هل للكون بداية ونهاية؟

 
الكاتب: Trinh Xuan Thuan ترينه كسوان توان، أستاذ علم الفلك بجامعة فيرجينيا وأستاذ زائر في جامعة باريس السابعة وفي معهد الكيمياء الفلكية (المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، باريس). من مؤلفاته : “تصميم الكون’’،2008، “القاموس العاشق للسماء والنجوم”، 2009. 
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كعالم في الفيزياء الفلكية يدرّس تكوّن المجرّات وتطوّرها، أتساءل باستمرار حول مفاهيم: “الواقعي”، المادّة، الزمن والمكان، فضلا عن أصل الكون. وكرجل فيتناميّ تربّى في التقاليد البوذية لا يمكنني تجنّب التساؤل عن الكيفية التي تنظر من خلالها البوذية إلى نفس هذه المفاهيم. لقد سمح لي لقائي مع ماتيو ريكار بالتعمّق في هذه المسائل. وفي نهاية حواراتي معه ازداد إعجابي بالطريقة التي تحلّل بها البوذية عالم الظواهر.
 
حسب النظرية الكوزمولوجية الشائعة، ولد الكون منذ 13،7 مليار سنة إثر انفجار صاعق – البينغ بونغ – انطلاقا من حالة يصعب تصوّر صغرها وحرارتها وكثافتها، وقد يكون هو مصدر ولادة المكان والزمان أيضا. تتطرّق البوذية لهذه المسألة بطريقة مختلفة جدّا. وحسبها ليس من الضروري أن يكون للكون بداية، أن يكون قد مرّ من العدم إلى الوجود. ولكي نفهم مفهوم “اللابداية” ينبغي أن نعود إلى أحد المفاهيم الأساسية للبوذية : الترابط بين الظواهر. لا شيء يستطيع الوجود بشكل ذاتيّ ولا أن يكون علّة ذاته. فلا يمكن أن يحدّد شيء إلا من حيث أشياء أخرى ولا يمكن أن يُوجد شيء سوى بعلاقته مع كيانات أخرى. وإذن فليس له وجود خاص : تطلق البوذية على هذا الوضع كلمة : “الخواء”. الترابط جوهريّ بالنسبة لتجلّي الظواهر. يتجلّى هذا الشيء لأنّ ذلك الشيء موجود. كلّ كيان يمكن أن يوجد مستقلا عن الكيانات الأخرى – الربّ مثلا – لا يمكنه أن يؤثّر في شيء ولا شيء يمكن أن يؤثّر فيه. وهكذا لا يمكن لأيّ كيان أن “يولد”، بما في ذلك الكون، بمعنى أن يمرّ من “لا كائن” إلى “كائن” إذ في التحليل النهائي (الحقيقة المطلقة) هذا الكيان مجرّد من الوجود الذاتي. لا تنكر البوذية أنّ الظواهر توجد حسب “حقيقتنا النسبية” / تلك التي يراها الإنسان العادي أو تلك التي يكتشفها العالم. ولا تعارض البوذية قوانين العلّة والمعلول أو القوانين الفيزيائية والرياضية. هي تقول فقط أن هناك فرقا بين الطريقة التي يبدو لنا بها العالم وطبيعته النهائية. في التصوّر البوذي لا يمكن أن يوجد خالق يخلق كونا من عدم. فهذا الكون لا يمكن أن تكون له بداية ولا نهاية. ولا يكون البينغ بونغ انفجارا أساسيا ولكنّه مجرّد بداية لدورة خاصة ضمن تعاقب بلا بداية ولا نهاية لعدد لا يحصى من الدورات. قد يكون كونا دوريا (دورات) الكون العلمي الوحيد المتوافق مع وجهة النظر هذه. في النظرية الشائعة حول البينغ بونغ تشير الملاحظات الفلكية أنّ الكمية الكلية من المادة المضيئة والداكنة في الكون ليست كبيرة بما يكفي لتقلب جاذبيتها تمدّد الكون وتؤدّي إلى انفجار تدميريّ. بالعكس هناك قوة غامضة طاردة تعود إلى “طاقة سوداء” لا تزال تميّع الكون إلى زمن لانهائي، وهو ما قد يبعد فكرة الكون الدوري، وهكذا سيكون في خلاف مع المفهوم البوذي القائل بلا بداية الكون. بيد أن علماء فيزياء واعتمادا على نظرية الحبال اقترحوا تحديد سيناريو دوريّ للكون مفاده أنّ لحظة الخلق قد تكون جزءا من دورة لانهائية من الاصطدامات الجبارة بين كوننا وكون آخر مواز. ولكن وإلى هذه اللحظة يبقى هذا السيناريو أقرب إلى علم الخيال منه إلى العلم. إذ لم يتم أبدا اختبار نظرية الحبال تجريبا. وإذن هل هناك بداية أم لا؟ على كل حال، كرجل علم، أنا أقبل بحكم العلم. 
———————–
المصدر: 
Le Nouvel Observateur, Hors-série, Janvier-Février 2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق