هل ولد يسوع في 25 ديسمبر ؟ (2/2)

في الحلقة الماضية من هذا الدراسة قمنا باستقصاء الخلفية الفلسفية والدينية الكامنة وراء تقديس يوم 25 ديسمبر في ثقافات الإمبراطورية الرومانية خلال القرون الميلادية الثلاثة الأولى، فعرضنا للأحداث التي قادت إلى انتقال إله الشمس السوري من حمص إلى روما، ثم لأفكار الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، ثم لسيرة الإمبراطور أورليان ورفعه لإله الشمس السوري معبوداً أعلى في الإمبراطورية الرومانية بعد مطابقته مع الإله هيليوس تحت اسم سول إنفيكتوس أي الشمس التي لا تقهر. وفي هذا الحلقة نتابع هذا الاستقصاء وصولاً إلى عصر الإمبراطور قسطنطين راعي المسيحية.

{{ الفلسفة الرواقية المتأخرة :}}

كانت الرواقية في نشأتها مذهباً أضعفَ ارتباطاً بأرض اليونان الأصلية من الفلسفات اليونانية الأخرى، وأشهر ممثليها كانوا من الفلاسفة الشرقيين. وقد قامت هذه الفلسفة على أفكار فينيقيّ من قبرص يدعى زينون (335-263 ق.م). كان اهتمام زينون أخلاقياً بالدرجة الأولى، ومن المشاكل التي عالجها والتي ظلت بعد ذلك الشغل الشاغل للرواقية هي مشكلة الحتمية (أو القدرية) وما يتصل بها من مشكلة حرية الإرادة. وهاتان المشكلتان لا يمكن فهمهما إلا على ضوء فهم التركيب الكلّي للكون. فقد رأى زينون أنّ المادة الأصلية هي النار ومنها تنفصل العناصر الأخرى بمضيّ الوقت لتشكّل معالم الكون، وفي النهاية يحدث حريق شامل ويعود كلّ شيء إلى النار الأصلية، ثمّ يتشكّل الكون من جديد في دورات لا تنتهي من الخلق والفناء وإعادة الخلق. أمّا القوانين التي تُسيّر العالم فتصدر عن فعالية إلهية تحكم التاريخ بكلّ تفاصيله، حيث يحدث كلّ شيء من أجل هدف معيّن على نحو مقدّر مسبقاً. وهذه الفعالية الإلهية هي قوّة كامنة في الكون وليست شيئاً خارجاً عنه (1) .

أما تلاميذ زينون الذين ترأّسوا المدرسة الرواقية على التوالي، فقد جاء معظمهم من آسيا الصغرى وبشكل خاص من منطقة كيليكيا على البحر المتوسط، وجاء بعضهم من سورية. فقد ترأس الرواقية بعد زينون مباشرة تلميذه آراتوس من مدينة صولي القريبة من طرسوس عاصمة كيليكيا (315-240 ق.م)، ومن أشهر مؤلّفاته كتاب الظواهر Phenomena الذي درس فيه أحوال الفلك، وعقد صلة لا تنفصم عراها بين الرواقية وأحوال السماء. وقد عاصر أراتوس واحد من حلقة زينون يدعى آثينودوريوس وهو من مدينة صولي أيضاً. ومن صولي جاء كريسبوس (280-207 ق.م) الذي قدم أوّل عرض منهجيّ للمذهب الرواقي. تلاه زينون من طرسوس، ثم سلوقس من منطقة الدجلة، ثم ديوجين البابلي، ثمّ انتيباتر من طرسوس واثنان من تلامذته الطرسوسيين أرخيديمُس وهيراكليد، ثم بوسيدونيوس السوري الذي يوصف بأنه واحد من أهمّ المفكرين في التاريخ القديم، وكان أستاذاً للكاتب الروماني الشهير شيشرون، ثمّ آثينودوريوس الكبير وأثينودوريوس الصغير وكلاهما من طرسوس، وقد عاصر الصغير الإمبراطور أوغسطس (27 ق.م – 14 م) الذي تعلّم على يديه، ثم صار حاكماً لمدينة طرسوس، وتلاه في حكمها بعد ذلك رواقيّ آخر يدعى نسطور، وبذلك تحقّق حلم أفلاطون في دولة يحكمها الفلاسفة (2).

لقد قاد اهتمام الرواقيين المتأخّرين بعلم الفلك والتنجيم وإيمانهم بالقدر الذي يتحكّم بكلّ الحوادث، إلى التبشير بنوع من العقيدة الكوكبية التي ترى أنّ الأجرام السماوية هي كائنات إلهية، ولكنّ الإله الحقّ الأعلى هو العقل الذي يتخلّل الفراغ الكونيّ، على حدّ قول كريسبوس. هذا العقل الشموليّ يدعوه بوسيدونيوس السوريّ بالحنان الكوني الذي يجمع أجزاء العالم في وحدة لا تنفصم. ومن ناحية أخرى فقد أكّد رواقيون آخرون على ألوهية الشمس واعتبروها بمثابة سيد الكون والمبدأ الناظم له. وعلى حدّ وصف الكاتب الروماني بليني لهذه العقيدة: ” في الوسط تتحرّك الشمس التي تفوق الجميع في الحجم والطاقة، وهي التي تنظّم الفصول وحركة بقية النجوم في السماء، وعلى هذا يجب الاعتقاد بأنّها روح الكون أو عقله.” ويقول شيسترون وهو أحد مصادرنا الرئيسية عن الرواقية المتأخرة في كتابه “حلم سكيبيو” ما يلي: “إن فلك النجوم الثابتة هو الحاوي على كلّ شيء وهو الإله الأعلى، وتحته سبعة أفلاك تتحرّك في اتجاه معاكس لحركته. في وسط هذه الأفلاك هنالك الشمس سيّدة الأنوار كلها، وهي العقل والمبدأ المتحكّم بالكون. ” في هذه الصياغات المتعددة للعقيدة الرواقية المتأخرة، نجد أنفسنا أمام ألوهتين رئيسيتين توصف كل منهما بأنها حاكمة الكون وناظمه. فمن جهة هنالك “العقل الذي يتخلل الفراغ الكوني” أو “الحنان الكوني” أو “فلك النجوم الثابتة “، ومن جهة أخرى هناك ” الشمس حاكمة العالم “. ونحن لا نستطيع التوفيق بين هاتين الألوهتين إلا إذا اعتبرناهما ألوهة واحدة من حيث الجوهر، وأن إحداهما وهي الشمس قد صدرت عن الأخرى، على طريقة الأفلاطونية المحدثة، وصارت صورتها المرئية في العالم وقوتها الفاعلة فيه (3) .

{{ ميثرا والميثروية :}}

خلال القرن الأول قبل الميلاد وفي الموطن الأصلي للفلسفة الرواقية (كيليكيا)، إبان عهد المملكة الفارسية التي أسسها ميثراديتس السادس في منطقة البنط وضمت إليها أجزاء واسعة من آسيا الصغرى، ظهرت في كيليكيا عبادة جديدة انتشرت في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، من البحر الأسود إلى اسكتلندا غرباً وإلى الصحراء الأفريقية الكبرى جنوباً. تركزت هذه العبادة حول إله قادم من إيران يدعى ميثرا. وتقول أسطورته الأصلية أنه ولد تحت شجرة تنمو قرب مجرى مائي، حيث انبثق من صخرة على هيئة طفل عار يحمل بإحدى يديه مشعلاً يدلّ على أصله الشمسيّ (4)، (قارن مع ولادة عيسى في القرآن الكريم عند جذع نخلة يتدفّق تحتها سريّ، أي مجرى مائيّ – مريم : 22-23).

وقد تمّت مطابقة ميثرا مع إله الشمس الكلاسيكيّ هيليوس في صيغته الأخيرة باعتباره الشمس التي لا تقهر، وانتزع منه لقب ” سول إنفيكتوس “. ويُعبّر الفنّ المصور الميثروي عن هذه المطابقة في العديد من المنقوشات التي يظهر فيها الإلهان وهما يتصافحان بمودة. كما يعبر الفنّ المصوّر عن دور ميثرا كحاكم شمسيّ للكون بطرق شتّى، فنجده أحياناً منبثقاً من صخرة الميلاد وهو يحمل بيده كرة الكون، أو على هيئة شابّ عار يحمل بيده اليسرى كرة الكون وباليمنى يسند دائرة الأبراج السماوية. وفي المشهد التقليدي لميثرا وهو يضحّي بالثور السماوي نجد عباءته الشرقية منفتحة وراءه على هيئة قبّة ترتسم عليها نجوم السماء وأبراجها، وقد يوضع هذا المشهد ضمن دائرة الأبراج، الأمر الذي يشير إلى الرمزية الكونية لمشهد القربان وصلته بالنظام السماويّ. على أنّ ميثرا ما لبث حتى تحوّل تحت تأثير المفاهيم الرواقية المتأخرة إلى فكرة مجرّدة عن الألوهة المطلقة الخافية التي تتّصل بالعالم عن طريق وسيط إلهيّ أدنى هو الشمس: العقل المدبر للكون وحاكمه المباشر. وهنا يعبر الفنّ المصوّر عن هذه العلاقة الجديدة من خلال مشاهد نجد فيها هيليوس راكعاً أمام ميثرا الذي يضع يده على رأسه في حركة تدلّ على منحه لقباً وتخويله سلطاناً(5) .

هذا التشابه في العقائد وفي الطقوس المرتبطة بها أدهش المسيحيين أنفسهم فاعتبروه من صنع الشيطان، أمّا الميثرويون فكانوا يتّهمون المسيحيين باقتفاء أثرهم واقتباس معتقداتهم. وفي القرن الرابع الميلادي بدأت الميثروية بالتراجع أمام المسيحية في كل مكان حتى اختفى أثرها. على أنّ المراقب لذروة التنافس بينهما إبان القرن الثاني الميلادي، بإمكانه القول أنّه لو قيض للمسيحية أن تكبو في مسيرتها لسبب ما، لكان الغرب اليوم ميثروياً.

من هذا العرض (الموجز بما يكفي لغاية بحثنا) للمشهد الديني في الإمبراطورية الرومانية خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد، نلاحظ أنّ الوثنية المتأخرة المنفتحة على الأفلاطونية المحدثة وعلى الرواقية المتأخّرة، كانت تتقارب مع المسيحية في صيغتها الغربية على الرغم من الصراع القائم بينهما. فقد كانت الوثنية تفارق التعددية في اتجاه نحو التوحيد، في الوقت الذي راح المفهوم التوحيدي الأصلي للمسيحية يعرض نفسه في صيغة تعدّدية: الآب، والابن، والروح القدس. في هذا الثالوث يلعب المسيح دور العقل المدبر للكون باعتباره الكلمة، أو اللوغوس الذي صدر عن الآب. أي إنه اتخذ دور الشمس كحاكم للعالم في الأفلاطونية المحدثة والرواقية المتأخرة والميثروية. وبذلك صار المناخ الفكريّ مهيئاً للمطابقة بين المسيح وسول إنفيكتوس. وهذا ما حقّقه الإمبراطور قسطنطين.

{{ قسطنطين والعبادة المسيحية – الشمسية :}}

لقد لعب الإمبراطور قسطنطين (306-337 م) في تاريخ المسيحية الدور الذي لعبه قورش الفارسي في تاريخ الديانة اليهودية. فبعد دخول قورش إلى بابل عام 539 ق.م ووراثته لأملاكها في مناطق غربي الفرات، أصدر مرسومه الشهير الذي سمح فيه للشعوب التي سباها البابليون ومن قبلهم الآشوريون بالعودة إلى ديارهم. وكان سبي مملكة يهوذا الفلسطينية من جملة المستفيدين من هذا المرسوم، فأخذوا بالعودة إلى أورشليم على دفعات حيث أعادوا بناء المدينة والهيكل، وهي العودة التي آذنت ببداية التاريخ اليهوديّ الذي ترافق مع تدوين أسفار التوراة. أمّا قسطنطين فبعد انتصاره في معركة جسر ميلفيان التي أكسبته عرش روما، أعلن مرسوم ميلان الشهير الذي نص فيه على الحرية الدينية لجميع الطوائف في الإمبراطورية، وعلى رأسها الكنيسة المسيحية التي ردّ إليها أماكن العبادة والعقارات التي صودرت منها في العهود السابقة وسمح لها بالتبشير علناً دون رقيب. وكان هذا المرسوم منعطفاً حاسماً في تاريخ المسيحية التي تحولت بعد أقل من نصف قرن إلى ديانة رسمية للإمبراطورية. وكما أطلق المحرّرون التوراتيون على قورش لقب مسيح الربّ على الرغم من أنّه لم يكن يهودياً (إشعيا 45: 1)، كذلك رفعت كنيسة روما قسطنطين إلى مصافّ القديسين على الرغم من أنه لم يكن مسيحياً.

وتقول القصص التي تحدثت عن معركة جسر ميلفيان التي هزم فيها قسطنطين منافسه ماكسينتيوس، أنّه رأى قبل المعركة على شمس منتصف الظهيرة صليباً نُقشت عليه عبارة ” بهذه الشارة سوف تنتصر” (قارن مع التجلّي الإلهي الذي ظهر لأورليان على أبواب حمص، ونُسب بعد ذلك لإله الشمس، مما أوردناه سابقاً). وبعد ذلك أمر قسطنطين بصنع راية على الشكل الذي تبدى له وأضاف إليها الحرفين الأولين من اسم المسيح (= خريستوس)، رُفعت بعد ذلك في المعركة، كما أمر جنوده برسم الشارة على تروسهم ودروعهم. ونحن إذا سلمنا جدلاً بوجود أصل منطقيّ لهذه القصة، فلن نجده إلا في حلم رآه قسطنطين في الليلة السابقة للمعركة، ظهر له فيه إله الشمس التي لا تقهر “سول إنفيكتوس” في منتصف النهار (وهو الوقت المناسب لتجلّي هذا الإله) في هيئة قرص الشمس وعليه شارة ما فُسّرت بعد ذلك بأنها الصليب المسيحيّ. وفي الحقيقة فإنّ مسيرة حياة هذا الإمبراطور تؤكّد لنا هذا التفسير (6) .

على عكس ما يعتقده الكثيرون فإنّ المسيحية لم تغدُ الدين الرسمي للدولة خلال عهد قسطنطين، وأوّل الأباطرة المسيحيين هذا لم يتلقّ المعمودية وهي طقس الدخول في المسيحية إلا وهو على فراش الموت. إنّ القصة الحقيقية لتحوّله إلى المسيحية ترسم أمامنا شخصية عاهل متردّد فكرياً لم يكن من السهل عليه أن يتخلّى عن معتقداته التي شبّ عليها، لا سيما عبادة الشمس الإمبراطورية، لصالح المسيح. وقد كانت مسيرته في تغيير الديانة الوطنية مسيرة حذرة راقبها كل من المسيحيين والوثنيين بوجل وترقّب لما ستنجلي عنه مواقف مليكهم.

في مرسوم ميلان لم يشر قسطنطين بشكل مباشر إلى إله المسيحيين، بل اكتفى بإطلاق لقب عامّ على الألوهة الكونية التي دعاها “إله السماء”، وهذا اللقب ينطبق على الإله المسيحيّ مثلما ينطبق على إله الشمس. كما أنّ هذا المرسوم لم يجعل من المسيحية ديناً للإمبراطور ولا ديناً للدولة وإنّما ساواها مع بقيّة الديانات المعترف بها في الإمبراطورية وحَصَّنها من الاضطهاد. كما أنّ قسطنطين لم يُتبع مرسوم ميلان بأيّ مرسوم آخر ذي طابع قانونيّ يتعلّق بالمسيحية والمسيحيين، وإنما كان على الناس تتبُّع مواقفه وتصريحاته الشخصية التي تكشف عن ميوله الخاصة لا عن مواقف رسمية حاسمة. فالإمبراطور بقي إلى ما بعد أواسط العمر مثابراً على رعاية الديانة الرومانية التقليدية وأنفق بسخاء على بناء معابد آلهتها، كما رفع أباه المتوفى إلى مجمع الآلهة وأقرّ له عبادة خاصة محتذياً بذلك مثال العديد من الأباطرة السابقين الذي أُلهوا بعد مماتهم. وعلى الرغم من أنه أعلن في سنواته الأخيرة أنه لن يدخل معبداً وثنياً، وعمل على تشجيع كل متعمد بمنحه ثوباً أبيض وعشرين قطعة ذهبية، إلا أنّه لم يتّخذ خطوة واحدة في سبيل إغلاق المعابد الوثنية وصرف كهنتها كما هو متوقع من إمبراطور قرر التحول إلى المسيحية. إنّ كلّ الدلائل تشير إلى أنّ عقيدته الخاصّة كانت مثل أورليان موجّهة نحو إله الشمس الذي اشتُهر في كلّ مكان بأنه الحامي الخاصّ للإمبراطور. ولكنّ هذا الإله كان يتوحّد تدريجياً في عقله بالمسيح الذي قال عن نفسه في إنجيل يوحنا: “أنا نور العالم” (يوحنا 8: 12). وقال : ” آمنوا بالنور ما دام لكم النور، فتكونوا أبناء النور” (يوحناً 12: 36).

ومع ذلك فقد مجدّت الكنيسة فضائل نصيرها الكريم، وكان اسمه يذكر مضافاً إليه لقب “المساوي للرسل”، ولكنها غضت الطرف عن عيوبه وسقطاته التي لا تتناسب مع هذا اللقب، وكانت المهمّة غير المحبّبة لنفس أسقف روما هي التستّر على فظائعه الكثيرة وتبريرها، لا سيما قتله لابنه الأكبر من زوجته الأولى المدعوّ كريسبوس. كان هذا الابن محبوباً من قبل الجميع لثقافته وعلمه وبسالته، وكان الشعب يهتف باسمه إلى جانب اسم أبيه. ولكن سرعان ما أثارت هذه الشعبية المحفوفة بالمخاطر انتباه الأب الذي كان في الجزء الثاني من حياته يتوجّس خيفة من انقلاب موهوم عليه. وقد غذّا الوشاة هذا الوهم حتى تحوّل في ذهنه إلى حقيقة، وكان المتهم الرئيسيّ في المؤامرة هو الابن التعس الذي خضع لمحاكمة سرّية قصيرة وجرى إعدامه. وبعد فترة أعدم زوجته الثانية التي أنجبت له عدّة أولاد بتهمة الزنا مع أحد العبيد، ولكنّ هذه التهمة لم تكن إلا واجهة ستر وراءها شكوكه بصلة لها بالمؤامرة المزعومة التي أثبت الزمن بعد ذلك بطلانها.

لقد كان قسطنطين يهدف على ما يبدو إلى توحيد الإمبراطورية دينياً بعد أن أعاد إليها الوحدة السياسية. وقد توجّه تفكيره في البداية نحو صياغة الإيديولوجيا الإمبراطورية حول الإله سول إنفيكتوس. فالشمس في سطوعها على أصقاع الإمبراطورية هي خير رمز يعبر عن وحدتها، ثم أخذ يجد ضالّته تدريجياً في النزوع العالميّ للمسيحية ولكن من غير أن يتخلّى عن سول إنفيكتوس، لا سيما وأنّ عبادة هذا الإله كانت توحيدية في جوهرها. وتُعبّر التماثيل التذكارية التي نصبها قسطنطين عن هذه النزعة التوفيقية التي تحكمت بتفكيره. من ذلك مثلاً التمثال الذي أمر بنصبه على عمود بورفيري في عاصمته الجديدة القسطنطينية، والذي يمثّل الإمبراطور على صورة إله الشمس هيليوس وهو يحمل بيده كرة العالم التي ارتفع عليها الصليب (قارن مع صور ميثرا التي أشرنا إليها أعلاه)، وعلى قاعدة العمود نقشٌ يقول: ” قسطنطين الذي يضيء مثل الشمس”، وكان نظر التمثال يتّجه نحو الأعلى إلى الشمس الطالعة. وهناك ميداليات ذهبية يظهر عليها الإمبراطور وإله الشمس كتوأمين. ومنذ عام 324 أقرّ قسطنطين صكّ نقود معدنية عليها صورته وهو رافع يديه نحو الشمس، أو صورة إله الشمس وهو يظلّل القيصر الذي يحمل بيده لواء الصليب، أو صورة الشمس منفردة وهي ترسل أشعّتها في كلّ اتجاه. وعلى قوس النصر الذي بناه يظهر إله الشمس إلى جانب الإلهة فيكتوريا ربّة النصر وأمامهما يقف القيصر.

ولم يبق على قسطنطين إلا أن ينتظر إعلان السلطات الكنسيّة رسمياً ألوهية المسيح من أجل أن تكتمل في ذهنه المطابقة بين سول إنفيكتوس، والمسيح وهذا ما تمّ في مجمع نيقية عام 325 م الذي دعا إليه الإمبراطور من أجل توحيد وتنميط العقيدة المسيحية. فقد أقرّ المجتمعون أنّ يسوع المسيخ هو اللوغوس، أو العقل الكونيّ المنبعث عن الآب والمساوي له في الجوهر.

وهكذا توفّرت كل الأسباب الداعية إلى اعتبار يوم 25 ديسمبر/ك1 بمثابة يوم ميلاد يسوع المسيح. وهذا ما أقره قسطنطين عندما قدّس يوم الأحد الذي كان يوماً مقدّساً عند طائفة ميثرا وجعله يوم عبادة وراحة للمسيحيين بدل يوم السبت اليهودي، كما قدّس يوم 25 ديسمبر باعتباره يوم ميلاد المسيح، وهو يوم ميلاد ميثرا وبقية الآلهة الشمسية. ففي هذا اليوم تبلغ الشمس أقصى مدى لها في الميلان عن كبد السماء ويبلغ النهار أقصى مدى له في القصر، ثمّ تأخذ في الارتفاع تدريجياً كلّ يوم ويأخذ النهار في الزيادة على حساب الليل. لقد انتصرت الشمس التي لا تقهر.

بعد نحو عقدين على وفاة قسطنطين أقرّ البابا ليبيريوس في عام 353م يوم 25 ديسمبر باعتباره التاريخ المعتمد لميلاد المسيح (7).

{{الهوامش :}}

1 – برتراند رسل: حكمة الغرب ، الكويت 1983 ، ص211 – 212 .

2 – David, Ulansey, The Origins of Mithraic Mysteries, Oxford, 1989, PP.68-70

3 – ديفيد أولانسي، المرجع نفسه، ص 107 – 109 .

4 – Joseph Campbell, Occidental Mythology, Penguin, 1977, P. 260

5 – بخصوص عبادة ميثرا وعقائدها، راجع ديفيد أولانسي، المرجع السابق، الفصلان الثاني والسابع .

6 – من أجل أخبار قسطنطين انظر المراجع التالية:

– اداور جيبون: سقوط الإمبراطورية الرومانية، ترجمة أحمد نجيب هاشم، القاهرة 1997، الجزء الأول، الفصل 18.

– فرانتز ألتهايم، إله الشمس الحمصي، ترجمة إيرينا داود، دمشق 1990، الفصل 7.

– J.J.Norwich, Short History of Byzantium, Penguin, 1988, ch.1

– Michael Baigent, The Holy Blood and Holy Grail, London, 1982. Ch. 13

7- من أجل هذا الخبر عن البابا ليبيريوس، انظر جوزيف كامبل في المرجع رقم 4 أعلاه، ص339.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق