هل كان الإنسان القديم قناصا؟

{{ الإنسان قنّــاص دمويّ :}}

في سنوات 1950 هيمن نموذج “الإنسان القنّاص” على حقبة ما قبل التاريخ، فبما أنّ هذا الإنسان كان محروما من وسائل الدفاع الطبيعية (الأنياب الكبيرة والمخالب)، فقد عوّض ذلك النقص الجسديّ بصناعة الأسلحة، وبذلك صار قنّاصا رهيبا، عدوانيا ومتعطشا للدماء واللحم الطريّ. وهذه الفكرة قدّمها “ريمون دارت” Raymond Dart مكتشف الـ”أوسترالوبيتك”Australopithèques2 ثمّ استعملها “روبير أردري” Robert Ardrey من جديد سنة 1961 وبسطها في كتابه “أبناء قابيل”. وفي سنوات 1960 أصبح موضوع الإنسان القنّاص هو النموذج التفسيريّ الأساسيّ لحقبة ما قبل التاريخ، ففي سنة 1966 نُظم الأنتروبولوجيان” إرفن دوفور” Irven De vore و ريشارد. ب. ليي Richard B. Lee وهما متخصّصان في دراسة قبائل السان San(ويسمّون أيضا بالبوشمان Bushmen)3 ، ندوة دولية تحت عنوان” الإنسان القنّاص” وكان محور تلك الندوة، التي تركت صدى كبيرا، هو نمط عيش الإنسان القنّاص وملتقط الثمار.

{{نظرية المعسكر الأساس والتوزيع :}}

في سنوات 1970 عمل جلين لـ. اسحاق Glynn L.Isaac من جامعة بركلي على صياغة فرضية سُمّيت بـ”معسكرات القنص” بناءً على الأبحاث الأركيولوجية لـ”ماري ليكي”Mary Leakey ، ومقارنتها بالحياة اليومية لشعب البوشمان في صحراء كالهاري (1976 و1978). وحسب جلين فإنّ حياة قبائل الـ”هومنيدس” 4 القدماء كانت منظمة وفق جماعات متمركزة بين عدة مواقع : مواقع صناعة الأدوات وهي (مواقع أ) وكانت موجودة قرب مصادر الموادّ الأولية، ومواقع استغلال الجيفة أو الثمار المقطوفة وهي (مواقع ب)، وأخير(مواقع س) أو المعسكرات الأساسية التي يلتقي فيها القنّاصة والقاطفون لجلب الطعام، وهذا يقتضي أن تكون هناك ملاجئ وبقايا عظام، علامات الاستهلاك، نار… لأنّ وجود هذه المواقع يفترض وجود حياة اجتماعية منظمة كما يقتضي تقسيما للعمل.

{{من أسطورة القنص إلى الأجداد آكلي الجيفة :}}

في سنة1981 أضاف لويس بنفورد Lewis Binford من جامعة Nouveau-Mexique لبنة أخرى في صرح النظريات السابقة، ففي السلسلة المتلفزة المعنونة بـ”بونس”Bones وفي حلقة بعنوان: إنسان قديم وأسطورة حديثة، اعترض “بنفورد” بشدّة على فكرة الإنسان القنّاص وتقسيم النشاط داخل المعسكر الأساسي، مستندا هو أيضا على تحليل مفصل لمصادر أركيولوجية، فتوصّل إلى نتيجة أنّ “الهومينيديس” الأوائل كانوا قبل كلّ شيء من آكلي الجيفة الذي يقتاتون على الحيوانات الميّتة، هناك حيث توجد بقايا العظام. فبالنسبة لبنفورد يعتبر ظهور الصيد المنظّم أمرا حادثا، بين 45000- و 35000- . وأعاد باحث آخر، وهو شارل ك. براين Charl K. Brain، تمحيص فرضية أنّ “الهومينيدي” الأوائل كانوا قناصة، حيث اعتبر أنّ “الهيوميندي” كانوا عرضة للقنص أكثر من كونهم قنّاصة، كما يدلّ على ذلك عنوان كتابه “قنّاصة أم طرائد؟، 1981” واحتدّ النقاش لسنوات طويلة، لأنّ المسألة كانت أيضا حول الطبيعة البشرية: هل كان الإنسان مفترسا شرسا أم مجرّد جبان آكل للجيفة؟

ولقد ألزمت الانتقادات المتبادلة بين العالمين كلّ واحد منهما بأن يدقّق حججه. وفي الختام حصل نوع من التوافق بين المتناقشين: فـ “لـ. بنفورد” اعترف أخيرا بأنّ موقفه الجذريّ كان متطرّفا، و”ج. إسحاق” (الذي توفّي مبكرا 1984) اعترف أيضا بأنّ استنتاجاته كانت مبتسرة.

وفي سنة 1988 وضعت مجلة Current Anthropology حدّا للنزاع على أعمدتها، منتهية إلى تكافؤ بين الطرفين. فلقد عمل ذلك النزاع على تطوير النقاش. إذ صارت مجموعة من النقاط فيما بعد مقبولة في أوساط العلماء فيما يخص نمط عيش “الهومينيدي” الأقدمين الذين عثر عليهم بشرق إفريقيا.

اليوم صارت فكرة كون الـ”أوسترالوبيتك” صيّادين للطرائد الكبرى احتمالا ضعيفا، وقبلها أهل الاختصاص. وفي نفس الوقت باتوا يعتبرون فكرة “ل. بنفورد” التي اعتقد فيها أن الـ ” homo” كانوا دون شك آكلي جيفة، وأنّ زمن ظهور القنص لم يظهر حتى سنة 35000- هي بكلّ تأكيد فكرة بالغة الهشاشة. فمن المؤكّد اليوم أنّ قنص الطرائد الكبرى تمّت مزاولته قبل حوالي 250000-. وعليه يكون من الممكن أنّ القنص ابتدأ بممارسات تتوسّط بين أكل الجيفة وبين القنص بالمعنى الصرف، فمن الممكن أنه كانت لـ”الهومو إركتوس”5 مثلا، القدرة على مهاجمة الحيوانات الجريحة أو المريضة والإجهاز عليها. ويمكن أنهم كانوا قادرين على اصطياد الحيوانات الصغيرة بواسطة شباك الصيد وبواسطة الأحجار أو الحراب، فالمهارة الظاهرة في الصيد يجب أن تنعكس في صقل الأحجار وفي بناء المخابئ أو في تسخير النار.

{{الهوامش:}}

1- المقال عن مجلة Sciences Humaines, Les grands Dossiers n°9,L’ origines des sociétés, décembre 2007/ février 2008

2 – المقصود الإنسان الجنوبي الذي عثر عليه علماء الأركيولوجيا في منطقة “الدوفاي” شمال طانزانيا ويعود تاريخه إلى 1.700.000- .(المترجم).

3- البوشمان هي قبائل “بدائية” تعيش في أنجولا وجنوب ناميبيا وتتوزّع في صحراء كالهاري، ويتميزون ببشرتهم البنية المصفرة وقاماتهم القصيرة،(المترجم).

4- الكائن الذي يتوسط بين القردة والإنسان.(المترجم).

5- المقصود الإنسان منتصب القامة الذي يمشي على قدميه (المترجم).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق