هل حركة «احتلوا وول ستريت» هي «الربيع الأميركي»؟ حسن منيمنة

رغم أن حركة «احتلوا وول ستريت»، والتي انتشرت بأشكال مختلفة في مئات المواقع داخل الولايات المتحدة وخارجها، تصرّ على أنها حركة من دون قيادة، فإن طروحاتها قد رست على مجموعة متماسكة من الشعارات تستهدف بجملتها الشريحة العليا من المجتمع والقطاع المصرفي، وتنال التأييد الواسع النطاق، وفق استطلاعات الرأي العام. غير أن ثمة أسئلة جوهرية حول مدى فعالية هذه الحركة وتأثيرها على المدى البعيد.

 

السؤال الأول يتعلق بالطبيعة العفوية للحركة، وهو ما يصرّ عليه العديد من المشتركين فيها، وبين الحاجة المتكررة إلى أن يرتقي التحرك إلى مستوى تحديد المطالب، أي الانتقال من الصخب المهرجاني الذي يلازم الحركة منذ نشأتها قبل شهر ونيف إلى العمل السياسي الهادف. ففيما ثمة مجموعة من المشاركين تطالب بتحضير وثيقة لتوضيح الرؤية، فإن العدد الأوسع على ما يبدو يفضل المحافظة على الضبابية، ضمن إطار الشعارات الشعبوية العامة، وذلك للمحافظة على القدرة الاستقطابية المتعددة الاتجاهات إلى أن يصل التحرك إلى مستوى التأثير المطلوب. غير أن ثمة مجموعة أخرى من المشاركين، من التوجهات العقائدية الفوضوية لا تعتبر الامتناع عن تحديد المطالب توجهاً مرحلياً بل تنظر إليه على أنه الأساس الذي لا بد أن يستمر عليه التحرك، باعتبار أن هذا التحديد سوف يشكل قيادة للتحرك ينفي عنه ثيمة الديموقراطية المباشرة التي يعتز بها هؤلاء المشاركين.

 

السؤال الثاني هو حول التجانس بين مقومات الحركة في ما يتعدى الأسلوب. فرغم الالتقاء على شعار احتلال الحي المصرفي (وهو طبعاً احتلال رمزي، ذلك أن تواجد المتظاهرين يقتصر على متنزه خاص قريب من هذا الحي)، فإن المصالح الموضوعية التي تجمع المتظاهرين تتباين طبقياً وجيلياً وعرقياً ومناطقياً. فالجميع مستاء من التردي الاقتصادي في الولايات المتحدة، والجميع يكاد أن يلتقي على أن المسؤولية تقع على الأثرياء والمصارف، إلى أن الحاجات تتباين، بل تتضارب، بين طالب يتمنى الدعم لقطاع التعليم العالي، ومتخرج يريد الإعفاء من القروض الدراسية، ومسرّح من العمل يطالب بتأمين الوظيفة، ومتقاعد يرفض المساس بالمخصصات التي منحها له الضمان الاجتماعي. فالقاسم المشترك بين معظم المشاركين هو السعي إلى إعادة توزيع الثروة، غير أن وجوه هذا التوزيع تختلف، وإن كان ما يترتب عن هذا الاختلاف مؤجل بفعل قرار الامتناع الموقت عن تحديد المطالب.

 

السؤال الثالث هو حول عمق التأييد لهذه الحركة، والذي يبدو اليوم واسع النطاق. فالمواطن الأميركي المستاء عموماً من تردي الأوضاع الاقتصادية يبدي وفق استطلاعات الرأي الترحيب بهذا التحرك الناشط تحت شعار تقويض سلطة المصارف. ولكن، هل يتجاوز هذا التأييد الموقف البياني؟ فالاستطلاعات عينها تكشف أن عموم المواطنين لا يعلمون ما هو الهدف من التحرك، فتأييدهم له عند السؤال قد يكون أقرب للتنفيس منه للدعم الفعلي.

 

السؤال الرابع هو حول تحصين الحركة نفسها من الانجرار إلى الهامش الثقافي. فمن الصعب على حركة لامركزية كـ «احتلوا وول ستريت» ضبط الكلام المتفاوت الصادر عن بعض المشاركين (ومنه مثلاً الجنوح إلى أقوال تنميطية معادية لليهود)، إلى أن المتحدثين المختلفين باسم الحركة يثابرون على تصوير ما لا يروق لهم على أنه مؤامرة. فالتأخير في التغطية الإعلامية، رغم أن الحركة في أيامها الأولى كانت ضئيلة، واعتراض الأهالي قرب المتنزه على الضوضاء والتلويث، رغم التجاوزات المتكررة للمتظاهرين، والصدام مع الشرطة في بعض الأماكن، رغم ارتباطها بمخالفات وأعمال استفزازية، كلها مؤامرات لتكميم التحرك، نتيجة التداخل المزعوم بين السلطة والمال. فهذه الاتهامات تطرح جزافاً، دون دليل أو برهان، فيخرج معها التحرك من المتوافق عليه ليندرج أو يكاد في إطار أدبيات الهامش.

 

السؤال الخامس هو حول مدى انسجام التوقعات مع الإمكانيات، فالتحرك قد حظي بتأييد كلامي على مستويات عالية، ولا سيما في الخارج (من ميخائيل غورباتشوف إلى ليش واليسا، مروراً بعلي خامنئي). والعديد من أقوال التأييد هذه تضع التحرك في سياق تحول تاريخي مفصلي، وتربطه إما بانكشاف مفترض للتناقض البنيوي في النظام الرأسمالي أو بالتراجع المحتوم وفق القائل لنفوذ الولايات المتحدة. والواقع أن تصريحات التأييد هذه تبدو مبالغاً بها أو مبكرة جداً عند مقارنتها بالواقع المتواضع لما يحققه التحرك.

 

السؤال السادس هو حول إمكانية تجيير الحزب الديموقراطي هذا التحرك لمصلحته. فالبعض يأمل بأن يشكل التحرك نواة تيار مشابه لظاهرة «حفلة الشاي» الشعبوية التعبوية والتي حققت زخماً تعبوياً للحزب الجمهوري على أساس شعار الحد من امتداد الدولة والضرائب، والبعض يخشى من أن تكون النتيجة مشابهة لما تعرض له الحزب الجمهوري من تكبيل وانفصام نتيجة نشاط التجمعات المنضوية تحت لواء «حفلة الشاي».

 

السؤال السابع هو حول التماهي بين هذه الحركة والتحولات في العالم العربي. فالبعض يرى فيها جميعاً إرهاصات تحول عالمي في التعامل مع السلطة، إن لم يكن بداية ثورة عالمية. وبالفعل، من حيث الأدوات التنظيمية المستعملة والاعتماد على الشبكة المعلوماتية، ومن حيث الاستفادة من الانتشار الواسع والفوري للتغطية الإعلامية، فإنه ثمة أوجه شبه. غير أنه لا مبرر موضوعياً للانتقال من هذه الأوجه العرضية إلى افتراض تماثل لا أساس له.

 

فإمكانيـــة تفعيــــل «احتلوا وول ستريت» كـــــي تبقــــى عنصراً ضاغطاً على القرار السياسي الأميركي أمر ممكــــن، وإن لم تكن نتيجتــــه محسومة بيـــن كسب التعبئة للحزب الديموقراطي وبين تحميل هذا العــــبء عبء مواقف متباينة قد تستنزف قاعدته. أما ما عدا ذلك فهو قائم على التحليل والتكهن، لا على المعطيات الفعلية. فالأفق العملي لحركة «احتلوا وول ستــــريت» ليس الإطاحة بالنظام الرأسمالي ولا الكشف عن التآكل الداخلي للولايات المتحدة، بل هو أن تصبح هذه الحركة المقابل الديموقراطي لحركة «حفلة الشاي»، مع ما يتولد عن ذلك من إيجابيات وسلبيات على حد سواء.

 

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة 30/10/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق