددها ببال، أليس هذا ما فعله الإنسان مذ وجد: يولد، “فيحشون” دماغه بحديث لا ينتهي عمّا استصوبوه وما استقبحوه، وعندما يحفظ كل ذلك يكون قد بلغ سنك، فيتزوج، ويشيخ ثم يموت… أيّ شيء آخر لا نعرفه عن جسرك هذا؟”

 “آه” همهم عمران وقد بدت له الفجوة في ادعاء السّائق في اتساع مطرد “وأنت بحكمتك العدميّة هاته، تأمّلت طوابير البشريّة عبرت، وتعبر وأخرى تنتظر، فارتأيت أن تكون الاستثناء، وكيف ذلك؟ أن تكتفي بسياقة التاكسي الصدئ هذا، وأن لا تتزوج مثلا… ثم أضاف بسخرية: “أنت فعلا تحب عملك.”

ابتسم سائق التاكسي قائلا ” ستدرك كم أحب عملي”

” وهل تنوي أن تقضي ما تبقى من عمرك على حالك هذا؟”

“لم لا؟ أفضل أن أعيش على أن أدعي العيش”

“وما الفرق؟” تساءل عمران

ضحك السائق ومال نحوه قائلا بتظرف “الفرق أوضح من الطريق إلى مكتب العقد،… هل ستتزوج لأنّك تريد ذلك أم أنّ هذا ما يفعل النّاس في مثل سنّك؟”

ارتبك عمران لحظة ثمّ أجاب “بل أهرب إلى حمى الله تعالى”

“لا تجعل من الزّواج شأنا إلهيا، أنت تؤدي مهمة حقيرة الشأن، تتزوج لتلد، أي لتمدّد بقاء النّوع البشري بضع عشرات أخرى من السّنين، إذاك تنتهي حياتك أي تختزل في العمل من أجل حفظ بقاء خلفك، ثم تشيخ وتموت، لأنك ببقائقك تعطل الزّمن، سمها ما شئت، لكنها قصّة البشر، قصّة قديمة قدم الزمن… تتغيّر تسميات الوظائف فيها عبر الأجيال فقط.”

ضاقت نفس عمران فردّ بملل: “اجعل الأمر يبدو كما تشاء، لكن الحياة في حدود الممكن هي كل ما أمامك، اسعد به أو اتعس إن شئت، فجميعنا ندين للموت بحياة، قد يأخذها الآن وقد يتركها حتى تظن أنه نسيك، لكنه سيأتي، الأهم لي أن أفعل ما أحب بينما أنتظر، لأنّي وأنت نشترك في رحلة الحياة ووجهة الموت وننظر إليهما فنختلف: أرى الوجهة في الأفق فأرى أنّها تقترب، أتطلع حولي، أرى النّاس والطرق والأشياء، وبي رغبة لمعرفة كل شيء وتجريبه وعلى الأرجح ستداهمني الوجهة وأنا لا زلت أفعل. بينما ترى الوجهة، فلا تحيد عنها بنظرك، تحيا الملل نفسه وترى فيه حكمة لا تقنع في واقع الأمر أحدا، وعلى الأرجح ستحدق بوجهتك جيدا بينما تقترب… سأتزوج لأنّني لا أستطيع أن أرى نفسي منذ الآن دون أمل، قد تحملني في التاكسي هذا إلى مكتب محاماة طلاق بعد سنين من الآن… أو إلى غيره، لكنّني سأعقد زواجي اليوم”

توقف السائق وقال مبتسما “أنت أمام مكتب العقد تماما، تفضّل”

ترجل عمران من التاكسي وحماس الحديث يملؤه ثقة، خطا نحو المكتب حيث انتظرته أمل، قبل أن يوقفه نداء سائق التاكسي “عمران، ألن تعزمني؟”

ردّ عمران مبتسما “يوم الزّواج يوم فرح… وأيّ فائدة في الفرح لعدمي مثلك؟”

ضحك السّائق بثقة ثم أضاف: “بل ستفعل”

قطب عمران جبينه مستغربا ثمّ أكمل خطوه من جديد، كانت أمل تقتعد كنبة إسمنتية، تأملته مبتسمة بينما علا وجهها احمرار خفيف، قامت وعانقته بحماس مرحبة بينما فتح بدين باب المكتب خلفهما مستفسرا “زواج؟”

رد عمران ممسكا بيد أمل: “إيه، نعم”

تأمّلت أمل الرّجل باندهاش ثم غمغمت بغضب “جاموس حقير”

“ما بك؟” سألها عمران معاتبا

“إنّه سائق التاكسي الذي أحضرني إلى هنا، لن تصدّق حديثي وإياه في طريقنا إلى هنا”

فتح الرجل باب المكتب قائلا بتهذيب “تفضلوا، هذا مكتب العقد الجديد، سيحضر المدير بعد قليل”

اقتعد عمران وأمل الكرسيين حيث أشار مساعد المدير، تبادلا ابتسامة رضى قبل أن يدخل المدير وهو يعدل ربطة عنقه، انفتح فكا عمران اندهاشا عندما تأكّد أنّ المدير هو سائق التاكسي الذي أحضره إلى مكتب العقد.

اقتعد كرسيه وتأمّلهما بجدّ ثم سلمهما أوراق العقد قائلا: “زواج مبروك، لقد تجاوزتما اختبار العقد”.

كان عمران عند الباب مغادرا عندما تناهى إلى سمعه صوت المدير يسأل “عمران… ألن تعزمني؟”

ردّ عمران بأريحيّة بالغة “وأنت كذلك”، شابك يمناه بيسرى زوجته وغادر. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق