هل صرنا في انتظار زيارة الشيطان؟ / بقلم منى فياض

عندما كنت أزور مونريال للمرة الأولى، وعند مغادرتي المتحف الوطني للمدينة تزامن خروجي من الباب مع سيدة أمسكت به مطوّلاً كي أستطيع المرور. كان في حركتها الكثير من اللطافة والرقة والقرب، أكثر من مجرد حركة أوتوماتيكية. سرنا في اتجاه واحد، سألتني عن موقع شارع سانت كاترين، كنت جديدة مثلها في المدينة، فقلت لها مخمِّنة إنه في الاتجاه الذي اتخذناه. عرفت أنها إيطالية فانطبق علينا قول امرئ القيس:

 

أيا جارتاه إنا غريبان ها هنا/ وكل غريب للغريب نسيب

 

كنت متوجهة إلى المكتبة التي كانت تعمل فيها ابنتي وهي كانت تريد شراء بعض الكتب. تحادثنا بعدها طويلا حول فنجاني قهوة. ثم أهدت اليَّ أدريانا بعد أيام كتاب "المعلم ومارغريت". لم أكن أعرف بولغاكوف، لذا كان الكتاب بمثابة هدية مزدوجة: الكتاب وحكاية الكاتب مع الكتابة في ظل النظام الستاليني. تذكرت هذه الحادثة والكتاب بسبب إحساسي بأن وضعنا يتجه حثيثاً الى ما كان سائداً في الاتحاد السوفياتي السابق وبأننا نحاصَر بالقمع والرقابات المنبعثة مجدداً كأفضل ما يكون.

 

الرواية من تراث الأدب الروسي العظيم لكنها مختلفة عن الأدب الروسي الكلاسيكي الذي نعرفه، عن مشاهد دوستويفسكي التاريخية والاجتماعية والنفسية، أو عن تولستوي وتورغينيف او غوغول. جميعهم نجد آثارهم في هذا الكتاب لكن الزمن تغير وخصوصاً النظام السياسي الذي تغير بدوره. فخلف السخرية الهزلية الناجحة تماماً بجعله الشيطان شخصياً وبعض أتباعه في مقدمة المشهد، نجد نقداً لاذعاً للاتحاد السوفياتي حيث نسبة اختفاء المواطنين أكثر ارتفاعاً من الاتهامات والملاحقات (على كثرتها) وحيث أخضع الخلق لسلطة الموظفين الصغار الذين تتناسب مواهبهم عكسياً مع قدرتهم على استعمال مقص الرقيب وتفانيهم للحزب.

 

أمضى المؤلف 11 عاماً في كتابة الرواية، وإعادة كتابتها، وضع فيها قلبه وروحه وحبه لروسيا، لكن أيضا احتجاجاته واعتراضاته على الحكومة وعلى سنوات رعب العشرينات والثلاثينات الستالينية، موجهاً اصبع الاتهام لكل مشتقات النظام السوفياتي: جهنم بيوت السكن العامة والميليشيات والفساد والاتهامات الكاذبة والاعتقالات المموهة بالخطف والنفي.

 

الشيطان وولاند يزور موسكو مع معاونيه، القط بهيموث والمساعد كوروفييف والقاتل أزازيللو الذي يترك بصماته الدامية والشيطانية بحيث تغرق المدينة في حمّى الجنون والفوضى والهلوسات الجماعية. يتحول السكان مجانين والمسرحيات مشاهد غريبة هزلية، ويتم إبعاد المعارضين الى المنافي وتحصل وفيات أقل ما يقال فيها إنها غريبة. تعبر "عطلة" الشيطان الكثير من الشخصيات، نتعرف الى معاناتهم: المعلم الشاعر وخطيبته مارغريت، التي تحبه حباً أقوى من الموت. بيلاطوس، وآخر محادثة له مع يهوه (يسوع) وتبكيت الضمير الأزلي الذي سوف يعانيه. روعة بعض المشاهد تلبث في الخيال بحيث لا يمكن ان تُنسى: الحفل الراقص الذي يقيمه الشيطان وطيران مارغريت على المكنسة.

 

لماذا استدعى بولغاكوف الشيطان الي موسكو؟ من الواضح أن الكاتب استعان بهذه القوة الشريرة الجبارة لينتقم – ولو في الخيال – من القوى الاجتماعية التي كان يعتبرها القوى الشيطانية الحقيقية في الواقع السوفياتي. لكن لبولغاكوف فهماً إضافياً للشيطان ودوره. فهو ينبهنا إليه قبل أن نقرأ السطر الأول من الرواية. انه يستشهد بعبارة من مأساة "فاوست" لغوته: من أنت إذاً؟/ أنا من تلك القوة التي تريد دائما الشر/ فلا تفعل دائما إلا الخير.

 

شيطان بولغاكوف إذاً يأتي الى موسكو ليقتص من المستبدين الأوغاد والواشين والمرتشين والخونة والبيروقراطيين، ومن النقاد والأدباء أتباع السلطة والنفوذ، ولينتقم من رجال المباحث وأمن الدولة. شيطان بولغاكوف يحارب الشر ويُحق الحق وينتقم للأبرياء العاجزين. ولكنه كشيطان، يفعل الشر أيضا، لأنه سلطة مطلقة، يصدر الأحكام وينفذها وحده، فيقتل رئيس جمعية الأدباء برليوز لأنه يريد أن ينزل في شقته أثناء وجوده في موسكو! (يعني أن مسألة الشقق في موسكو قد أفسدت الشيطان نفسه!)

 

تعتبر رواية بولغاكوف نشيد إيمان بالخير على رغم هشاشته، وبخلود القيم وانتصار العدل والحقيقة في نهاية المطاف. وهي لم تنشر إلا بعد إغماضة بولغاكوف الأخيرة.

 

بدأ بولغاكوف كتابة روايته في العام 1928. أتلف النسخة الأولى في آذار 1930 بعدما أُنذر بأن السلطات منعت مسرحيته. النسخة الثالثة أنجزت في العام 1937. ظل يقوم بمراجعة للنسخة الرابعة بمساعدة زوجته حتى اضطر الى التوقف قبل أسابيع من وفاته في العام 1940 (ولد في1891). وفي العام 1941 أنهت زوجته الرواية التي نشرت على دفعات مع اختزال 12 في المئة منها في العام 1966 في مجلة سرية. ظهرت أول نسخة كاملة في الاتحاد السوفياتي في العام 1976 وآخر نسخة تمت مراجعتها وتقديمها في العام 1989. وقدمت كمسلسل تلفزيوني في العام 2005.

 

عرفت هذه الرواية الممنوعة مجدها عندما صارت بين يوم وليلة إنجيلا للشباب في الستينات والسبعينات، وعلى الفور تحولت عبارات كثيرة فيها حكماً وأقوالاً مأثورة تتردد على كل لسان، منها: المخطوطات لا تحترق، والجبن واحدة من أفظع النقائص والإنسان يعطى على قدر إيمانه، وأخيرا نصيحة الشيطان لمارغريتا التي نحس بأنها شعار بولغاكوف وخلاصة تجربته في الحياة: لا تطلبي شيئاً البتة. ولا سيما ممن هم أقوى منك. فهم أنفسهم سيعرضون، وهم أنفسهم سيعطون كل شيء ¶

 

عن ملحق النهار الثقافي 3/10/2010

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق