هل نضع ( ماركس وبسمارك ) في مواجهة ( هيغل ونابليون) أم في مواجهة (هاشم صالح وبوش)؟

تابعت ُ بشغف السّجال الفكري والسياسيّ، العميق والرصين الذي أثارته مقالتا هاشم صالح (من هيغل ونابليون إلى هابرماس وبوش) ومقالتا فخر الدين فيَاض(هيغل بين عظمة الإمبراطور وتواضع الفيلسوف)، وكذلك الردود والتعليقات الذكيّة والطريفة التي صدرت عنهما وعن عدد من الكتاب والقرَاء. ولأجل فهم أعمق لهذا السجال وتطويره؛ فإنّني سوف ألخّص أفكار مقالتي صالح ( بما أنهما أثارتا كل هذا اللغط ) في نقطتين رئيسيتين:

{{الأولى:}}

وتتعلق بتصوّر هاشم صالح عن ” ثمن التقدّم إلى أمام” بالنسبة لمجتمعاتنا؛ إذ يعتقد استناداً إلى قراءة مُلتبسة كما نرى، لموقف هيغل من غزو نابليون بونابرت لألمانيا، أنّ “المحرّك العنيف” للتاريخ- في هذا المثال وسواه من أمثلة مشابهة- ليس الطبقات ولا الأفكار العظيمة؛ بل العنف الذي تمارسه ” ثقافة أقوى ” ضدّ ” ثقافة اضعف “- بتعبير ادوارد سعيد- وبحيث ترغمها على تجرّع مرارة التغيير الحتميّ. وحسب هذه القراءة؛ فإنّ النزعة الإمبراطورية “لنشر أفكار التنوير” في العالم برمّته تصبح هي التعبير والتجسيد لمضمون كلّ عنف تمارسه الدول و”الثقافات الأقوى”. وفي هذه الحالة يصبح مثال هيغل مثالاً تأسيسيّاً عن الوظيفة التاريخية للإمبراطوريات، بوصفها المحرّك العظيم للتاريخ والتقدم. وانطلاقاً من هذا التصوّر ستأخذ الإمبراطوريات- في المستقبل كما أخذته في الماضي استناداً إلى مثال نابليون- على عاتقها وبواسطة القوة العسكرية، أي بواسطة العنف، مهمّة نقل مجتمعات ودول وجماعات بشرية إلى طور جديد، حيويّ وضروريّ لتقدّمها.هذا التصوّر الذي عبرّت عنه مقالتا صالح لا أساس له، وهو يثير مشكلة منهجية تخصّ طريقة فهم وتوظيف ” وقائع التاريخ ” وسلوك الشخصيات داخل التاريخ على حدّ سواء.ولذلك أثارت هذه النقطة تحفّظ فخر الدين فياض وآخرين؛ فمثل هذا الثمن ليس ضرورياَ أو محتوماً كما تتخيّل نظرية صالح.

{{الثانية :}}

وتتعلّق بالعقبات والمشكلات التي تواجه حلم التنوير في العالم العربيّ. وبحسب منطوق المقالتين؛ فإنّ العائق الحقيقيّ أمام التنوير في مجتمعاتنا ( وربما أجزاء أخرى من العالم) هو الأصولية الإسلامية التي يجب، بل ومن المحتّم أن تصبح هي موضوع صراعنا من اجل التقدّم. لكنّ صالح سرعان ما سيقوم وفي سياق نقده للأصولية وتحذيره من خطرها، بإلحاق ” القومجية ” وتياراتهم الفكرية والسياسية في خانة الأصوليين، ويجعل منهم ومن ” نظرياتهم ” القومية، عائقاً يتوجّب تخطيه تماماً كما يجب تخطّي الأصولية ومقاومة خطرها.

ومع أنّ تعبير ” قومجية ” تعبير سوقيّ و”احتقاري” رائج، يستخدمه غالباً بعض الكتاب الساخطين على أوضاع العالم العربيّ في معرض ” نقد النظام السياسيّ الرسميّ “، وليس في إطار السجال ضدّ الأطروحة القومية النظرية؛ فإنّ استخدامه من جانب هاشم صالح في سياق نقد الأصولية الإسلامية، يدلّل على أنّ تصنيف وتحديد طبيعة المخاطر التي تواجه مشروع التنوير في العالم العربيّ، قد اختلط وتداخل مع موضوعات ومشكلات أخرى، لا يمكن اعتبارها متماثلة. ولهذا السبب تبدو ” ترنيمة ” هاشم صالح الفلسفية وكأنها هبطت ويا للأسف، إلى مستوى ” الردح السياسي ” غير العقلانيّ. وسوف أعود تالياً إلى مناقشة هذه النقطة بالتفصيل، ورؤية مغزى استخدام اللقب التحقيريّ ” قومجي – قومجية ” والذي يضفي على فكر ونشاط جموع القوميين العرب، ومن دون تمييز بين تيارات القومية العربية الحديثة، وبعضها يتميّز بالقدرة الفائقة على التجديد الفكريّ.أما فخر الدين فياض، ويشاطره في ذلك كثيرون، فهو يرتئي أنّ الأصولية الظلامية وإنْ كانت بالفعل، خطراً حقيقياً على مشروع التنوير في العالم العربيّ؛ إلا أنّ ” الوصفة الاحتقارية ” التي يقترحها صالح لمواجهة “الإسلاميين الأصوليين ” ودحرهم، هي وصفة ” عنيفة ” وخطيرة لن تزيد الأمور إلا تعقيداً.
ولو أننا نحيّنا جانباً “الترنيمة الفلسفية” الرومانسية التي طبعت مقالة هاشم صالح الأولى عن هيغل ونابليون، وتغاضينا عن” زفرة الجزع” الساخنة التي طبعت مقالته الثانية عن ” تفرّد قوى الظلام الأصوليّ بنا”؛ فإنّ الفكرة الأساسية التي تكرّرت في المقالتين تكاد تنحصر في نقطة مركزية واحدة، لخّصَها صالح بنفسه في أكثر من مكان من مقالتيه وعلى النحو التالي :

” نحن محشورون بين أصوليتين، يمينية مسيحية- يهودية متطرفة، وإسلامية ظلامية “. وأننا معشر العلمانيين نكاد نكون وحدنا ) ولنا أن نرددّ معه: يا وحدنا، تماماً كما كان الفلسطينيون يندبون حظهم العاثر أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف 1982). ولأننا انحشرنا بين كلّ هذه المخاطر فما علينا إلا أن نقاتل على طريقة هيغل وكانط وكلّ التنويريين العظماء، حتى لو اضطررنا إلى أن نرفع قبّعاتنا للرئيس بوش، كما فعل هيغل مع نابليون، لأنّه سحق بالنيابة عنّا، ومن أجل أحلامنا في التنوير والديمقراطية والمدنية، إمبراطورية الشرّ في كابول وشقيقتها إمبراطورية الطغيان في بغداد. ولأنّ جيوش الأصولية اليمنية المسيحية- اليهودية باتت من أمامنا بينما ” بحر الأصولية الإسلامية من خلفنا”، فليس ثمّة من مخرج آخر سوى إعلان الحرب والشروع فوراً في القتال؟ وهذا الاستنتاج- في الإطار العامّ للفكرة الشائعة عن المخاطر الحقيقية التي تواجهنا، وليس في مادتها العضوية- يتضمن تصوّرات صحيحة إلى حدّ بعيد، ولا يختلف حولها مع هاشم صالح اثنان، فنحن بالفعل ضحايا طغيان أصوليّ جارف للعالم وللقيم والأفكار. بيد أنّ التدقيق في هذا الاستنتاج سوف يُبيّن، أنه يتطلب ما يمكن اعتباره ” إعادة بناء ” للفكرة من أساسها. ولكن، إذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً ( وقد يكون كذلك من وجهة نظري) فلماذا حدث الخلاف إذن، بين هاشم صالح وفخر الدين فيّاض؟

أغلب الظنّ أنّ المقارنة البريئة التي عقدها صالح، لتبرير موقف هيغل من نابليون، دفاعاً عن فكرة التنوير،” انتهت به إلى تلفيق فكرة وجود ” ثمن أبديّ للتنوير” في التاريخ، وأنّ البشرية ستظلّ تحت رحمة شرط لا وجود له إلا في خيال صالح مستنداً إلى مثال هيغل ونابليون.كما انتهت به المقارنة التعيسة إلى تبرير موقفه هو من غزو بوش للعراق، بوصفه “عملاً حيوياً و”تاريخياً ” وإنْ تسبّب في وقوع ما يزيد عن مليوني قتيل في البلدين المنكوبين أفغانستان والعراق. والحقيقة أنّ أسوأ دفاع عن فكرة التنوير، هي أن يقرن كلّ وأيّ سجال من أجل الحرية والعدالة وباسمهما، بهذا النوع من الأمثلة التاريخية الملتبسة التي يصعب توضيحها في مقالة صغيرة موجهة لعموم القرّاء. كما أنّ أسوأ طريقة للنضال ضدّ الأصولية، وأكثرها فظاعة وفتكاً بفكرة النضال ومحتواه، أن يعطي المرء لقرائه ومستمعيه، الانطباع المفرط في التطرّف، بأنّه لا يصارع ضدّ الأصولية كظاهرة وحسب، بل يقارع ديانات المجتمع ومعتقداته الروحية بلا هوادة ( فهذا سوف يحطم من الأساس كلّ إمكانية للحوار الديمقراطيّ مع الآخر والإيمان بحقّه في التفكير المختلف واحترام معتقداته الروحية). وبهذا المعنى فقد أثارت مقالتا صالح مشكلة منهجية تتعلق بتحديد الهدف من النقاش، فضلاً عن إثارتها لموضوعات تتطلب تحليلاً أعمق وأكثر هدوءً: فهل المطلوب اليوم، الصراع ضدّ الأصولية بما هي ظاهرة ” فكرية في الإسلام ” التاريخي، أي هل المطلوب مواجهة قراءة تحريفيّة للإسلام القديم مستمرّة ومتواصلة، أم مقاومة الأصولية بوصفها ” ظاهرة سياسية ” جديدة في الإسلام المعاصر؟ أم المطلوب خوض الحرب ضدّ الدين ( بالمطلق؟) وعلى غرار ما فعل فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر؟ وهل المطلوب تعميق الدعوة إلى الإصلاح الدينيّ والتشجيع عليه، أم يتوجّب الشروع في شنّ الحرب على السماء؟

ثمّة خطأ منهجيّ آخر على هامش هذه المشكلة المنهجية، فمثال هيغل الذي استخدمه هاشم صالح، له صلة حميمة بصراعٍ ضارٍ كان يتفجر في قلب أوروبا بين البورجوازيات الصاعدة، وضدّ الأحلاف الإقطاعية- الدينية التي كانت تعيق مشروع التقدّم الأوروبيّ من أساسه، وأن موقف هيغل يجب أن يُقرأ في الإطار التاريخيّ لهذا الصراع، وليس من خلال توظيفه لتبرير الموقف من غزو جورج بوش. والمفارقة المدهشة في معركة صالح ضدّ ” الدين ” بوصفه مصدر الخطر الراهن على التنوير في العالم العربي، أنّ النموذج ” القتاليّ ” المقترح يتعلّق بنموذج الفيلسوف الذي اشتهر بكونه فيلسوفاً محافظاً ويمينياً، وحتى ” متدينّاً ” بالمعنى النقديّ الذي قرئ فيه موقفه من الدين. والمدهش أكثر أن كلّ نقد ماركس، أعظم تلامذة هيغل ( والهيغلي الشاب الذي ترنّم بأفكار معلّمه لوقت طويل) كان ينصبّ على هذا البعد الدينيّ في ديالكتيكه المثالي. ولذلك يبدو صالح، وهو يخلط موقفه الفلسفيّ من الدين، بالموقف السياسي لهيغل من نابليون- وهو موقف سياسيّ بوضوح ولم يكن موقفاً فلسفياً- وكأنّه يرتكب خطأ فظيعاً من نوع الأخطاء المحتومة التي تنجم عادة عن خلط الأهداف الممكنة بالتمنيات المستحيلة. وما دام صالح، افترض دون تروٍٍّ كافٍ، وجود معركة متواصلة ولا نهاية لها، ومستمرة دون توقّف منذ عصر التنوير حتى اليوم، مادتها الوحيدة الصراع ضدّ الدين؛ فإنه يكون بذلك قد وضع كلّ النضال الإنسانيّ من أجل المدنيّة والتقدّم عند عتبة معتقدات المجتمع لا المجتمع نفسه؟ وبكلام آخر، سوف يصبح كلّ النضال الإنسانيّ من أجل الأهداف النبيلة رهناً بالقتال ضدّ الدين.وهذه مشكلة فكرية وسياسية خطيرة،فالنضال الإنسانيّ من أجل العدالة والتنمية والتقدم والتنوير والديمقراطية ( وكل ما شئت من الأهداف النبيلة) لا يمكن له أن يجذب المجتمع إلى المشاركة الفعالة فيه؛ إذا ما كان موجّهاً في الصميم ضدّ معتقدات الناس الروحية؛ بينما يمكن للمجتمع – بكل تعبيراته وطبقاته- أن يكون شريكاً في هذا النضال؛ إذا ما كان موجّهاً من أجل نقل المجتمع إلى قلب التاريخ وإخراجه من مأزقه. كما أنّ أساس كلّ عدالة قانونية وأخلاقية ينشدها النضال التحرّريّ، هي الحقّ ” في التفكير المختلف ” وليس إرغام الناس على اعتناق عقائد والتخلّي عن أخرى. فأنت لا يمكنك أن تطلب مشاركة المجتمع في المعارك العظيمة من أجل التنوير، بينما تعدهم بـ” انتزاع طريقتهم في التفكير ” واجتثاثها بالقوة، فهذا سوف ينزع عن المعركة صفتها الديمقراطية. وهل ” ثمن التنوير” في التاريخ هو ثمن أبديّ ( في عنق كلّ امة ) يتوجب دفعه في كلّ مرّة، أم أنّ البشرية سدّدت الثمن ذات يوم بعيد، قبل أن تخطو خطواتها العملاقة على طريق المدنية والتقدم؟

ألا تبدو فكرة خرقاء إلى النهاية، تلك الفكرة القائلة، أنّ من يريد- من المتخلّفين- اللحاق بركب الأمم، فلن يكون بانتظاره عند ” نهاية التاريخ ” سوى ” ثمن مماثل ” ومحتوم، أو أشدّ دموية من مثال العراق وأفغانستان؟ إنّ مسألة وجود مثل هذا الثمن المحتوم لا تعدو أن تكون أكثر من ” تلفيق ” مُستلّ من ” ذهنية الحتميات ” عند الماديين المبتذلين. ولهذا فهي مسألة زائفة وملفّقة ومن اختراع المثقفين، فالتاريخ يعلمّنا أنّ الأمم المتخلّفة يمكن أن تتعلّم، دون الحاجة إلى دماء غزيرة؛ بل وأن تتعلم- بقليل من الألم فنّ الارتقاء والقدرة على التحليق الحرّ في الفضاء الرحب وتنسى رقصة الحجل، وأنها- بأقلّ مما يتوجّب عليها كما يتخيّل صالح- يمكن أن تتخطّى عجزها وتتقدم إلى أمام في شرط تاريخيّ جديد، وأنها أخيراً، لن تقف كما في يوم الحساب العسير، مستسلمة بانتظار قصاص القدر الدمويّ لها بسبب تخلّفها عن ركب الأمم؟ بل إنّ تصوّر وجود ” ثمن دمويّ” للتنوير، واجب الاستحقاق على الأمم، لا مناص من دفعه عقاباً لها على تخلفها، يدمّر كلّ أساس نظريّ لعلاقات القوّة في التاريخ، فالشعوب ُتسحق تحت أقدام الجنود الغزاة لا بسبب سياسات النهب ( التي ميّزت سلوك كلّ الإمبراطوريات) وإنّما لأنها تستحقّ ” التأديب” بسبب تخلّفها عن الركب الحضاريّ. وهذا لعمري تلفيق ما بعده تلفيق. ولئن كان نابليون يحلم بأن يضمّ تحت جناحي الإمبراطورية الفرنسية ( العالمية ) عالماً إسلامياً يرى فيه خليفة المسلمين الجديد؛ فإنّ جورج بوش لم يخف الهدف المعلن من الغزو، حين ربط بين الحرب وبين قيام ” شرق أوسط كبير ” يتوحّد كدويلات مدن ” إسلامية أصولية هشّة وضعيفة ” تحت رايات الإمبراطورية الأمريكية. ولو أنّ هاشم صالح قام بتوظيف مثال نابليون في مصر ( ومقاربته مع مثال بوش في العراق) بدلاً من استخدام موقف هيغل من نابليون في ألمانيا؛ لكان بوسعه أن يلاحظ كيف أنّ التاريخ يتكرّر مرة في صورة مأساة، وأخرى في صورة مسخرة – بتعبير ماركس- وأننا لا نستطيع رؤية التماثل أو التطابق المتخيّل في أمثلة التاريخ وفي صور أبطاله؛ إلا إذا أرغمنا الواقع على الخضوع للإيديولوجيا. وهذا برأيي ما فعله صالح، فهو يريد منا أن نتعاطف مع تصوره هو لمشروع بوش في العراق وأفغانستان، لا أن نرى ما قام به بوش هناك.

{{ترنيمة التنوير وزفرة الألم}}

لقد اختلطت” الترنيمة الفلسفية بزفرة الجزع” في مقالتي صالح، وبات علينا أن نفتّش عن ” الفيلسوف ” الذي راح يستغرق في تأمّلاته الرائعة داخل صومعة هيغل، وبين المثقّف الذي يطلق في وجوهنا زفرة ألمه وجزعه المرير من أوضاع ومشكلات، قد نكون- نحن- لا هو، من يكتوي كلّ يوم بنيرانها؟ وهكذا، فقد أنشا صالح مقالته الفلسفية الأولى وهو يدرك نوع وطبيعة مثاله الملتبس غير القابل للتطبيق أو الاستنساخ أو التكرار في كلّ وأيّ ظرف؛ إذ ليس أمراً محتوماً أن يستنسخ المثقّف المتفلسف موقف هيغل من نابليون، لكي يتمكن من بناء موقف مما جرى ويجري في العراق وأفغانستان، ويفهم المضمون الحقيقيّ لحرب بوش الإمبريالية كحرب لصوصية وحرب سلب ونهب مريعة ولا أخلاقية. وبسبب ” روح الاستنساخ ” هذه، وجد صالح نفسه مضطرّاً للدفاع عن منطوق فكرته، وليكتب مقالة ثانية، يهجر فيها تأمّلاته الفلسفية، وينتقل مباشرة إلى خطاب سياسيّ يكرّر فيه بلغة السياسة، ما عبرّ عنه بلغة الفلسفة. وبذلك تتلاشى أهمية وقيمة المقارنة الطويلة التي أثارت الجدل؛ فإذا كان المقصود من مضاهاة موقف هاشم صالح من بوش، بموقف هيغل من نابليون، أن نحمل الفلسفة على تبرير السياسة( أي تبرير الموقف السياسيّ) فهذه والله لتعاسة ما بعدها تعاسة.
الغريب أنّ حرج صالح من المقارنة كان واضحاً بما فيه الكفاية في المقالة السياسية، بعكس حماسته لها في الأولى؛ إذ اضطرّ في المقالة الثانية إلى كتابة موشّح طويل في هجاء بوش، بينما حافظ على ” هيبة ” نابليون إلى آخر لحظة. ومع ذلك، فبفضل الاستنتاج حول خطر الأصولية المتعاظم، ثار نقاش خصب وحيويّ حول التنوير والتنويريين في العالم العربيّ، بدا في مقال فخر الدين فياض – باعتراف صالح- أكثر تماسكاً ودقة في تصوراته عن جوهر المشكلة. وهذا بكل تأكيد لبّ القضيّة المختلف فيها وحولها: كيف ندير معركة التنوير في العالم العربيّ؟ هل ” نحرق الأصولية” أم نعيد ” إعدام حسن البنا وسيّد قطب ” ؟ وحول هذا الجانب المتّصل بمهام ووظائف النخب الثقافية والفكرية العربية، برز موقفان متناقضان، أحدهما (موقف علمانيّ ديمقراطيّ) يؤمن بالحوار، وبأنّ مأزق الأصولية يكمن في أنها لا تقبل الحقّ في التفكير المختلف- وفي الآن ذاته يؤمن بأهمّية السجال مع الأطروحة الأصولية فكرياً- وآخر(موقف علمانيّ أصوليّ) يدعو إلى استئصال ” الأصولية ” و”اجتثاثها “.

ولسوف نجد في مقالة صالح الأولى ويا للمفارقة، الموقفين المتناقضين ذاتهما، وصاحبهما، نفسه ولكن في صورتين، فهو علمانيّ ديمقراطيّ، وعلمانيّ أصوليّ في الوقت عينه. وها كم هذه المقتطفات التي تدّلل على نوع المفارقة:

{{أولاً :}}

يقول صالح بلهجة موضوعية ما يأتي:( لا يمكن أن نلقي باللوم على الأصولية الإسلامية. لا ريب أنّ الأصولية ظلامية عمياء خاصة إذا ما اتّخذت شكل القاعدة والطالبان، ولكنها تدافع عن نفسها أمام زحف الحداثة التي تكتسح مجتمعات الإسلام من خلال العولمة. من هنا نفهم سبب ردّ الفعل الهائج للأصوليين، فهم يعلمون أنّ الحداثة سوف تستأصل عالمهم القديم) ثم يضيف: ( إنّ الأصولية خائفة بمقدار ما هي مخيفة- المقتطفان من مقالة: من هيغل ونابليون ص5)
في هذين المقتطفين النموذجيين من الصفحة نفسها، يتوافق هاشم صالح كلّياً مع فخر الدين فياض ويتماهى معه كعلمانيّ ديمقراطيّ، فالمشكلة لا تكمن كلياً في الأصولية وحدها، خصوصاً إذا كانت عمياء وظلامية على غرار طالبان، فهي، وإن كانت مصدر الخوف الذي يجتاح العالم، إلا أنها ” خائفة من تيار الحداثة ” وهي ” تدافع عن نفسها ” وحسب، ضدّ العولمة المتوحّشة التي تجتاح العالم الإسلاميّ. أي أنّها مصدر خطر وضحية خطر آخر في الآن ذاته. لكن صالح سرعان ما سيقول بلهجة العلمانيّ الأصوليّ الذي لا يعبأ بموت نحو مليوني عراقي وأفغاني : ( وماذا حصل في أفغانستان والعراق مؤخّراَ؟ سقوط الأصولية بأبشع صورها وسقوط الطغيان العربيّ في بأبشع تجلياته). هذا كلّ ما حدث في العراق وأفغانستان. سقوط الأصولية والطغيان معاً لا أكثر ولا أقل؟ ولأنّ صالح انتقل من الترنيمة الفلسفية إلى زفرة الألم، فقد وجد نفسه وهو يلقي علينا موعظة من فوق جبل :

( لن يكفّ الغرب الأمريكيّ الأوروبيّ وكذلك بقية العالم عن ملاحقتنا حتى نغيّر مفهومنا القديم والظلاميّ للدين : ص 3 من هيغل ونابليون).

وإذا ما دمجنا فكرة صالح هذه عن ( خطر الأصولية الذي يحيق بنا من البحر، والعدوّ اليميني المسيحيّ- اليهوديّ من أمامنا) مع نبوءته عن ( استمرار مطاردة الغرب الأمريكي الأوروبي لنا كما يطارد الله بواسطة رجال الدين، كلّ الكافرين حتى يغيّروا ما بأنفسهم من مفهوم ظلاميّ للدين) فإننا نكون في هذه الحالة وحدنا بالفعل، ( ويا وحدنا ) تحيط بنا جيوش أمريكا والغرب واليمين المسيحيّ- اليهوديّ والأصولية الإسلامية. وبالطبع، فمثل هذا الحلف لا وجود له في عالم السياسة، ولكنه يمكن أن يوجد حين تختلط تأملات الفلسفة بالجزع، فنتخيّل أشباحاً تطاردنا في كلّ منعطف. الأصولية خطر؟ نعم. لكنّ الغرب الاستعماريّ- وليس غرب الحضارة- لن ” يعاقبنا على تخلّفنا وعدم اللحاق به “؛ بل سيقف لنا بالمرصاد عند كل خطوة نحو التقدم خارج شرط التبعية. وهو سيطاردنا ” حتى نغيّر ما في قلوبنا ” أي حتى نقبل بشرط التبعية. إنّ نقد الإسلامية الأصولية العمياء والظلامية الخ الخ، لن يصبح نقداً راديكالياً وصحيحاً ويجذب إلى النضال جموع المؤمنين بالتنوير، إلا إذا تلازم مع نقد الكولنيالية الجديدة وفضح حروب النهب والسلب التي تديرها في العالم بأسره. وحرب بوش من هذا المنظور وحده، لن تكون، بأيّ حال من الأحوال شبيهة بحرب نابليون ضد الرجعية البروسية، ولا مثالاً مطابقاً لمثال رفع قبعة هيغل لنابليون.

{{ثانياً :}}

ولأنّ مقالتي صالح لا تبدوان خاليتين من أخطاء سياسية وفكرية أخرى، يمكن تبيانها بالتفصيل، ونجمت في الأصل عن توظيف مقارنة خاطئة، فإنّني سأركّز في هذه النقطة على السّجال ضدّ مثاله ” التاريخيّ ” ومن أجل تفكيك السردية السياسية التي تنهض بمهمّة تبريره. فيما يتّصل بالجانب الشكليّ من مسألة المقارنة؛ فإنني أكاد أجزم ومن منطلق الاحترام والودّ لشخص الأستاذ صالح وجهده الفكريّ، بأنه لم يكن راغباً ولا بأيّ صورة من الصور، في عقدها لا من أجل إجراء مطابقة بين صورتي نابليون وبوش، ولا من أجل أن يضاهي موقفه بموقف هيغل؛ بل من أجل تبيان أهمية أن يفهم المثقف العربي وبعمق، موقف هيغل من نابليون. لكن، بماذا ينفعنا هذا الموقف؟ هل يساعدنا في ” فهم موقفنا نحن ” من بوش؟ إذا لم يكن هذا هو المقصود، فلا معنى من عقد المقارنة. لقد وصف ماركس ذات يوم، حين كان يكتب أطروحته للدكتوراه عن ” نقد فلسفة الحقّ عند هيغل “، الفيلسوف العظيم بأنّه كان ( محافظاً ويمينياً ورجعياً في أفكاره ومواقفه السياسية) وكان يخون ( معتقداته السياسية والاجتماعية المحافظة حين يطبّق ديالكتيكه على الماضي وليس على الحاضر والمستقبل). وقد لاحظ ماركس الشابّ ( الهيغلي ومعه جموع اليساريين الهيغليين) أنّ فلسفة هيغل كانت تتميّز بنوع من الازدواجية والتناقض الداخليّ، ولذلك نشأت الهيغلية بجناحين، يميني ويساريّ. وبينما كان تلامذته اليمينيون يتمسّكون ” بيمينيته”السياسية والاجتماعية ويدافعون عنها، راح تلامذته اليساريون ومنهم ماركس وفيورباخ، يسعون بكلّ الوسائل إلى تخليص “ديالكتيك هيغل ” من الروح المحافظة ويدفعون به إلى الوقوف على قدميه، بدلاً من المشي على رأسه. ولذلك؛ فإنّ كلّ نقد اليسار الهيغلي كان ينصبّ – من خلال نقد هيغل- على نقد ” الأنظمة الدينية الرجعية “في أوروبا، وبشكل أخصّ ضدّ الأساس الذي نهضت عليه الملكية البروسية المطلقة، أي سلطة الكنيسة المسيحية. وأعتقد أنّ صالح يعرف بشكل ممتاز المغزى الفلسفيّ لموقف ماركس النقديّ هذا، كما يعرف بعمق نظرة هيغل المحافظة لأعمال أبيقور اليونانيّ ( المادّيّ) ويعرف جيداً كذلك، كيف أنّ ماركس قام بنقد جريء لموقف هيغل الفلسفيّ من ” مادية” أبيقور”، لأنّ هذا كان بالنسبة لهيغل ” يسلّط كلّ نقده على الدين “. وبالطبع، فلم يكن هذا النقد ليروق لهيغل. ولا أعتقد أننا بحاجة إلى الكثير من البراهين لإثبات أنّ هيغل كان محافظاً في موقفه من التاريخ أيضاً؛ بل ويمينياً في مواقفه السياسية. ولذلك، يجب أن نقرأ موقف هيغل من غزو نابليون بونابرت من هذه الزاوية، فهو في فهمه للتاريخ والعلاقات السياسية الاجتماعية، إنما كان ينطلق من ” يمينيته “، ومن دون أن يقلّل ذلك من عظمته كفيلسوف. يبقى أن نلاحظ في “مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل” أنّ هذه المساهمة انصبّت على تقديم مفهوم جديد للمجتمع المدني، فبينما كان هيغل يرى أنّ المجتمع المدني هو الذي يتحدّد بالدولة، ارتأى ماركس على العكس ” أنّ الدولة هي التي تتحدّد بالمجتمع المدني “. وفي هذا الطلاق الناجز بين التصوّرين، يمكن ملاحظة الروح المحافظة لهيغل وهي ترفرف في سماء الفلسفة، وهي تزعق بالتنازل” لصالح الدولة” حتى وإنْ كانت رجعية وبروسية. لكن، ما هي الظروف التي قادت هيغل إلى اتخاذ موقف مؤيد للغزو النابليوني؟ في الواقع كانت البورجوازية الألمانية بين أعوام 1648-1789 تتطور ببطء شديد مقارنة مع التطوّر السريع الذي كانت تشهده بورجوازيتا انكلترا وفرنسا، اللتان قادتا النضال ضدّ الإقطاعية في عموم أوروبا، بينما تلكّأت برجوازية ألمانيا وتخاذلت عن هذا النضال، وبدت أكثر استعدادا للدخول في مساومات خسيسة مع الملكية المطلقة. وذلك ما كان يثير حنق وغضب الهيغليين اليساريين الشباب، ويدعم نقدهم للمعلم العظيم.

{{ثالثاً :}}

ماذا سنفعل بالقومجية حلفاء الأصولية؟ هل نقوم بـ”إحراقهم” ؟ هل هم حلفاء أم خصوم؟ إنهم يعارضون الأصولية في جوهر أفكارها وتصوراتها النظرية عن الأمة، ويفترقون عنها في طرق شتى. ولهذا، سيبدو مثال نابليون في ألمانيا من منظور الموقف والمشاعر القومية التقليدية، وكأنه لا يُضاهى من حيث المغزى التاريخيّ، إلا بموقف ماركس من بسمارك. لكنّ ماركس الذي لم يرق له موقف هيغل من نابليون، وجد نفسه أكثر ” قومجية من كلّ القومجيين العرب” حين قام بسمارك الرجعيّ بتوحيد ألمانيا بالقوة. لقد حيّا ماركس ” عمل بسمارك ” حتى مع إيمانه أنّ هذا كان متعطّشاً لكلّ المساومات الخسيسة ( بما فيها المباحثات السرية التي أجراها مع لاسال خصم ماركس). وفي هذا المنحى المحدّد من المسألة، سنلاحظ القدرة الفذّة على التمييز بين الموقف التاريخيّ من وحدة ألمانيا كهدف أسمى، وبين ” الموقف من رجعية بسمارك والسلطة البروسية المطلقة”.وحسب تعبير ماركس، فقد قام بسمارك ” بجزء من واجبنا التاريخيّ” : توحيد ألمانيا. آنذاك تبدّت وحدة ألمانيا بالنسبة لماركس، حلما لا يُضاهى اليوم إلا بحلم القوميين العرب بالوحدة العربية وإنْ على الطريقة البسماركية( وبهذا المعنى قد يصبح ماركس قومجيا). كما يمكننا مضاهاة موقف مركس هذا بموقفه من الإمبراطور المحتال لويس بونابرت الذي شنّ حرب ” تجزئة لألمانيا “، ألمانيا نفسها التي وحّدها الرجعيّ بسمارك؟ وأعتقد أنّ العودة إلى ” الثامن عشر من برومير ” سوف تعطي تصوراً كافياً عن مغزى موقف ماركس الثوريّ من الحرب اللصوصية التي شنّتها فرنسا عام 1870 ( فرنسا نفسها التي انطلق منها التنوير البونابرتي).

وفي هذا الكتاب سنرى كيف أنّ ماركس ميّز تمييزاً دقيقاً بين فكرة الدفاع عن” وحدة ألمانيا ” ومصالحها التاريخية، وبين ” أن يتحوّل طابع الحرب فينقلب من طابع دفاعيّ إلى صراع ضدّ الشعب الفرنسي”. لم يقتصر نقد ماركس على الحاضر؛ بل قدّم قراءة نقدية جريئة لتاريخ الصراعات في أوروبا، ووصم دون تردّد كلّ حرب لصوصية، حتى وإن كانت صادرة عن ألمانيا بأنها حرب ” الألمان الكلاب ” و”الألمان الحمقى”. ماركس هذا هو نفسه ماركس الذي نقد تاريخ ألمانيا الإقطاعية، حين كان يقدّم قراءة نقدية للماضي، وليصف حربها ضدّ التشيك عام 1342 بـ ” حرب استعباد للشعب التشيكي المحبّ للحرية”. وكما نلاحظ من سائر هذه المواقف، فقد ظلّ ماركس منسجماً كلّ الانسجام مع قناعاته الثورية، ولم يخطئ في رؤية الطابع اللصوصي للحروب الاستعمارية حتى وهو يتصرّف ” كقومجي”.

{{تفكيك خطاب الجزع الثوريّ عند هاشم صالح}}

والآن دعونا نفكّك خطاب هاشم صالح الثوري( الذي يصدح في بوق التنوير من فوق الجبل). إنه لا يرى في حرب بوش الاستعمارية اللصوصية في العراق سوى ما يلي ( وأنا اقتطف):

1:” ولكنّ الشعب العراقي كان مستعدّاً لأن يقبل بالشيطان إذا جاء وخلّصه من هذا الوضع الذي لا يطاق “- أي وجود نظام صدام حسين- ” يضاف إلى ذلك أنّ هذا الاحتلال زائل قريباً” ( ص 2 من مقالة صالح: التنوير العربي بين كماشتين )

2: ” الشيء الأساسيّ الذي ُتلام عليه السياسة الغربية هو أنها لا تفعل كلّ ما تستطيع لكبح جماح اليمين الإسرائيليّ وإيقاف الاستيطان والعدوان على الأراضي الفلسطينية” ( ص: 2 أيضاً )

3:” وهنا نلاحظ أنّ اليمين المتطرّف المسيحيّ أصبح متحالفاً مع المحافظين الجدد واليمين الصهيونيّ العالميّ بعد 11 سبتمبر ” ( ص: 2، كذلك)

4: ” من المعلوم أنّ اليمين المتطرّف الغربيّ، سواء أكان مسيحياً متزمتاً أم قومجياً فاشياً، كان يكره اليهود تاريخياً لأسباب لاهوتية أوّلاً ثم عنصرية ثانياً،” و”لكنه بعد 11 سبتمبر تحالف معهم أو بالأحرى مع أكثر التيارات تطرفاً فيهم، وأصبح حاقداً على العرب والمسلمين. بهذا المعنى؛ فإنّ التنوير العربي أصبح بين فكّي كماشة ” ( ص: 2 كذلك )
هذه المقتطفات النموذجية، تلخّص بأمانة تامّة كلّ ما ورد من أفكار في مقالة صالح الثانية، وهي أفكار مُستقاة من روح المطابقة بين الموقف من حرب بوش ( في العراق) وموقف هيغل من حرب نابليون( في ألمانيا)

{{أولاً :}}

في هذه المقتطفات سنلاحظ كيف أنّ التأمّلات الفلسفية في مثال هيغل ونابليون، قد انزلقت إلى مستوى خطاب سياسيّ إنشائي ركيك، يخلو من أيّ تحليل عميق ( في مستوى مقالة سياسية صحفية ) ففي المقتطف رقم 1، يمكن لنا أن نصدّق هاشم صالح، وأن نرمي بكلّ الواقع المأسويّ في العراق في سلة المهملات، ذلك أنّ الشعب العراقي كان يريد ” غزواً بونابرتياً ” ويتطلّع إليه بأيّ ثمن، حتى ولو كان مجيء الشيطان؟ صحيح أنّ نظام صدام حسين كان نظاماً ديكتاتورياً ( وكارثياً إذا شئت)، ولكنّ الصحيح أيضاً أن غزو العراق لم تكن له أدنى صلة بهذا الجانب من المسألة؛ بل بمصالح الإمبراطورية الأمريكية التي تطلبت اختلاق أيّ – وكلّ- ذريعة ممكنة، من أجل تمرير مشروع الاحتلال. جزع العراقيين من الديكتاتورية لم يكن سبب الغزو، ولم يكن من بين الأسباب والدوافع التي مهّدت أو سهّلت تمريره؛ وهما أمران منفصلان لا يجوز الخلط بينهما، فالدوافع الكبرى للغزو، قامت على أسس أخرى، قد يكون من بينها استغلال مشاعر الجزع عند السكان. وهذا سلوك تقليديّ في كلّ التجارب الكولنيالية. وإذا ما صدقنا أنّ جزع العراقيين من ديكتاتورية صدام أدّت إلى ” الغزو أو إلى قبولهم به ” ففي هذه الحالة يجب أن نصدّق أنّ مشاعر الجزع عند اللبنانيين في الجنوب من ” زعرنة الفلسطينيين ” و” تمنّياتهم بمجيء شارون لتخليصهم من أبو الزعيم وأبو الجماجم” هي السبب الحقيقي للاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. وهذا غير منطقي وغير مقبول في التحليل. لهذا، ومن زاوية وجود نظام ديكتاتوريّ وحسب، فليس ثمّة أدنى صلة بين مثال نابليون في ألمانيا بمثال بوش في العراق؛ بل بوجود مصالح إمبراطورية سعت من قبل، وتسعى اليوم، إلى أن تضمً بين جناحيها وتحت راياتها، العالم العربيّ الإسلاميّ. ما ثمن الديمقراطية؟ أسألوا العراقيين بمن فيهم من روّجوا للغزو، كيف ينظرون اليوم إلى الشيطان؟ الغريب أنّ صالح يبشرّ العراقيين و”يخفّف من آلامهم تحت الاحتلال ” بالقول ” لا عليكم. اصبروا قليلا. لماذا تتضايقون من الغزو. إنه من أجل التنوير والديمقراطية وحسب. ومن أجل أن تكتمل دائرة التنوير وتشبّعوا ” من أنوار واشنطن ” فما عليكم سوى قبول هذه النبوءة: الاحتلال زائل قريباً، والتنوير سيبقى؟

{{ثانياً:}}

لكنّ هاشم صالح سرعان ما سيشعر بالحرج من حماسته المفرطة للتنوير، ولذا سيقول مستدركاً في المقتطف التالي مباشرة( رقم 2 ) إنّ مشكلة السياسة الغربية ( أيّ سياسة بالضبط ؟) هي أنها لا تفعل أي شيء لوقف الاستيطان في فلسطين المحتلة، ولو أنها فعلت ذلك؟ ماذا سيحدث؟ هل تنفتح “مغارة التنوير “؟ أغلب الظنّ أنّ صالح يقصد التالي: أن لا حلّ في المنطقة من دون تسوية لملف الصراع العربيّ / الإسرائيليّ. دعونا نفترض أنّ حلاً من هذا النوع أمكن التوصّل إليه في النهاية، فهل يعني ذلك أنّ الطريق ستكون مفتوحة أمام التنوير في العالم العربيّ؟ وماذا سنفعل بالأصولية الإسلامية عندئذٍ، وهي التي يقول عنها صالح أنها ” أمَُ العقبات أمام التنوير ” ؟ هل يعني حلّ الصراع العربي/ الإسرائيلي، حلاً تلقائياً لمشكلة الأصولية الإسلامية و”القومجية العربية “؟ لا شكّ أنّ خلط مسألة التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل، مع مشروع التنوير العظيم، هو خلط من النوع المأسويّ، لأنه يشيع أوهاماً سياسية جديدة أكثر تدميراً لفكرة التنوير. ولنتذكّر أنّ من سيقوم بهذا العمل ” التاريخيّ” أي التسوية، ليس الجماهير الثورية ولا جموع التنويريين؛ بل النظام العربي الرسمي “حارس التخلّف” ومعه كلّ حلفائه من “الطبقات الرجعية ومافيا الفساد “.

{{ثالثاً :}}

هذه الفوضى الفكرية والسياسية النموذجية، سوف تختلط بالتمنيات في المقتطفين التاليين( رقم 3 و 4).وهذه التمنيات سوف تختلط بدورها بالتحليل السطحي للوقائع السياسية.وهكذا سيلقي صالح موعظة أخرى من فوق الجبل، فما دام اليمين المسيحيّ المتزمت متحالفا- فقط بعد 11 سبتمبر وليس قبل ذلك. انتبهوا- مع التيارات الأكثر تطرّفاً من كارهي اليهود في أوروبا ( لأسباب لاهوتية ) فقد أصبحنا في مواجهة حلف ” حاقد على العرب والمسلمين ” وبسبب هذا الحلف، فقد أصبحنا- نحن الراغبين في التنوير- بين فكّي كماشة “.هذا يعني ببساطة، أنّ السياسة الغربية التي يلومها صالح لأنها لم تفعل شيئاً لوقف الاستيطان ( ولنلاحظ أن مشكلة الاحتلال أصبحت فقط، أؤكد على فقط، مشكلة استيطان ومتطرّفين يهود) لا تقدّم لنا أي مساعدة للحصول على ” التنوير المطلوب”، لأنّ المشكلة تكمن في وجود حلف شيطانيّ حاقد على العرب والمسلمين. وبالطبع لم يدخل في هذا الحلف، الإسلاميون المتطرّفون وأزلامهم من الأصوليين الظلاميين الذين يكنّ لهم هاشم مشاعر عداء وحقد أين منه حقد الحلف الشيطاني. والآن:كيف يمكن لشعوبنا أن تتقدّم لحلّ مشاكلها وتصبح على أعتاب عصر تنوير جديد ما دمنا نواجه كلّ هؤلاء الأعداء، والغرب لا يقدّم لنا العون، ولا ” يوقف الاستيطان ” في فلسطين ؟ كأنّ المشكلة مشكلة مستوطنات ؟ كما أنّ الأصولية متحالفة مع الشياطين ( مع أننا رأيناها في مقتطف سابق في صورة ضحيّة لاجتياح العولمة والحداثة )؟

ها كم الوصفة التي يقترحها صالح، وأنا اقتطف من الصفحة 4 و 5)

1: ” ينبغي تغيير الإيديولوجيا العربية. أقصد بأنّ الايديولوجيا القومجية على طريقة صدام والايديولوجيا الأصولية على طريقة الظواهري أو مقتدى الصدر أو بن لادن أصبحت خارج قوس، أو ينبغي أن تصبح وعلينا تفكيكها وتقويضها ”

2″ لقد فوجئت عندما طرحت مشكلة العنصرية في فرنسا بعد صعود جان ماري لوبان وتيار اليمين في الثمانينات من القرن الماضي، فوجئت بردّ فعل المثقفين الفرنسيين، وقارنت بينه وبين ردّ فعل المثقفين السوريين والعرب عموماً عل الظاهرة الأصولية والطائفية “، ففي الحالة الأولى ” راح المثقفون الفرنسيون يعترفون أولاً بوجود الظاهرة “، “وهكذا راحوا يشرحون الظاهرة من كافة النواحي ”

3: ” فلنحلّ إذن المشكلة الطائفية قبل أن نتصدّى للمشكلة الطبقية ” ” فالفقير السنّيّ أو الشيعي ّسوف يظل يتضامن مع ابن طائفته حتى ولو كان يحتقره وذلك ضدّ الفقير المنتمي إلى الطائفة الأخرى ” و”لا يمكن أن يوجد تضامن طبقيّ في ظلّ سيطرة التضامن الطائفي ”

سنقوم هنا بتفكيك جانب آخر من “خطاب الجزع السياسيّ ” ولنلاحظ أنّ صالح في هذه المقتطفات، يقوم بحركة التفافية بارعة، فالمشكلة التي تواجه غرامنا بالتنوير ” زائلة تقريباً، وأصبحت خارج التاريخ، أو يجب أن تصبح كذلك، فالايديولوجيا القومجية على طريقة صدام، وكلّ الأصوليين على طريقة الظواهري، الصدر وابن لادن، هي الآن ” خارج قوس “. كلّ المشكلة أننا لم نغيًّر بعد ” الايديولوجيا العربية “. وهكذا، لم تعد هناك عقبة الاستيطان ولا الحلف الشيطاني في الغرب ولا وجود ” أمّ المصائب : أي الأصولية “. لقد تلاشى الخطر ولم يتبقّ أمامنا سوى خطوة واحدة: أن نهزم الإيديولوجيا العربية ونستريح تحت الشجرة. وأريد هنا أن اعترف بأنني لا أعرف بالضبط المعنى المقصود من ” الايديولوجيا العربية القومجية “؛ فإذا كان المقصود ” كلّ تعبيرات الفكر القوميّ “؛ فإنّ نموذج التنوير الذي أنجزته أوروبا لم يجد أدنى صعوبة في شقّ طريقه إلى المجتمعات، بينما كان الفكر القومي يزدهر. بل كيف يكون التنوير تنويراً إذا لم يكن مؤسّساً على الحقّ في ” التفكير المختلف ” ؟ إنّ استخدام اللقب التحقيري ” قومجي، قومجية ” في وصف مفكرين ومثقفين ومواطنين عاديين يؤمنون بالفكر القومي، هو ” أصولية علمانية مقيتة، ستقوم بدلاً من ” افتتاح عصر التنوير العربي ” بغلق كل المنافذ أمام صناعه. ومع ذلك دعونا نصيخ السمع بطريقة أفضل لكلمات صالح، لأنها تخرج مدوّية وصاخبة مع زفرة الجزع، لأنّ المقصود، كما يبدو من تعبير ” الايديولوجيا العربية القومجية ” التي أصبحت ” خارج القوس ” أي خارج المجتمع والتاريخ، إنما هو أسلوب أو” طريقة تفكيرنا نحن العرب ” فنحن لا نفكر على طريقة المثقفين الفرنسيين، ولا نتماثل معهم في أسلوب المعالجة، أي لا نشبههم في شيء، فهم – كما يقول في المقتطف 2- يعترفون بالمشكلة حين تقع ( ونحن لا نتعرف ) وهم ” يشرحون الظاهرة من كل النواحي ” و( نحن بالطبع لا نفعل).
إذا كان هذا هو المقصود بـ” الإيديولوجيا العربية “فإنّ السبيل إلى حلّ مشاكلنا يكمن فقط في ” تغيير الأسلوب ” أي أن نمارس الاعتراف العلني، ثم نشرح ونناقش، وبعد ذلك سنجد أنّ كلّ مشاكلنا وقد أضحت قابلة للحلّ؟ هذا التبسيط المرّوع ينطوي على خداع، شبيه بخداع الطبيب المزيّف الذي يطلب من مريضه الاعتراف بالألم كسبيل لشفائه منه. وهو شبيه بخداع رجال الدين الذين لا يقدمون للرعايا المتألمين من ضربات الفقر الموجعة ومن هدر الكرامة والقمع في مجتمعاتنا، سوى نصيحة الدعاء والتضرع إلى الله. إنه العلاج السحري ” الأصولي العلماني ” الجديد الذي ينصحنا به صالح:” الاعتراف بوجود الألم “، أي الاعتراف بوجود المشكلة كسبيل لعلاجها.المشكلة، إذن ليست في وجود الألم؛ بل في الاعتراف به؟ وهذا ما سيقوله بتعبير أوضح في المقتطف التالي( المقتطف رقم 3) : المشكلة لا تكمن في المجتمع الطبقي الذي يسحق البشر؛بل في المجتمع الطائفي. أي في وجودنا في مجتمع تضامنيّ نموذجيّ، يصبح فيه الفقير الشيعيّ حليفاً للبرجوازي الشيعيّ، لمجرد انه ينتسب مثله إلى الطائفة نفسها، كما يصبح البرجوازي السني حليفا للفقير السني، عطوفاً وغيوراً عليه لأنه ” ابن طائفته وحسب “.

مجتمع كهذا لا وجود له في التاريخ العربي لا اليوم ولا بالأمس، فصاحب المصنع الشيعي يسحق ويستغل عاملاً شيعياً ويسرق حقوقه ببساطة، ومن دون أن يتذكر هذا البعد في الرابطة المذهبية، ولكنه يمكن أن يشاركه اللطم والبكاء على الحسين بن علي في مجلس عزاء واحد. إنه يتضامن معه في المشاعر لا بالنقود. والفقير السني الذي تطحنه ماكينة العمل المأجور لا يشفع له، عند صاحب عمله، كل حبه لعمر بن الخطاب. فأي تضامن “طائفي” هذا الذي يوحّد الطوائف في مجتمعاتنا في صفوف متقابلة وخطوط فاصلة؟ هل نجد في العراق مثلاً، بوصف هذا البلد “موضوعاً من موضوعات التنويريّ الإمبراطوريّ ” مثل هذا التقابل في حالة الطوائف؟ فأين نضع إذن جواد الخالصي الشيعي وحارث الضاري السني ؟ هل هما متضامنان ضدّ الغزو والاحتلال بدافع الحبّ والانتماء للطائفة؟ مثل الاصطفاف لا وجود له إلا في مخيّلة محلّل سياسي متفلسف يهوى هيغل؟

في مرآة التاريخ المخادعة غالباً ما تظهر صور الأبطال والمجرمين على حدّ سواء، كما لو أنها صور متماثلة ومتطابقة. وفي هذه المرآة تراءى نابليون لهيغل، كما تراءى بسمارك لماركس. الأوّل في هيئة فاتح عظيم، والثاني في هيئة ” بطل قوميّ “. وهذا حقيقيّ تماماً. لكنّ استخدام هذه اللحظة من التاريخ في استنتاجات مفرطة باليقين، بأنّها رؤيا صحيحة صحة الدين وقابلة للتعميم والاستنساخ، قد تنطوي على مخاطر السقوط في نوع من الاستسلام للتاريخ بدلاً من نقده. وما يتراءى في الايديولوجيا قد لا يكون هو عينه ما يتراقص في الواقع. لقد حذّر ماركس بقوّة في” الايديولوجيا الألمانية ” مما أسماه خداع الايديولوجيا، وكان يردّد دائماً أنها بالمعنى الألماني ” تزييف للواقع”. ولعلّ هيغل نفسه كان الوحيد القائل إنّ التاريخ مليء بالخدع، وأنّ مرآته ليست لوحاً زجاجياً صافياً دون خدوش أو انكسارات مشوّهة للصور. وعلى العكس من ذلك، يبيّن ” نقد التاريخ ” وليس ” سرد التاريخ ” أنّ هذه الصور غير قابلة للمطابقة، إلا إذا جمعنا يهوذا الإسخريوطي مع يوحنا المعمدان، ويزيد بن معاوية مع الحسين بن علي ولويس بونابرت مع نابليون بونابرت.

{{تقرؤون في هذا الجدل:}}

{هاشم صالح: من هيغل ونابليون إلى هابرماس وبوش}

{فخر الدين فياض:هيغل بين عظمة الامبراطور وتواضع الفيلسوف… وجورج بوش ليس نابليون الأفية الثالثة}

{فخر الدين فياض: ألمان هيغل ليسوا عراقيي الزرقاوي والصدر}

{هاشم صالح: ردا على فخر الدين فياض… إلى لا أحد}

{شادي العمر: دفاعا عن هاشم صالح وردا على فخر الدين فياض}

{فخر الدين فياض: ردا على شادي العمر… محنة الثقافة العربية بين التكفير الأصولي والتكفير (العلماني)}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق