هل عاد الحاكم “الهووي” إلى مكانه؟

ليس أسوء من خيبة أمل الثّوريين في ثورتهم، وتحوّلهم إلى باعة دول ومبرمجي ضجيج عمومي وصائدي ضحايا أبديين… ولكن هل ثاروا حقّا؟ هل كانوا يقصدون فعلا نقل الشّعوب من خطط الاستبداد إلى آداب الحرّية؟ أمّ أنّهم كانوا دوما قراصنة الوقت الضّائع للحداثة، في تلك اللّحظات من الوهن الكبير للتّاريخ، حيث تكون روح الشّعوب متردّدة وضعيفة وخارجة للتوّ من هزال أخلاقي واسع النّطاق؟ ما أتعس التأريخ لفشل العقل في ثقافة ما. وإنّ علينا أن نعترف بأنّ العقل قد انتابه اليأس منّا، ومن رؤوسنا التي أصابها دوار الجهات والمواقيت والأماكن العالية. الثّورة مكان شاهق لمن لا يؤمن بها من الدّاخل. ولذلك هو يتكلّم دوما دون أن يقول شيئا. إنّه يخاطب الفراغ الذي يعد به جماهير لم يرض عنها أحد إلى حدّ الآن.

إنّها متّهمة دائما بأنّها عامة وغوغاء وجموع وكثرة وكتل بشرية بلا توقيع، جائعة وهائمة على وجهها بحثا عن الدّولة المناسبة. شعوب تثور من أجل حريتها، لكنّها لم تجد ما تفعل بها! إنّهم لم يجدوا ما يفعلون بحرية جاءت بلا أهلها. وأوشكت أن تقول لنفسها: إلى غير أهلها. لا تُعاش الحرية من دون أفق الحداثة الذي جعلها ممكنة. ولذلك ثمّة خلط بائس في النقاش حول الحرية ومن ثمة حول الثورة: هل يمكن فعلا للإنسان الديني في أي زمن أن يثور بالمعنى الحديث؟ الثورة هي فعل كلّي للشعوب التي تريد أن تتنقل من حالة حرية دنيا إلى حالة حرية عليا ليس لها من مبرّر أو مسوّغ سوى كونها أكثر تحرّرا وأكثر إنسانية. هل تستجيب ثوراتنا العربية إلى هذا المعنى؟

“أرى فيما أرى، دولا تُوزَّع كالهدايا”، قال درويش ذات قصيد. وهدية الحكام الجدد هي معاملة الشعوب وكأنّها عادت إلى حالة القصور الأخلاقي الذي عاشت عليه في عصورها البعيدة. لأوّل مرة يصبح الحرص على غرس الروح في براثن الماضي أفضل هدية أخلاقية للنفوس الحرة! لقد أصبح الماضي مؤسسة لصيد العصر، والحال أنّه في واقع الأمر بؤس روحي لنخب لا تملك أيّ وعد حقيقي بالحرية أو بمزيد منها. كيف انطلت علينا هذه الحيلة: أنّ من لا يؤمن بالعصر ولا بمثله الروحية ولا بثوراته الحقوقية والعلمية والوجودية، يمكنه أو يحقّ له أن يمثّلنا أمام أنفسها أو أمام العقل الإنساني الحالي؟ كيف سمحت الشعوب لنفسها بالتخلي عن سلطتها التي اقتلعتها من يد الحاكم الهووي وتسليمها إلى من لا يؤمن بقيمة الحرية ويعتبرها بابا رسميّا للكفر والضلالة وتضييع “الأمة”؟

يبدو لي أنّ الشعوب تعاقب نفسها بشكل من الأشكال. فإنّ الديمقراطية هي بوجه من الوجوه عقاب رمزي للحرية الثورية. إذْ حين تثور الشعوب تكون في الحقيقة قد تجاوزت عتبة الديمقراطية الليبرالية وأصبحت قادرة على تحويل وجهة التاريخ السائد نحو سرعة أخرى، تسمح بإجراء تغييرات مدنية جذرية تفرض أجندة جديدة لعقلها. لكنّ ما وقع هو أخذ الشعوب بما قالت، بحيث أصبحت كلمة الديمقراطية الانتخابية فخّا رمزيا للتخلص من التبعات الأخلاقية والوجودية والمدنية للثورة.

علينا أن نعترف بأنّ “الثورة” حدث روحي غير ممكن في أفق الإنسان الديني بعامة. فما يقوم به الإنسان الديني هو “الخروج” على حاكم المؤمنين، ولكن ليس من أجل تغيير طبيعة الحكم “الشرعي”، بل بقصد العودة إلى دلالته الأصلية. الخروج على حاكم الملة ليس ثورة بل إصلاح أو فتنة. ولذلك ففكر “الثورة” الحديث غريب تماما عن فكر “الدعوة”. كلّ داعية هو واعظ نسقي لعامّةٍ يعاملها معاملة القصور الروحي، من موقع مؤسسة أولي الأمر. ولذلك فإنّ أخبث هدية للحكام الجدد هو وضع الشعوب تحت رحمة الدعاة المدجّجين بكل علوم “الآخرة”، بغرض مريب هو تحطيم جدار الذاتية الحديثة وفتح باب الملة الوسيطة على مصراعيه بوصفه هو باب النجاة التاريخية. وفجأة يصبح الماضي مؤسسة واسعة النطاق لإنتاج المستقبل.

كيف يمكن لشعوب قامت بالثورة على الحكام الهوويين للدولة الأمة / الدولة الأمنية للتنوير العنيف/ أن تنتظر الخلاص الديمقراطي من شريحة دعويّة يقضي برنامجها الرسمي باستئناف هواجس هووية أكثر انغماسا في الاستبداد الهووي من الحاكم الحديث؟ ما الذي تخاف منه الشعوب حتى تتخلى عن ثورتها بهذه السرعة ؟ هل ثمّة خوف أكثر رعبا من فقدان الحرية؟ أليست الحياة الحديثة مكسبا حيويّاً كونيا لبني البشر؟ ألا يريد الإنسان العربي أن يُعامل كمواطن حر وشريك في صناعة المشترك الديمقراطي مع مواطنين مشاركين له في الانتماء إلى وطن مدني بلا تعالٍ لاهوتي ولا محاكم ضمير؟

ثمّة تفسيرات رائجة لما وقع. مثل الرغبة الصادقة في الدفاع عن الهوية الإسلامية المهددة أو الاطمئنان الكسول إلى علماء الأمة أو الثقة الشريفة في من يعرف شريعة الله وسنة رسوله، أو صحوة مشاعر الانتماء بسبب غطرسة الغرب وضعف بريق قيم العدالة في أفق العالم الحالي… لكنّنا لا نرى في هذه التفسيرات غير أسوء أنواع التهكّم من حدث الثورة نفسها. وإن تمّ ذلك من دون قصد.

لا يحق لأحد معاملة الشعوب بوصفها لا تعرف ماذا تختار لنفسها. ولا يحق لأحد أن ينقد الثورة بوصفها خطأ تاريخيا أو ضربا من سذاجة الحرية الحديثة. كما أنّ أفضل متفلسفة الغرب قد فشلوا في فهم ما وقع لنا، وظلّوا يترجمون دلالة الثورات العربية ترجمات سيّئة في لغة غربٍ فقد القدرة على الثورة ولم يعد يستطيع أن يعد الإنسانية الحالية بأيّ نمط جديد من العيش الكريم أو من الحرية الموجبة. – إنّ الغرب قد أصبح فجأة يوجد وراءنا في استشراف آداب الحرية للشعوب بدءً من العصر الحالي.

لكنّ الحل الهووي هو أكبر سوء فهم لأنفسنا، يمكننا أن نقترحه على الأجيال القادمة. – أجل، لا أحد يملك الآن حلاّ أفضل من الحل الهووي، سواء أكان يساريا أو ليبراليا أو إسلاميا. كلّها حلول هووية تعوّض الثورة ببرنامج حرية مستقاة من ماضي الشعوب، وليس من قراءة حرة ومفتوحة على كل الجنون البيو-سياسي الرائع الذي أصاب الذرّات البشرية التي انطلقت من عقالها بفضل فرار الحاكم الهووي من أفقها.

لكنّ تساوي الحلول الهووية أمام وعود الثورة لا يلغي الفوارق التاريخية بينها. والمفارقة التي تنخر لحم الثوّار الجدد هي هذه: أنّه في اللحظة التي كانت الشعوب تتهيّأ فيها للذهاب قدماً فيما أبعد من أفق الدولة القومية الحديثة التي فشلت في تحقيق التنمية والديمقراطية بشكل عادل ومستديم، تفاجأت بأنّ عددا هائلا من أعضائها قد بلغ بهم اليأس من الدولة الحديثة إلى درجة التضحية بها إلى خصوم التنوير الحديث والوصول إلى حدّ تسليمها إلى من لا يؤمن أصلا بفكرة الدولة المدنية بما هي كذلك. ومع ذلك، فإنّ كلّ دولة هي مدنية، ولو ادّعت غير ذلك.

المشكل في طبيعة السياسة وليس في طبيعة الدولة. إنّ الاستبداد هو أيضا على درجة كبيرة من الاستعداد للاستعمال المدني للعقاب. كل دولة الاستبداد الديني هي مؤسسة عقاب مدنية، أي تتصرّف إزاء الأجساد تصرّفا متملّكا ومشيّئا كأقصى ما يكون. لكنّ ما يجعل منه استبدادا دينيا هو أمر آخر: إنّه استعمال ثقافة الآخرة أو قيم التعالي أو الأجهزة الدعوية كوسائل شرعنة واسعة النطاق لعملية اعتلاء سدة الحكم ما بعد الثورة، ومن ثمّة العمل الرسمي على تحويل المواطن إلى رعية؛ ولو كان ذلك بأدلّة مستقاة من “كتب مقدّسة” ويقوم بها أناس على قدر عال من “الورع” أو “التقوى”. لم يعد ثمّة أيّ أخلاق أو عقائد بإمكانها إقناع الفرد الحديث بالتخلي عن حقوقه وحرياته التاريخية والوجودية وحتى الجمالية، والنزول من رتبة “الذات” المفكرة والحرة والمستقلة والمشرعة لنفسها، إلى رتبة “المخلوق” الضعيف وجوديا والقاصر روحيا والتابع عقديا والمبايع سياسيا والخطّاء أخلاقيا.

إنّ لبّ المسألة هو هذا النوع من الشرعنة التي لم تعد تحتاج حتى إلى الشعوب لتبرير نفسها. فجأة صارت الشعوب نفسها ضيفا سياسيا ثقيلا على الحكام الجدد، والذين صاروا لا يستحيون من الادعاء بأنّهم يحكمون بشرع الله أو باسم الدين، والحال أنّ وصولهم إلى الحكم لا علاقة له بأيّ جهاد بالمعنى الديني ولا بأيّ نمط من التقوى أو الورع الدعوي. لا يتعلق الأمر بصلاحية أو عدم صلاحية الحاكمية التي تستمدّ مسوّغاتها من الدين، بل لا يتعلق الأمر بالدين أصلا، لا بصحته ولا ببطلانه. إنّ الأمر يتعلق بالطريقة التي تُطرح بها قضية الشرعية والطريقة التي بها يتمّ الانتقال الديمقراطي من حالة الثورة إلى حالة الدولة المنشودة.

وحالة الدولة المنشودة ليست لغزا أو سرّا لأحد. بل هي حالة مدنية من اليسير أن نعثر في تاريخ الإنسانية، والإسلام الكلاسيكي لا يمكن استثناؤه منه، على نماذج أخلاقية وحقوقية رائعة حول إمكانية تحقيقها. نعم، هناك إسلام مدني يضرب بجذوره في كل ركن من المدوّنة الإسلامية من قرآن وسنة وفقه وتصوّف وتاريخ وأدب… لم يقع تنشيطه إلى حدّ الآن إلاّ لماما أو بشكل سيء أو على نحو انتقائي. إذْ بدلا من استشراف تجارب الإسلام الكلاسيكي من موقع المكاسب الرّوحية والأخلاقية والقانونية للذاتية الحديثة، وبالتالي تملّكها من موقع القوة والكبرياء والاستقلال الكبير، نرى إلى الدعاة والسياسيين كيف يشيّئون الإسلام ويعاملونه كبضاعة أخروية وآلة دعوية وتقنية حرب وجهاز تجييش للمشاعر الإيمانية ضدّ العقل الحديث. والحال أنّ العقل الحديث نفسه ليس سوى علمنة جذرية لقيم توحيدية مرّت إليه عبر التقليد المسيحي.

إنّ الحداثة طور أخلاقي متقدّم من أطوار الفكرة التوحيدية نفسها، وليس عدوّا أحمقا لها. ومن ثمّ فإنّ معاداة الدولة المدنية الحديثة باسم الدين هو صراع طفيلي، يتمّ بين الكهولة والصبا في عمر شخصية أخلاقية وروحية واحدة. ما يُسمّى “شريعة” هو فقط لحظة سابقة من لحظات تطوّر فكرة “الشرعية” في أفق الإنسانية الحالية. و”القانون” الوضعي الحديث هو نفسه صيغة متقدّمة وكونية من “الشريعة” التوحيديّة في مختلف صيغها اليهودية والمسيحيّة والإسلاميّة، وغيرها.

من أجل ذلك، علينا أن نقرّ بأنّ “التأسلم” كخيار وحيد للنّجاة العموميّة للشعوب هو أضعف انفعالات المواطنة. لأنّه لا يعدو أن يكون تعويضا للحسّ المدني للشخص الأخلاقي الحديث، الذي يبني ذاتيته الخاصة على “الأوتونوميا” الموجبة، أي على الانتقال الواعي من منزلة “الرعية” الدينية إلى منزلة “الشريك” الجمهوري، بهاجس هووي هلامي لجموع جُرّدت من المكاسب التاريخية القليلة التي تحقّقت بفضل ثورات الحداثة العلمية والقانونية والوجودية. فجأة عاد التعامل السحري مع العالم؛ وباتت المواطنة كفرا بمنزلة الاستخلاف؛ و تخلّى الفرد الحديث عن ذاتيته ورجع إلى منزلة “المخلوق” التوحيدي.

ولأنّ هذه الأمور قد تمّت عن طواعية، أي من خلال أو تحت حماية انتخابات حرة ونزيهة، فإنّ كلّ التشخيصات النقدية لما وقع “بعد الثورة” تبدو شاحبة وغير فعّالة. – لا يتعلق الأمر بمجرّد حركات أصوليّة تستولي على الحكم بالقوة ولا بشرائح لا تستطيع الاستغناء عن استعمال العنف السياسي، ولا بعودة الدّين كأفق سياسي للإنسانية المنهكة بالنتائج الأخلاقية الكونية لفشل الغرب في اقتراح مخرج أو رسالة جديدة للنوع البشري الذي صار يعيش حربا أهلية عالمية. بل إنّ بيت الداء، في تقديرنا، مؤقتا على الأقل، هو في هشاشة وأحادية النموذج الحقوقي أو القانوني الذي أقام عليه المحدثون مفهوم الدولة: إنّ دولة القانون والمؤسسات لا يمكن أن تنجح في استيعاب شعوبنا، “غير الغربية”، إلاّ إذا استطاعت أن تجد علاجا مناسبا للاهوت السياسي الذي تستمدّ منه تصوّرها لنفسها ومجمل قيمها ومن ثمّ نوع الشرعية الذي ترتاح له وتبني داخله الأفق الأخلاقي أو الإنساني لأبنائها.

عرفنا الآن أنّ “المواطنة” لا تكفي للاطمئنان إلى منطق الدولة. وبالتالي لا يمكن من ناحية مبدئية أن نلوم الذين يخرجون للبحث عن نماذج أخرى للحرية. وكان لابدّ من تنشيط الهواجس الإيمانية، ولحسن الحظّ لم يقع، في حالة تونس مثلا، اللجوء إلى تنشيط رواسب انتماء أخرى ربما كانت كارثية، خاصة إذا كانت من طبيعة “أقليّة”، مثل العرق أو الطائفة أو القبيلة أو حتى اللغة… ثمّة حق إنساني واسع النطاق في التحرر من أي شكل من التسلط. وبهذا المعنى تمّ في الغرب قبل الشرق تنشيط هواجس الهوية كحق ثقافي أصيل في الاختلاف أو في التعددية أو حتى في الأقلية. لكنّ ردّ المواطنة إلى مجرد الهوية أو تعويض المواطنة بالهوية هي كارثة أخلاقية، ولا يمكن لأيّ حكومة أن تحمي شعوبها من النتائج العدمية لمثل هذه الوقائع على وجود الدولة وبالتحديد على مدنية الدولة.

لذلك، فإنّ طريقة ائتمان الإسلاميين على تحقيق أهداف الثورة في تونس ومصر لا تخلو من تهكّم صامت غير مسبوق. ولا أحد نراه يتهكّم على نفسه سوى الشعوب نفسها. ولذلك علينا ألاّ نبالغ في نقد الشعوب أو في الدفاع عن اختياراتها. ما وقع كان متوقّعا بشكل ما. فعلى المدى القصير لا تستطيع الشعوب أن تتأكّد من طردها للحاكم الهووي الحديث إلاّ بالاحتماء بمظلة حاكم من نوع “غير حديث” تماما. وليس هناك من يتوفّر على هذه الأوصاف المؤقتة ولكن المريبة سوى الحركات الأصولية. لكنّ ما وقع، دون أن تستطيع الشعوب تفاديه، هو أنّ الحاكم “غير الحديث” ليس غريبا عن الحداثة إلى هذا الحدّ: فعلاوة على أنّ دولة الإسلاميين هي أيضا لا تقلّ دولة عن الدولة الأمنية لزعماء التنوير الليبرالي العنيف، فهي تزيد عليها سهولة تنشيطها لجهاز الآخرة وتقنيات التعالي الدعوية لحمل الشعوب على الطاعة السياسية.

كانت الطاعة تتم لأسباب بيو-سياسية، ألا وهي إخضاع الكتل السكانية لمنطق الدولة الأمنية، باسم شرعية “تاريخية” يُطبّل لها تطبيلا تنويريا واسع النطاق، من خلال التعليم الجمهوري والإعلام غير الناضج للحرية وعقدة التخلف الحضاري؛ أمّا اليوم فإنّ الشعوب مدعوّة إلى طاعة جديدة: طاعة الدعاة المؤتمنين على رسالة “الأمة” وحماة “الهوية” والمدافعين عن “المقدّسات”. عبء أخلاقي غير مسبوق صارت الدولة تمنّ به على شعوبها: أنّهم يحملون رسالة، وليسوا مجرد حكام.

وعلينا أن نسجّل هذا الجانب المثير: ثمّة ما يشبه الابتزاز الأخلاقي للشعوب بواسطة مشاعره الإيمانية، ولا نقول “الدينية”.

الدين بما هو كذلك هو براء حتى من مشاعرنا الإيمانية: نحن حيوانات إيمانية بالطبع. لا تخلو نفسٌ من هاجس الحياة المستقبلية “بعد الموت”. واستخدام هاجس الآخرة كوسيلة طاعة هو أقرب ما يكون إلى الابتزاز الروحي وخاصة للفئات التي لا تزال تعوّل بشكل استراتيجي على المشاعر الإيمانية لتوفير أمن نفساني وأخلاقي لوجودها اليومي. لقد تمّ إمساك الشعوب من الأماكن الحسّاسة لوعيها بنفسها: شعور الانتماء وحميّة العقيدة وهاجس الهويّة واحترام المقدّسات والخوف من الآخرة…

 هذا هو الجهاز الهووي الجديد الذي أقامت عليها الأحزاب الإسلامية دعواها السياسية. وذلك كبديل عن الجهاز الهووي للدولة الأمة التي سقطت. وقع اقتراح هوية جديدة تنقل المحكوم من منزلة “المواطن” (المنقوصة هي نفسها) إلى منزلة “المؤمن” (المؤمن-الأخ التوحيدي الذي ينبغي أن يأخذ مكان المواطن-الصديق اليوناني-الأوروبي). 

من أجل ذلك هم لا يخجلون أبدا من احتكار كتابة الدستور أو ادعاء الرغبة في “تحصين” الثورة من المنقلبين عليها أو من رموز “العهد السابق”، حتى ولو كلّفهم ذلك تحوّل السياسي إلى مهرّج عمومي: الراعي الشرقي “غير الحديث” يرقص على حبل الثورة “الحديثة” ويدّعي حماية الآخرة بواسطة الديمقراطية. 

وفجأة دخلت الشعوب في الوقت الضائع للثورة. وكلّما انغمست حكومات الإسلاميين “ما بعد” الثورية في احتكار شرعية التعبير عن أهداف الثورة، وطرد أهلها من أفقها، كلّما طالت مسرحية الانتقال الديمقراطي بلا جدوى. ولكن لأنّ وقت الشعوب في قضايا الحرية ثمين جدّا، وخاصة الشعوب التي تيقّنت من أنّها قادرة على طلب المستحيل من نفسها، وأنّه بإمكانها متى أرادت أن تطرد أيّ حاكم هووي من أفقها،- فإنّ المستقبل لا يبدو أنّه سيتعاطف معنا أو سيعذرنا على السّكوت العمومي حول حرّيتنا. 


 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This