هل تصحّ العودة إلى الخلافة في العالم العربي بعد جعلها ملائمة للعصر؟ / سليم العازار

بعد انتقال العدوى اللبنانية الى معظم الاقطار العربية بات من الواجب الملح البحث عن صيغة قابلة للتطبيق تلائم الأكثرية أيضاً لدرء الاخطار التي تهدد وحدة هذا القسم من العالم التاريخي والعريق والكثير الحساسية.

من نحو ثلاث سنوات أو أكثر نُشِرَ لي مقال في “النهار” بعنوان “هل هنالك مخطّط لجعل لبنان غير قابل للحكم”، ومن الطبيعي ان هذا المقال بدا آنذاك من نوع التكهّن البعيد المنال والمشوب بالتشاؤم غير المبرر.

على ان مضمون ذلك المقال أضحى اليوم واقعاً منظوراً أو لنقُل محتمل القبول كثيراً، اثر ملامسة لبنان ومؤسساته الانهيار أو على الأقل ملامسته شفير الانحلال البطيء ولكن شبه الكامل، وتبعاً اثر صيرورته فعلاً عصيّ الحكم وانتقال عدواه إلى معظم الأقطار العربية، كالعراق وسوريا ومصر واليمن وتونس وليبيا، وربما أيضاً غيرها، واتساع النزاعات الدموية والخطيرة بين مختلف عناصرها أو فئاتها المتنوعة، المكونة منها شعوبها، فبات اذاً من الواجب المُلِحّ البحث عن صيغة قابلة للتطبيق تلائم الأكثرية على ما نعتقد، لدرء الأخطار التي تهدد جدياً هذا القسم من العالم التاريخي والعريق والكثير الحساسية.

ومن الراهن ان القيادات العربية الحديثة، من عبد الناصر إلى البعث السوري أو العراقي، كانت، معتمدة على تأييدها، تأييداً عاطفياً، غير عقلاني وغير مدروس، من قسمٍ من شعوبها، تسعى جاهدة إلى توحيد هذه الشعوب، المختلفة والموجودة بين “الخليج الثائر والمحيط الهادر”، والى انصهارها انصهاراً كاملاً ولو بالقوة إذا لزم الأمر، دون الالتفات إلى الخصائص الجوهرية التي تميز كل شعب عن الآخر، ما أدَّى في النتيجة إلى فشل كل تلك التجارب فشلاً ذريعاً لأن الانصهار الصحيح والذي يدوم، لا يتحقق إلا بالاقتناع الحر والعميق.

ومع ذلك، لابد من الإقرار بأن هنالك رابطةً ما قائمة بالتأكيد بين كل شعوب الشرق الأوسط تكونت عبر التاريخ على رغم اختلافاتها وخلافاتها، وهذه الرابطة تظهر جلياً تارة وطوراً تكاد ان تختفي أو تتصادم.

ويجدر التذكير بأن الدولة الاسلامية العربية القديمة، المترامية الارجاء من الشرق إلى الغرب، إن على زمن الأمويين في الشام أم على زمن العباسيين في بغداد، كانت في الواقع وعملياً دولة فيديرالية يعيش فيها اليهود والنصارى والمسلمون على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم، مع مراعاة خصائص كل منهم مبدئياً على رغم انه كان يحصل أحياناً اضطهاد للأقليات، وكانت الدولة مقسمة ولايات عديدة يتعذر آنذاك على وُلاتها أو حكامها الاتصال بسهولة بالسلطة المركزية لعدم وجود تلفونات أو برقيات أو حتى طرق معبَّدة للمواصلات.

أما اليوم، فلقد زالت السلطة المركزية كلياً بسبب الحروب أو إثر اصابتها بالوهن، وزالت الأمبراطورية العربية وزالت الرابطة بينها وبين كل ولاية من تلك الولايات التي كانت تابعة لها، على رغم ان هذه التبعية كانت منذ الأصل اسمية اكثر مما هي فعلية فأصبحت بالتالي كل ولاية دولة مستقلة بحد ذاتها. إلا ان الانقسامات في داخل كل منها، أكانت قبلية أم عرقية أم طائفية أم مذهبية، بقيت كما كانت، بل زادت حدَّةً بسبب سهولة المواصلات وسرعة انتقال الأخبار في أيامنا هذه،

فاندلعت الثورات الدموية الخطيرة كما نشهد الآن، في كل هذه الدول، وإن اختلفت اسبابها، ولا ينفعنَّ شيئاً التنصل من المسؤولية وإلقاؤها زوراً وبهتاناً على الغرب واسرائيل.

وقد استوقفني مقال بعنوان “لنفكّك هذا الوطن المركّب”، نُشِرَ في الصفحة 8 من عدد “النهار” الصادر في 31/1/2011، احتفظ بصورة عنه، وهو لكاتبه الطبيب النفسي والباحث في سيكولوجيا الشعوب الدكتور احمد محمود عياش، الذي أقدم له في هذه المناسبة التحية والاحترام على رغم انه ليس لي الشرف بمعرفته شخصياً، حيث يُنهي الدكتور عياش مقاله بطلب تفكيك لبنان المركّب تركيباً اصطناعياً وغير اللاحم بعضه على بعض والذي يهتز حتى العمق بمجرد ان تلفحه نسمة هواء ساخنة، داعياً إلى ان تأخذ كل فئة نصيبها منه بهدوء ورويَّة كما حصل في تشيكوسلوفاكيا بين التشيك والسلوفاك.

 ويختم الدكتور عياش قائلاً حرفياً:

“صدقوني الطلاق هو الحلّ، وذلك أفضل لأبناء هذا الوطن من رؤية أهلهم

يتقاتلون امام أعينهم كل يوم، وليرحل كل منا باختياره إلى موضعه الجديد،

عفواً إلى حيث يجب ان يكون من دون استفتاء أو حرب أو تهديد”.

واني، اذ أهنّئ الدكتور عياش باسم شريحة كبيرة من المثقفين، على شجاعته وعقله النيّر ورؤيته الواقعية والصحيحة، لأن الحقيقة وحدها تنجّي والسياسيون ما زالوا يقومون بالتمثيل على جماهيرهم المغفّلة ويغشّونها، ولأن من يكتم علّته تقتله. واذ أوافق الدكتور عياش على مقاله كله، أضيف ان لبنان ليس الوطن العربي الوحيد الذي يصلح فيه التقسيم الذي يتماشى وحده بالفعل مع الديموقراطية في الأوطان ذات الشعوب المتعدّدة والمختلفة، وأنه بعد إتمام عملية تقسيم الأوطان الكائنة في الشرق الأوسط الحاوي اليهود والمسيحيين والمسلمين من كل الأعراق والمذاهب، يُستحسَن اعادة ربطها بعضها ببعض فيديرالياً أو كونفيديرالياً بما يشبه ما كان يمثله الخليفة، على ان يملك ولا يحكم، والذي قد يكون الملك عبد الله بن الحسين الهاشمي الذي هو من سلالة الرسول العربي الكريم، فتنتهي تبعاً من هذه الأوطان الحروب العبثيّة من شتّى الأنواع، وقد استمرت طويلاً، ويحل محلها السلام والوئام والازدهار، فاللّه لم يخلق الإنسان ليمضي كل حياته في الحروب أو التناحر مع إخوته في الإنسانية، ويشعّ العلم والنور مرة أخرى من الشرق الأوسط الذي يصير عندئذٍ امبراطوريةً متماسكةً لها ثقلها واحترامها في العالم.

 

عن جريدة النهار البيروتية 2/6/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق