هل يقتل العمل الحقوقي العربي الجدلية الثقافية داخل المجتمع؟

اعتبرنا في مقال سابق لنا حول الحرية والمواطنة في الواقع السياسي العربي، أنّ الخطأ الفادح الذي ترتكبه النخبة العربية هو تمترسها خلف مقولات تجهل حقائق التاريخ والاجتماع، وترفض فهم العوامل التي تدفع بفئات المجتمع البسيطة إلى رفض التفاعل مع أطروحاتها، وهو ما من شانه أن يساهم في تعميق الشرخ بين الطرفين، بما يحول دون تحقيق تغيير حقيقي في الواقع السياسي والاجتماعي، وهو في نظرنا مأزق العمل الحقوقي العربي، الذي لم ينتبه إلى الآن إلى الأسلوب الأمثل لردم هذه الهوة، وليس تخصيصنا للعمل الحقوقي العربي إلا لأنّ هذا الأخير أصبح في السنوات الأخيرة ملجأ النخب للتغيير. متسائلين عن السبيل الأمثل لتجاوز هذا المأزق؟

لا أحد ينكر مدى التقدّم الذي حقّقه العمل الحقوقي العربي داخل هذه المجتمعات، رغم تغوّل الدولة و”ضعف قوام المجال العموميespace publique”، ” الذي تُمارس فيه عمليات النقد والنقاش العامّ في المسائل السياسية والاجتماعية التي تهمّ المجتمع، أو هو المجال الذي تُصنع فيه القيم”1..لكنّ هذا التقدّم تمّ في ظلّ غياب “المبدأ الجامع الأوّل”، أي أنّ المجتمع لم يكن يتصرّف كوحدة، وكان منقسما على نفسه انقساما سياسيا اختفت معه السياسة “بما هي مسؤولية جماعية وخدمة للمصالح العامّة وتأسيس لمجال العامّ وفضاء العموميّ”2. ومردّ هذا الانقسام في نظرنا أمران: تمسّك النخبة بحدّية المرجعية الحقوقية وتعلّقها بتثوير البنى التقليدية للمجتمع، وهو قول يطرح من الأسئلة أكثر ممّا يجيب، ولا يسلم في الوقت نفسه من السؤال والاعتراض .

نحاول في هذه المقاربة أن نجلي بعضا، مما نتوقع أن تفسيرا مماثلا قد يطرحه من إشكال في ذهن القارئ، والسؤال الأوّل الذي يطرح هنا: هل للنخبة الباحثة عن تأسيس مجال عامّ، بالمعنى المشار إليه آنفا، سبيلٌ غير التمسّك بالمرجعية الحقوقية، والسعي في الوقت نفسه إلى تثوير البنى التي تقف عائقا أمام تكريس مبادئ هذه المرجعية في الواقع؟

لا يختلف اثنان حول ما أضحت تمتلكه مرجعية حقوق الإنسان والمواطنة من سلطة في الفكر والواقع، إلى درجة أنّ كلّ المدارس صارت تعمل من أجل تطويع الأسس النظرية التي تحتكم إليها مع متطلّبات هذه المرجعية. وصرنا أمام ما يمكن أن نطلق عليه بظاهرة “تحيّل” فكريّ، نحملها هنا محملا إيجابيا باعتبارها تسهل عملية التطوير والمراجعة داخل الأنساق الفكرية، خاصّة منها المتسمة بالانغلاق. ورغم حرص دهاقنة الفكر داخل هذه المنظومات على منع كلّ تغيير فإنّ “المتحيّلين الجدد” يستطيعون أن يعبروا في غفلة، يكون لها ما بعدها.

غير أنّ وجه الاحتراز الذي يثار ضدّ هذا التحيّل، هو الخوف من أن يتحوّل إلى عائق دون ممارسة عملية نقدية واعية داخل المرجعية التي يسعى الجميع إلى الانخراط فيها، والحال أنّ ما تحمله “متغيّر وفق المكان والزمان ويبرز كبناء تاريخي يكتسب وينقل ليبقى ويتطور” 3؟ ذلك أنّ الامتناع الواعي أو غير الواعي عن ممارسة العملية النقدية، والتمسّك الحدّي بمرجعية ما مهما بلغت قيمتها، يرتقي إلى مرتبة “السلطة ” ذات الفعالية القوية التي تتحكم في سيرورة الفكر والجهد. فإذا سحبنا هذه القاعدة على عمل النخبة والنضال الحقوقي العربي، ووضعنا في الاعتبار السعي المشروع إلى تثوير البنى التقليدية، وجدنا أن هذه السلطة ذاتها، هي التي أفرزت داخل المجتمع العربي والإسلامي صراعا بين النخبة وبين الطرف المتحصن بالبنى التقليدية موضوع التثوير، أدّى إلى ظهور تسييس مطلق للحياة الاجتماعية المدنية والدينية معا، وحرم المجتمع من فهم حركة تطوّره وذلك لـ:

-غياب الحوار والنقاش والتفهّم السياسي العقلاني بين مختلف مكوّنات المجتمع

– الميل إلى المواجهة والتشهير الإعلامي والفكري والشخصي

– عودة الاستثمار في النظريات والمفاهيم والتقاليد السياسية القديمة من أجل فرض تغيير النظام وتجديد مفهوم الدولة.

– فرض مذاهب الدولة على الجميع وحظر الحوار والتعبير الحرّ والجدل “وإضافة لما بعثه هذا الوضع من شعور بالحرمان والاستبعاد والقطيعة لدى القسم الأكبر من المجتمع، فقد عمل على قتل الجدلية الثقافية التي تستطيع وحدها من خلال توفير أطر المناقشة والحوار إنضاج الممارسة الاجتماعية وامتصاص التوترات السياسية والاجتماعية، وتمثل القيم الوافدة الحديثة وإعادة تفسير الأفكار الموروثة، وتجديد رؤية المجتمع لنفسه ودوره”4.

وبما أنّ لكلّ صراع محورا يحوم حوله، فقد كان محور الصراع هنا السيطرة على رأس المال التداولي الخاصّ الذي “هو شرط أساسي لكلّ فاعل اجتماعي حتى يتحول إلى فاعل سياسي. ومن الطبيعي داخل المجتمع الإسلامي أن يشكل الإسلام مناط الصراع، ومن الطبيعي أيضا أن تدور المعركة بين الفاعلين الاجتماعيين بمختلف توجهاتهم حول السيطرة عليه كرأسمال تداولي خاصّ في الصراع على الشرعية “.

إنّ الإقرار بأنّ “الدين ” كرأسمال تداوليّ، كان محور هذا الصراع يقودنا إلى البحث في الصعوبات التي حالت دون تأسيس فضاء “العامّ ” وبالتالي الحيلولة دون تنزيل النموذج المواطني في واقع المجتمعات العربية.

وإذا أخذنا في الاعتبار أنّ الدولة العربية لم تكن معنية كثيراً بامتلاك خطاب عن الإسلام ” إلا عندما أصبح خطاب الإسلام خطاب دولة، أي يشكّل تحدّيا مباشراً لسلطتها..وهي تعتمد في ذلك عادة على جماعات العلماء التقليديين العاملين في مؤسساتها والمنتمين إلى دائرتها”5.، بخلاف ما هي عليه في الغرب، إذ تحوّلت إلى رصيد معنوي في الوعي الغربي الحديث، ومن ثمّ إلى مصدر قيم وتقديرات أخرى، وهو ما أنتج استقرار مفاهيم ومعاني جديدة للحريات والحقوق الأصلية في ذهن الأفراد، كجزء لا يتجزأ من ماهية الإنسان ووجوده. وأضعف في نفس الوقت التعلق بالقوانين أو الشرائع المفروضة من مصدر خارجي، دينيا كان أو مدنيا، أدركنا معنى الصعوبات التي تحدثنا عنها.

وإذا كانت لهذه النتائج آثارها على قيمة المواطنة، نجاحا وفشلا في المجتمع العربي، بما تركزه من صراع ورفض بين الأطراف المكوّنة للاجتماع المدني والسياسي، فإنّ ذلك يدفع النخبة إلى البحث عن كيفية تأسيس قيمة “الاعتراف بإمكانية التعايش” ليس داخل الدولة فحسب، وإنما داخل الفرد نفسه والمواطن، بين الإيمان والعقل، بين التراحم الديني والمواطنة، وبين القيم الأخلاقية والقانون بالشكل الذي يساعد هذا الأخير على تجاوز “مشكلة الولاء المزدوج والانتماء الروحي والقومي، ويحلّها ويطوّر إيمانه، ويشارك في الوقت نفسه في الحياة السياسية مشاركة إيجابية بصرف النظر عن مذهبه”6.

إنّ تركيز قيمة المواطنة لا تتمّ داخل المجتمع إلا إذا أحسن التعامل مع ثنائية الديني والسياسي فهما وتنزيلا، ذلك أنها ثنائية يمكن أن تكون قاعدة لتأسيس “مجال الخاصّ” من خلال الاعتراف للسلطة الروحية بسيادتها في الميدان الروحي والأخلاقي والاجتماعي وفضاء الحياة الشخصية الحرة التي لا يحق للدولة، ولا يجوز لها، أن تتدخل فيها، وهي في الوقت نفسه شرط لبناء “فضاء العام”، كفضاء مشترك ومحايد على الصعيد العقائدي والفكري، أي صعيد المواطنة، لأنّ استبعادها للصراع الفكري من داخل الدولة واستبداله بصراع سياسي على برامج محددة، لا على فلسفات كونية يسمح لها “بإيجاد الإطار العام الذي يشعر فيه الجميع ويعيش فيه الجميع وطنيتهم بصرف النظر عن مذاهبهم…وما كان ذلك ليتحقق دون تأكيد مبدأ الحرية أي تثبيت إمكانية ومبدأ التداول الحقيقي والسلمي للسلطة العمومية المحايدة مذهبيا”7.

على النخبة العربية المثقفة والمناضلة أن تبحث عن الخطر في مكامنه، وأن تتجنب خلق الإشكالات الوهمية التي تحصر الصراع في سجال عقيم يوحي بأن السياسة نفسها تحوّلت إلى “ممارسة مقدسة دينية وألغت الفعل العقلي والنقدي فيها”، وهو تحوّل خطير ينتج عنه إضافة إلى تهديد قيم الحرية والاختلاف وقبول التداول السلمي للسلطة، التي هي أسس تكوين المجال العام بالتعريف “الهبرماسي”، إقامة حاجز نفسي بين المجتمع والنخبة، يمنع هذه الأخيرة من إبلاغ فكرتها أو تحقيق أهدافها المنشودة في التغيير أو التثوير، لأنّ المجتمعات بكلّ بساطة تتّخذ موقفا عدائيا يتّسم غالبا بالتلقائية، ضدّ كلّ من يحاول هدم معتقداتها، أو التهجّم عليها، يستوي في ذلك قاصد الإصلاح والنقد والتقويم، ومريد الهدم والعبث، طالما أن منهج التناول في الحالتين يكون واحدا تقريبا ولعلّ هذه هو مأزق العمل الحقوقي في مجتمعاتنا العربية.

{{الهوامش:}}
1- انظر Philosophy in a Time of Terror: Dialogues with Jurgen Habermas and Jacques Derrida, [Interviewed by] Giovanna Borradori (Chicago, IL: University of Chicago Press, 2003).
2 – برهان غليون نقد السياسة الدولة والدين، ص،214
3- Armand CHANEL, Science politique ,DEES 118/ décembre 1999, p. 69
4- برهان غليون نقد السياسة ، مرجع سابق ص،278
5- .برهان غليون، “الإسلام و أزمة علاقات السلطة الاجتماعية”،مقال في مجلة “المستقبل العربي، العدد 128 ” أكتوبر1989 ،ص 29
6 – برهان غليون نقد السياسة ، مرجع سابق، ص، 367
7 – المرجع نفسه ، ص،389

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق