هل يُطلق سراح رياض سيف لأسباب إنسانية؟ / مسعود عكو

وأخيراً، أسدل الستار على قضية الليبي عبد الباسط المقرحي، المتهم بضلوعه في تفجير الطائرة التي كانت تحمل مسافرين على الرحلة رقم 103 التابعة لطيران «بان أميركان» فوق بلدة لوكربي في 21 كانون الأول 1988، الحادث الذي أسفر عن مقتل جميع ركاب الطائرة (259راكباً)، إضافة إلى مقتل 11 شخصاً من سكان المنطقة التي سقط فيها حطام الطائرة. والمقرحي ضابط استخبارات ليبي سابق، أدين عام 2001 بتهمة الضلوع في تفجير تلك الطائرة، عقب محاكمة جرت في هولندا بموجب القانون الاسكتلندي، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة.

حادثة لوكربي أدخلت الجماهيرية الليبية في سنوات من العزلة الدولية، وانتهت برفع العقوبات وإعادة المياه إلى مجاريها بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وليبيا، بعد قبول الأخيرة تسوية مالية للقضية دفعت بموجبها نحو 1,5 مليار دولار تعويضاً لأسر وذوي ضحايا لوكربي.

السلطات الاسكتلندية قررت الإفراج عن المقرحي لأسباب إنسانية باعتباره مصاباً بسرطان البروستاتا الذي وصل إلى مرحلة متقدمة لم تعد تتيح له العيش لأكثر من أشهر، وقال وزير العدل الاسكتلندي، كيني ماك أسكل إن الظروف القانونية لا تتيح له الإفراج عن المقرحي بسبب الجرائم المنسوبة إليه، والتي اعتبر أن أدنبرة «لن تنساها أبداً» غير أنه قال إن القيم الإنسانية الاسكتلندية تحتم عليه استخدام صلاحياته في هذا الإطار لإخلاء سبيله، وأضاف أنه»اطلع على مرض المقرحي الذي وصل إلى مرحله متقدمة، واستشار الأطباء الذين تابعوه وقالوا إن وضعه تدهور بشكل كبير وتوصل الخبراء إلى أن مرضه قد قاوم العلاج، ولذلك كان هناك إجماع بأن توقع شفائه من المرض بات ضئيلاً».

الوزير الاسكتلندي وبعد تشديده على أن اسكتلندا «ستذكر إلى الأبد الجريمة التي ارتكبت وبعض الآلام لا يمكن أن تنسى» أعلن أن الدواعي الإنسانية تبقى دائماً سمة أساسية من سمات قيم بلاده، مضيفاً أنه «لهذه الأسباب وحدها» فقد قرر الإفراج عن المتهم الليبي.

رياض سيف مواطن سوري من مواليد دمشق 1946 نال الثانوية العامة سنة 1965، لم يكمل تعليمه في كلية العلوم في جامعة دمشق، بل اتجه نحو العمل الصناعي.

أسس رياض سيف مصنع النسيج «400» وهي علامة تجارية مميزة في سوريا، في عام 1994 اتجه إلى الحقل السياسي بدخوله مجلس الشعب السوري كمرشح مستقل، في الدورة التالية عام 1998ثم تكرر انتخابه واصطبغ خطابه بمزيد من الجرأة والنقد للاقتصاد والسياسة الاقتصادية.

يعد رياض سيف من نشطاء المنتديات السياسية والفكرية ولجان إحياء المجتمع المدني في سوريا، تلك المنتديات التي نشطت في الفترة التي تلت وصول الدكتور بشار الأسد إلى الرئاسة، والتي سميت بربيع دمشق.

في 23 أيار2001 فتح رياض سيف ملف الهاتف الخليوي في مجلس الشعب وقال بأن الصفقة تضيع على الدولة قرابة 346 مليار ليرة سورية، وهو ما يعادل 7 مليارات دولار تقريباً، ثم قدم دراسة مفصلة تحت عنوان «صفقة عقود الخليوي». إثر ذلك اعتقل في 6 ايلول 2001 بعد أن رفعت عنه الحصانة البرلمانية، وحكمت عليه محكمة الجنايات بالسجن خمس سنوات بجناية الاعتداء، الذي يستهدف تغيير الدستور بطرق غير شرعية، وحكم على سيف أيضاً بالسجن ستة أشهر لتشكيله جمعية سرية وعقد اجتماعات غير قانونية، لكن لم يتم جمع الحكمين بل أخذت المحكمة بالعقوبة الأشد. تمت تبرئة سيف من تهمة إثارة النعرات الطائفية والمذهبية.

بتاريخ 14/تموز/2005 تعرضت حياة رياض سيف في السجن للخطر، حين شكى من آلام في القلب. وبنتيجة الفحص الطبي الدقيق والقثطرة القلبية التي أجريت له بتاريخ 2 تموز 2005 تبين حسب التقرير الطبي المصدق والصادر عن الدكتور محمد بشار وليد عزت أخصائي جراحة القلب في مستشفى دار الشفاء بدمشق التي نقل إليها، أنه يشكو من نقص في التروية القلبية مع خناق صدر غير مستقر، كما بينت القثطرة وجود انسداد تام في الشريان الإكليلي الأمامي النازل وتضيق في فرعه القطري، وقد أجريت خلال جلسة القثطرة محاولة لتوسيع هذا الشريان باستخدام البالون من دون نجاح. ونظراً لعدم استقرار الحالة القلبية لدى السيد رياض سيف فإن حالته تتطلب إدخاله بشكل عاجل إلى المستشفى وإجراء عملية زراعة مجازات قلبية أي ما يسمى بـ«القلب مفتوح».

في حينها، ومن الناحية القانونية أنهى سيف ثلاثة أرباع مدة الحكم الصادر بحقه منذ تاريخ 7حزيران 2005، وهو ما يستوجب إطلاق سراحه بموجب المادة 172 من قانون العقوبات العام، والتي تنص على أنه للقاضي أن يفرج عن كل محكوم بعد أن ينفذ ثلاث أرباع عقوبته إذا ثبت أنه صلح فعلاً، وجرت العادة في المحاكم السورية تطبيق هذه المادة بشكل أوتوماتيكي، وللعلم فقد رد الطلب الخاص بإطلاق سراحه بحجة رفض الطلب شكلاً. وتم تجاهل الحالة المرضية لسيف.

أفرج عن رياض سيف بتاريخ 18/كانون الثاني/ 2006، وفي أول تصريح صحافي أدلى به عقب الإفراج عنه قال أنه يطالب بالتغيير في سوريا، موضحاً أنه يريد تغييراً للوضع القائم وليس استمراره. وقال لجريدة النهار اللبنانية إنه يرفض الإصلاح أو الترقيع، لأنه يعني إصلاح ما هو قائم، وهذا ما يرفضه.
وقال سيف إنه يدعو إلى بناء مؤسسات ديمقراطية بدلاً من المؤسسات السياسية القائمة في البلاد، وهذا يعني التغيير. وجدد التزامه بإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، الذي صدر في 16 تشرين الأول 2005، ووقعه من سجنه قبل صدوره.

اعتقل رياض سيف للمرة الثانية بعد أن شنت السلطات الأمنية السورية حملة اعتقالات ضد أعضاء المجلس الوطني لإعلان دمشق، بعد انعقاد مؤتمره الأول في الأول من كانون الأول/2007 وبتاريخ 29/تشرين الأول 2008 حكمت محكمة الجنايات الأولى بدمشق على معتقلي إعلان دمشق للتغير الوطني الديموقراطي ومن بينهم رياض سيف بالسجن ثلاث سنوات وتخفيضه إلى سنتين ونصف السنة وذلك بتهمتي «إضعاف الشعور القومي وفقا للمادة /285/ من قانون العقوبات السوري العام، ونقل أنباء كاذبة من شأنها وهن نفسية الأمة وفقاً للمادة /286/ من قانون العقوبات السوري العام». إضافة إلى حجرهم وتجريدهم مدنياً.

يعاني رياض سيف الآن من المرض نفسه الذي يعاني منه الليبي المقرحي، وهو سرطان البروستاتا غير القابل للمعالجة، وقد يكون الفارق بين مرضيهما بأن حالة المقرحي تبينت من خلال الفحوصات الكثيرة أن علاجه مستحيل، أما في حالة سيف فلا معلومات دقيقة عن حالته المرضية.

في المقابل نقلت صحيفة «لوموند» الفرنسية خبراً بأن سوريا تقوم بدور الوسيط في قضية إطلاق سراح المواطنة الفرنسية كلوتيلد ريس المحتجزة في طهران، بالرغم من النفي الإيراني لذلك، إلا أنه وقد أعلن الإليزيه أن إيران أفرجت بكفالة عن ريس والتي تتهمها بالتجسس على أن تبقى المواطنة الفرنسية في سفارة بلادها في طهران إلى حين صدور حكم في قضيتها، وقد شكرت فرنسا سوريا بشأن جهودها من أجل إطلاق سراح الموظفة الإيرانية-الفرنسية في السفارة الفرنسية نازك أفشار في طهران أيضاً.

إذاً، تقوم سوريا بدور الوسيط لإطلاق سراح معتقلين فرنسيين في إيران، وهي مبادرة إنسانية تشكر عليها. لكن لماذا لا تبادر سوريا إلى تكليف تركيا الحليف الإستراتيجي لإسرائيل والمتمتع بعلاقات ممتازة مع سوريا أيضاً لتلعب دور الوساطة في إطلاق سراح المعتقلين السوريين في السجون الإسرائيلية؟

بالعودة الى الداخل السوري، هناك مئات النداءات وطلبات الالتماس قدمت للإفراج عن معتقلين سياسيين ومنهم عارف دليلة ورياض سيف العليل بالسرطان لأسباب إنسانية، إلا أن السلطات السورية أغفلت تلك النداءات والالتماسات، ولم تراع الحالة الإنسانية التي يجب أن يتصف بها القضاء السوري على الأقل ظاهرياً، وما يزال رياض سيف يصارع المرض في سجن شتان ما بينه وبين السجن الذي قضى المقرحي عقوبته فيها، إذ لا مقارنة بين عدرا في دمشق وبارليني في غلاسكو!

هل يقرأ القضاء السوري قضية رياض سيف وأمثاله، وما أكثرهم في سجون بلادي من منظور إنساني؟ وهل يبادر إلى إطلاق سراحهم على خطى لوكربي والقضاء الاسكتلندي؟ وشتان الفارق بين قضيتي المقرحي وسيف، الأول متهم بالقتل والثاني معتقل رأي وفكر.

وهل سنسمع قريباً خبراً في الإعلام يفيد بأنه تم إطلاق سراح رياض سيف لأسباب إنسانية، على غرار إطلاق سراح عبد الباسط المقرحي وتسجل نقطة ايجابية واحدة للقضاء السوري؟

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق