هل للعاهرات دورٌ في صنع جزء من التوازن النفسي والاجتماعي؟

من المثير للتفكير والتساؤل أن يكون العهر أقدم مهنة في التاريخ وأن تكون هذه المهنة مقدّسة تُمارَس وسط طقوس تضجّ بالحياة والاحتفاء بالطبيعة والتماهي مع تحوّلاتها وجنونها وصخبها!!

كان الإنسان في حقبة من الزمن أقرب إلى روحه، إلى طبيعته، طفلا لم يُرهَق بعد بوصايا الممنوع والمسموح، عاشقاً للجنس كحياة، يفهمه على أنه خصوبة وتجدّد وحيويّة ونبض، كان جسده حراً من كلّ الأيديولوجيات والمحرّمات والقيود. والحياة في تلك الحقبة كانت أكثر تطوراً من اللحظة الراهنة، مما يدعو للشك في كون التطور يكمن دائماً في السير نحو الأمام، فليس كلّ سير للأمام تطوراً بالضرورة، إذ في مثل هذه الحالة بالذات يكون الرجوع إلى الوراء هو التطور، الرجوع إلى حدس الإنسان الأولي الطفولي الطافح دهشة، ذلك في إن لم يستطع الإنسان الحاضر الحفاظ على طفولته إلى جانب رشده.

إنّ بهجة الإنسان بطبيعته وحياته على هذه الطريقة بدأت تُصادَر مع استحواذ الأب لنفسه على نساء الرّهط و قمع أبناءه وكبتهم، فقام الأبناء، بحسب نظرية "فرويد" حول عملية قتل الأب الرمزية، بقتل الأب وفيما بعد شعر الأبناء بذنب دفعهم إلى عقد اتفاق فيما بينهم يحرّم الزواج بنساء الرّهط و يؤدي تالياً إلى تأسيس القانون والديانة الأولى في التاريخ الإنساني. هكذا بدأت الأحكام العقلية والتأويلات والإسقاطات تحرّف لذة الحياة والجسد العفوية، وبدأت معها سلسلة قتل الآباء في كلّ جيل، تارة تنجح وأخرى تفشل إلى أن حدث القتل الأعظم للأب في نهاية القرن الثامن عشر وإحداث قطيعة للنظام الأبوي والانتقال إلى النظام العلماني والوعي العقلاني.

حينما كان الإنسان متوحداً مع الطبيعة ساهمت العاهرات في بثّ النبض داخل المعابد المقدّسة، فاتصلت القداسة بالحياة، وفي اللحظة الراهنة تثبت العاهرات رغبتهن الدفينة في قتل الأب من خلال التأكيد المستمرعلى الحياة داخل معابد العادات والأعراف والتقاليد لتعلن عن وهمها وزيفها فتتحول العادات إلى حياة تؤكد صيرورتها وتغيّرها الدائمين، هكذا تتقاطع العاهرات مع الغجر في إثبات الصيرورة، فالغجر برأيي الشخصي هم الأجدر في إجادة لعبة الحياة وفهم سرّها والإخلاص لهذا السر، فهم جماعة تفسّر معنى الوجود والعدم بآن معاً، الاستقرار واللااستقرار دفعة واحدة.

إنّ ميزة الغجري تكمن في رحيله البدوي الدائب، في إخلاصه لكلّ بقعة من بقاع الأرض، والعاهرة أيضاً راحلة، مسافرة دائمة، بينما يظل الواهم الأكبر هو ذلك الإنسان الذي استقر في منطقة جغرافية محدّدة في هذا العالم الفسيح و عاش من ثم وهم المركزيّة، وهم حضارة زائلة لا محالة.

لم تُوسَم شريحة اجتماعيّة بالخزي والعار و الشر و الفسق…مثلما وُسِمَتْ العاهرات. قد لا ندري ما الذي يدفع هذه المرأة أو تلك لتكون عاهرة، ولكن لا بدّ من معرفة أنّ العاهرات كنّ ولا يزلن يلعبن دوراً حيويّاً يساهمن من خلاله في ترميم خلل موجود.

وقبل أن تبدأ علامات الاستفهام والاتهامات و…. بالظهور، أوضّح ما أرمي إليه: إذا أهملنا كلّ التعاليم الدينية والتقييمات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والأحكام العقلية التي تضع العاهرات في أسفل سلّم الإنسانية الموهوم، وإذا ما تركنا (مؤقتاً) الجانب غير الصحّي في مسألة العهر وتحديداً التعاطي مع الجسد كسلعة، إذا تركنا جانباً كلّ هذا، فإننا سنلتفت إلى ما لم يُلتفت إليه، سنفكّر فيما ليس مفكّراً فيه، وقد لا يدرِك ذلك إلا من عاش تجربة معينة مع عاهرة أيقظت شيئاً ما كان غامضاً لديه وقسره على إعادة حساباته مع نفسه ومع الحياة ومع المجتمع والتاريخ.

في مجتمعاتنا العربية (مثلا) نعلن تكفيرنا، نبذنا، تحقيرنا… لكلّ عاهرة، لكننا نخفي (أقصد هنا الذكور على الأغلب) إعجابنا، شوقنا، متعتنا، راحتنا، لذتنا، سعادتنا المؤقتة وغير المؤقتة التي تحققها لنا العاهرات، فـ(المجتمعات المهووسة بالجنس هي الأكثر تحريماً له) على حدّ تعبير الفيلسوف "ميشيل فوكو".

في هذه المجتمعات التي تحرّم الجنس وتحيطه بجبال من الوصايا والتحذيرات، تلعب العاهرات دوراً في ترميم الخلل النفسي والاجتماعي النّاجم عن الكبت الجنسي والذي يطال تأثيره كافة ميادين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية….

يدخل بعض الذكور في مجتمعاتنا المكبوتة عالم الجنس من بوّابة العاهرات، والعاهرة بهذه الحالة تساهم، من حيث لا تدري، في لعب دور اجتماعي عبر كسر سلطة الرقابة الاجتماعية والأخلاقية. ترى ألا يندرج هذا الأمر تحت تسمية عطاء؟ دور اجتماعي؟ فعل يساهم في تحقيق شيء من التوازن النفسي والاجتماعي بشكل أو بآخر؟! لستُ غافلة هنا عن الخلل النفسي الذي قد يكون موجوداً لدى العاهرة ذاتها وما قد تعانيه من مشاكل مع نفسها ومع المحيط… إلا أنني أرغب من خلال هذه السطور أن أبيّن فقط الجانب الذي تساهم من خلاله العاهرة في صنع جزء من التوازن النفسي والاجتماعي بشكل لا واعٍ.

يتنكّر بعض أو أغلب الذكور في مجتمعاتنا عادة للمتعة التي قدّمتها لهم العاهرة، لفضلها حينما حرّرتهم من كبتهم الجنسي يوماً ما، يقتلهم الخوف من كلّ هذا الوضوح لديها، من كلّ الأسرار المفضوحة. لطالما حاولت العامّة بكلّ ما لديها من قوة وأساليب مخادعة أن تنزل الستار على هذه الأسرار، فيركض بعض الذكور هاربين إلى حضن زوجة مقدّسة، لكنهم فيما بعد قد يكتشفون وهم القداسة فيرغبون بالانعتاق من ألوهيّة الزّوجة المقدسة، يهربون من سجنها خلسة ليعودوا إلى الحياة، إلى العاهرة التي عاشوا معها لذة حيويّة، لم يتذوقوها في القداسة، وهكذا يتأرجحون بقلق مستمر بين الحياة والقداسة، بين المتعة والواجب، يصعّدون وتيرة نبذهم للعاهرة كلما ازدادوا يقيناً أنها المتعة التي لا يمكن الانفكاك عنها، قد يرحلون عن بلادهم، يسافرون للبحث عنها في كلّ أصقاع الأرض، فالعاهرة غجريّة، حياة، ترفض الجغرافية والحدود.

العاهرة إذن: ليست بالشر المطلق، كما أنها ليست بالخير المطلق، فلنعترف أنها إنسانة تحتمل الشر ونقيضه، والإنسان بالنهاية ليس ملاكاً ولا شيطاناً، بل الملاك والشيطان كلاهما من صنعه، وإنْ كان لا مهرب من الحكم على العاهرة بـ"الفاسقة" فلنطلق هذا الحكم أيضاً على الرجال الذين يشربون من مياه "الفسق" هذه!! ويبقى الإنسان أهم من كلّ حكم واعتبار.

إنْ كنّا لا نريد توازناً نفسيّاًّ واجتماعيّاً قادماً من العاهرات، فلنتحرّر إذن: من عقدنا الجنسيّة ولنفكّر في الجنس على أنه عنصر حيوي طبيعي، دون أن نقولبه بأعراف مريضة، أو تعاليم دينية ممسوخة، أو ذاكرة مترهّلة لعبت بأبجديّة الجنس الأوليّة صانعة منها صفحات مسطّرة بجمل مشوّهة لا معنى لها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق