هل مات الملك وتحولت الأحزاب أوطانا؟ / بلال خبيز

يجهد المجتمع «اليساري» السياسي الإسرائيلي إلى جعل حكومة نتنياهو اليمينية المتشددة تقع في الموقع المضاد لحركة «حماس»، أي نقيضها الديني والسياسي والحربي، وهو بذلك يحاول غسل اليد من هذه الحكومة التي أوصلتها إلى السلطة نتائج انتخابات ملتبسة، كما لو أن اعتكاف تسيبي ليفني عن ترؤس حكومة تكون فيها مقيدة اليدين، هو إعلان صريح من المجتمع «اليساري» السياسي الإسرائيلي أن على اليمين أن يجرب حظه من المغامرات، فإذا اصطدم بجدران صماء في العالم الأوسع سيخر صريعاً ومجروحاً ويفقد أهليته في التجييش والتحريض وحسن الاستفادة من الزمن الضائع، وتثمير ذلك كله أصواتاً في صندوق الاقتراع.

لكن ما لا يحسب هؤلاء حسابه هو أن اليمين المتطرف يلعب لعبة مخالفة تماماً، فإذا كان اليسار المعاصر في أي مكان من العالم يستطيع تثمير الازدهار والطمأنينة في صندوق الاقتراع، فإن اليمين على العكس من ذلك يتعيش دوماً على افتعال الأزمات. وأغلب الظن أن اليمين واليسار المعاصرين يلعبان ضد بعضهما في ملعبين منفصلين، وما يجري في إسرائيل ليس إلا مثالاً عما يجري في أي مكان من العالم، فاليسار اليوم يقيم وزناً أساسياً للعلاقات الجيدة مع أكبر قدر ممكن من دول العالم، فيما اليمين يدير علاقاته بـ«العصا والنبوت» على ما يقول المصريون.

هكذا يمكن تصنيف باراك أوباما بوصفه رئيساً يأتي من يسار أميركا المعاصرة، فيما كان خصمه جون ماكين ربيب اليمين وناطقاً باسمه، والحال ليس غريبة أن يرى اليمين الأميركي اليوم في التعنت الإيراني بشأن مسألة تخصيب اليورانيوم انتصارا وطنياً له: ألم نقل لكم إن إيران لا يمكن أن تخضع للمنطق إلا بالعصا؟ أو أن يكتشف نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني في سلوك بعض المفرج عنهم من غوانتنامو المتصل بالإرهاب، سبباً للإعلان الصريح أن أميركا في خطر بسبب سياسة أوباما المتساهلة مع الإرهابيين، وأن العالم كله قد يكون في خطر بسبب القنبلة النووية الإيرانية، وفشل أوباما في إقناع الإيرانيين بوقف تخصيب اليورانيوم أو إبطاء وتيرته على الأقل؟

من جهته يرى اليسار أن تجنب الأزمات والحروب والعنف ما أمكن هو السبيل الأنجع لفوز سياساته، لكن اللعب على ملعبين منفصلين يعني أن الطرف الذي يحكم مجبرٌ أن يحكم وحيداً، وأن الطرف الذي يعارض يعارض مستنكفاً، فلو قامت إسرائيل بقصف المنشآت النووية الإيرانية من دون اتفاق عالمي على ضرورة هذا الأمر بوصفه آخر الدواء، لاعتبر اليسار الإسرائيلي أن هذه الحرب هي حرب نتنياهو واليمين وليست حرب إسرائيل، رغم أن آثارها قد تكون بليغة على إسرائيل كلها. ولو أن أوباما فشل في مواجهة التحديات الإيرانية أو الكورية الشمالية، ولم ينجح في حشد تحالف دولي واسع ضد التجارب النووية في كلا البلدين، لبدا اليمين الأميركي مسروراً ومبتهجاً للفشل الأميركي الذريع، بصرف النظر عن النتائج الخطيرة التي قد تترتب على مثل هذا الفشل على المجتمع الأميركي برمته.

وسط هذا كله، ثمة أطراف سياسية مازالت تقيم للمنطق السياسي وزناً، لكنها تبدو محشورة بين تطرفين، وقد يبدو مثال السلطة الفلسطينية الأكثر سطوعاً في هذا المجال، فالسلطة الفلسطينية تعادي المشروع الإسرائيلي معاداة وجودية، وهي تطالب الاحتلال الإسرائيلي أولا وقبل أي طرف آخر بإحقاق الحد الأدنى المقبول من الحقوق الفلسطينية، لكن المتظاهرين في أنحاء العالم، أثناء كل أزمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يتظاهرون إما دعما لحق إسرائيل في إنكار الحقوق الفلسطينية، وإما دعماً لحركة «حماس» وترديدا للخطاب النجادي، نسبة للرئيس أحمدي نجاد، في الدعوة لإزالة إسرائيل من الوجود، لكن أحدا لا يتظاهر داعما لسلطة محمود عباس وحكومة سلام فياض، في مواجهة تطرفين قاتلين.

اليسار واليمين، يبدوان اليوم في كل مكان من العالم كما لو أنهما يقرآن في كتابين مختلفين، ويتحدثان بلغتين لا مشتركات فيهما. وهذا مما لم تشهد له الدول سوابق طوال القرن الماضي، حيث كان اليسار واليمين طوال قرون يجتمعان في حضن الملك، الذي يمثل مصلحة الأمة العليا، وفي عالم اليوم، يبدو أن الملك، الذي هو كناية عن مصلحة الأمة العليا، مات، ولم يبق غير الأحزاب والتيارات التي تحسب نفسها أكبر من أوطانها.

عن جريدة الجريدة 30/5/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق