هموم وهواجس من وحي الفوبيا الإسلامية

يقول أمين معلوف في الصفحة 54 من كتابه “الهُويّات القاتلة” ما يلي: “لا يمكن إنكار التسامح لدى أي من الديانات، لكن إذا ما أجرينا مقابلة بين هاتين الديانتين «المتنافستين»، أمكننا الاستنتاج إن الإسلام لا يترك انطباعاً سيئاً في هذا المجال. فلو أن أجدادي كانوا مسلمين في بلد اجتاحته الجيوش المسيحية، بدل أن يكونوا مسيحيين في بلد اجتاحته الجيوش الإسلامية، لا أعتقد أنه كان بإمكانهم أن يبقوا مقيمين في مدنهم وقراهم، محافظين على إيمانهم، لمدة أربعة عشر قرناً. ففي الواقع، ماذا كان مصير مسلمي أسبانيا؟ ومسلمي صقلية؟ لقد اختفوا عن بكرة أبيهم، بعد أن قُتلوا أو أُجبروا على الرحيل أو تلقّوا بالقوة سرّ العماد”.

وفي فقرة لاحقة في الصفحة ذاتها يقول معلوف: “وهنا أسارع إلى القول إن فكرة التسامح لا ترضيني. فلا يهمني أن أعامل بتسامح بقدر ما يهمني فرض اعتباري كمواطن كامل الحقوق مهما كانت معتقداتي…. أما الفكرة القائلة بأن أهل «الكتاب»، أي التوراة، يجب أن يوضعوا في ذمّة المسلمين، فلم تعد مقبولة اليوم لما توحي به من الدونية التي لم تخل أبداً من الإذلال”. وحقيقة لا أدري لماذا تجاهل أمين معلوف وضع المسيحيين في خانة أهل الذمة أيضاً، حاصراً الفكرة باليهود فقط عند تحدثه عن أهل الكتاب!

بقدر ما تبدو الأفكار التي أراد معلوف إيصالها واضحة المعنى والمبنى بقدر ما تبدو ملتبسة بالنسبة لي، خاصة عندما يتحدث عن سماحة الإسلام مفترضاً أن أجداده لو كانوا مسلمين والجيوش الغازية مسيحية لما كان باستطاعتهم المحافظة على إيمانهم الإسلامي طوال أربعة عشر قرناً، ضارباً لنا مثلاً بمسلمي أسبانيا وصقلية.

إن حجة معلوف بقدر ما تبدو مقنعة من جانب واحد، تبدو لي غير مقنعة من جوانب أخرى، وآية ذلك أن المسيحيين موجودون في منطقة الشرق قبل ظهور الإسلام!

ورغم ذلك كثيرة هي كتب التاريخ التي تروي كيف خُيّر المسيحيون(السكان الأصليون للمنطقة) بين الدخول في الإسلام وبين دفع الجزية! وما يتعرض له مسيحيو العراق اليوم من واقع كائن بين مطرقة الحرب وسندان الأصوليين لم يأت من خواء إنما يستند على قاعدتين صلبتين لاهوتية وفقهية! أفلم يُخيّر أولئك المتطرفون مسيحيي العراق بين دخول الإسلام ودفع الجزية أو مغادرة العراق؟

من ثمّ عندما قامت الكنيسة الكاثوليكية بحروبها الصليبية في الشرق المسلم، لم تستطع إلغاء الإسلام أو تنصير المسلمين الذين حاربوها وقاوموها، واستطاع المسلمون أن يبقوا محافظين على إيمانهم طوال الوجود الصليبي في الشرق!
من جهة أخرى، وبالعودة إلى ما ورد في كلام معلوف واستشهاده بمسلمي أسبانية وصقلية، لا أدري لماذا يتجاهل أن الإسلام هو الذي فَرضَ نفسه على الأسبان(شأنه في هذا شأن الحروب الصليبية وحالها مع الشرق المسلم) ولم تذكر لنا كتب التاريخ –حسب معرفتي المتواضعة- إن الأسبان هم الذين فتحوا أبواب مملكتهم مرحبين بـ”الفتح” الإسلامي مقبلين على الإسلام طالبين الدخول فيه أفواجاً! وقل الأمر نفسه في صقلية! ببسيط العبارة كان التواجد الإسلامي في أسبانيا عبارة عن احتلال محض شأنه شأن أي احتلال آخر.

وملاحظتي تلك لا تعني أني أبرر للمسيحية الأسبانية(حينذاك) قتلها أو تلقينها بالقوة سرّ العماد لمن تبقى من مسلمي أسبانيا بعد سقوط الأندلس، تماماً كما لا يمكنني غضّ النظر عن الحروب الصليبية التي أتت الشرق غازية في حين من الزمن.

فبقدر ما يكون الانفتاح على الآخر والاندماج معه مهماً ويدل على سلوك حضاري، بقدر ما سيكون ذلك الاندماج خطراً على الأجيال اللاحقة حال كان قائماً بالقوة وبطريقة قسرية، وهذا ما يثبته مثال معلوف آنف الذكر، وكذلك ما تثبته النهاية التي آلت إليها الحروب الصليبية. وعملياً هذا ما نشهده حالياً مع عرب مدينة كركوك العراقية(الكردية) الذين دخلوها تحت إشراف الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بغية تذويب الأكراد في المحيط العربي العراقي في سبعينات القرن الماضي، ولأن ذلك كان يتمّ بطريقة قسرية ولا إرادوية فإننا نحصد الآن نتائجه المرّة!

ولنأخذ مثالاً حضارياً على الاندماج الإرادوي والرغبوي والعفوي بأكراد مدينة دمشق. فهم كونهم أرادوا الاندماج عن قناعة ورضا ورغبة في المجتمع الدمشقي فقد أصبحوا جزءاً لا يتجزّأ من نسيج المجتمع الدمشقي، حتى أن معظمهم لم يعد يعرف اللغة الكردية، وان كان بعضهم يشعر بحنين خفي إلى عرقه!

وأكثر من ذلك نرى أن أولئك الأكراد، أو من أصول كردية وتركمانية، أنجبوا للعربية الكثير من المفكرين الذين أغنوا الفكر العربي والإنساني على حد سواء، مثال محمد كرد علي ومحمد البزم وصادق جلال العظم وعزيز العظمة إلخ…

وقل الأمر نفسه في العرب(الجيل الثاني والثالث وما تلاهما من أجيال) الذين استقروا في الأمريكيتين، فقد اندمجوا عن قناعة ورغبة في هاتيك المجتمعات، وكانت نتائج اندماجهم ايجابية في مجملها؛ إذ هم مواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات المواطن الأصلي للبلاد التي يعيشون فيها، إلى درجة أن بعضهم تقلّد منصب رئاسة الجمهورية ككارلوس منعم في الأرجنتين، حتى إن نسبة النواب الذين يتحدّرون “من أصل سوري وعربي في البرازيل يبلغ أكثر من عشرين بالمئة من النواب البرازيليين”!

ناهيك عن أننا لم نسمع بمجازر حصلت ضد العرب(المسلمين) السوريين أو اللبنانيين أو الفلسطينيين في الأرجنتين أو البرازيل كما حدث في المثل الذي طرحه أمين معلوف بمسلمي أسبانية وصقلية، ولم تحدث صدامات بينهم وبين ما تبقى من مكونات سكان هاتيك البلاد بمن فيهم سكانها الأصليون كما يحدث مع العرب والمسلمين في أوربا!.والسبب ببساطة لأنهم أرادوا الاندماج في مجتمعات ذهبوا إليها عن رضا وقناعة(بمعزل عن دوافع الفقر والحاجة التي كانت وراء هجرة معظمهم) دون أن يحاول أولئك المهاجرون فرض ثقافتهم أو نمط حياتهم أو دينهم على المجتمعات التي حلّوا بها كما حاول العرب ذلك في أسبانيا، وكما يحاول بعض المسلمين راهناً في أوربا. من هنا أجد ردة فعل الأسبان التي عناها أمين معلوف أقل من طبيعية! ولا شبيه لها حالياً سوى ما يحصل مع كرد مدينة كركوك في العراق وطردهم للعرب السُنّة منها.

ومن الأمور التي أثارها معلوف، والتي أثارت فيّ شجوناً، ويتوجب الوقوف عندها قوله إن فكرة “التسامح” لا ترضيه، وان كنت أضم صوتي أو رغبتي إلى رغبته التي لا أشك بنبلها، غير أن الواقع المعاش في الشرق الأوسط لا يصبّ في صالح تلك الأمنية الأثيرة. والسبب في ذلك كون العامل الديني هو العنصر الطاغي في مكونات الهُويّة(الراهنة) لاعتبارات عدة، ولأنه لا يمكن نكران حالة الخلاف والاختلاف الجوهري بين الديانتين المسيحية والإسلامية، أو القفز عليه فإننا لم نسمع، ربما منذ ظهور الإسلام قبل أربعة عشر قرناً، بوجود كنيسة أو معبد يهودي في أرض شبه الجزيرة العربية (باستثناء بعض إمارات الخليج كما حدث العام الفائت في الإمارات العربية المتحدة، إذ دشن البابا شنودة كنيسة للأقباط، ومؤخراً دُشنت كنيسة في قطر غير أنها خلت من أي رموز دينية كالصلبان تفادياً للحساسيات، علماً أن سكان قطر يبلغ نحو المليون نسمة نصفهم من المسيحيين الوافدين!) مع العلم بكثرة الحالات التي صلى فيها المسلمون في الكنائس وسواها، عندما اضطرتهم الظروف إلى ذلك، حتى أن معبداً يهودياً عرض مكاناً لتوفير صلاة الجمعة للمسلمين في أمريكا “بعد أن تسبب حريق في إتلاف مسجد محلي في إحدى المدن بولاية بنسلفانيا” وكان ذلك في العام الماضي.

أكثر من ذلك، أين التسامح(ومازال الوقت مبكراً للحديث عن المواطنة) في الوقت الذي مازالت فيه بنية الفقه الإسلامي تنظر لليهود والنصارى باعتبارهم المغضوب عليهم والضالين؟! ورجل الدين الوحيد الذي قرأت له تبياناً واضحاً وجريئاً حول هذه النقطة هو الشيخ السوري محمد حبش، إذ قال مفسراً: “إن القرآن الكريم كان واضحاً في غاية الوضوح عندما تحدث عن فساد طائفة من اليهود والنصارى من أهل الكتاب وبعد أن عدد مخازيهم وفضائحهم وما قاموا به من قتل الأنبياء والمرسلين وارتكاب جريمتي الزنا والربا، ولكنه بعد ذلك قال بوضوح: «ليسوا سواءً…. من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون» وبعد أن أثنى على الصالحين منهم أطيب الثناء نص صراحة بقوله: «وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين»”.

أسمح لنفسي بالاستطراد هنا بغية الإشارة إلى انه من الطبيعي أن يقرأ المتابع لموقع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الالكتروني سؤالاً من قبيل: “هل المشاركة في جنازات الكفار المسيحيين تجوز على المسلم؟ وهل يعاقب المسلم حال شارك فيها؟”. ومن اللافت أن الشيخ “المعتدل” الدكتور البوطي يجيب السائل عن سؤاله من دون أن يستنكر نعت السائل للمسيحيين بالكفر!.

ورغم انه لم يعرف عن الشيخ محمد حبش أنه صاحب قراءات معاصرة للنص القرآني بل هو من المشهود لهم بنظرته الإنسانية والعقلانية أثناء تناوله للقضايا الدينية الحرجة، إلا أنه في المقال ذاته يكاد يقرّ بعجزه عن فعل أي شيء أمام المكنة الوهابية التي تُصدّر شرح القرآن وتفاسيره التراثية إلى الأرض كلها بما فيها التفاسير المتضمنة تكفير الآخرين من أتباع الديانات الأخرى، فها هو يقول: “وتكمن الكارثة هنا في أن هذه النسخ هي الأكثر انتشارا في العالم، ومهما كتبت في(بلدنا) لتصحيح ذلك فلن تستطيع إقناع المائة وتسعين مليوناً حول العالم الذين استلموا تلك النسخ، وهي ممهورة بأكثر الأختام قوة ونفوذاً في العالم الإسلامي، ومعظمها وُزع (لوجه الله) وهي تنص صراحة أن الضالين هم أتباع عيسى والمغضوب عليهم هم أتباع موسى!”

وأين التسامح في الإسلام بصيغته المتداولة في الوقت الذي نشهد فيه بناء الجوامع في ايطاليا ويحرّم على المسيحي واليهودي دخول مدينة مكة في المملكة العربية السعودية؟!لا بل أين التسامح وما يزال حُكم المرتد عنه هو القتل ؟!
وفي كل ما قرأت لم أقرأ لكاتب إسلامي واحد أدان حرمان دخول المسيحيين واليهود إلى مكة مبيناً لنا السر في ذلك، وما هو مقصد الشريعة الغرّاء من جرّاء ذلك الموقف! اللهم إلا لكاتب سوري واحد فقط. ففي مقال جميل وجريء ومعبّر للكاتب الإسلامي المنفتح د. نزار رستناوي بعنوان “من هنا طريق غير المسلمين” تلمس الصدق والضيق في آن جرّاء العقلية الإسلامية الكلاسيكية وتعاملها مع الآخر، ويبدأ مقاله بالقول: “شارة كبيرة تفاجئ المسافرين قبل دخول مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهذه الشارة لا توضع في أيام الحج والأشهر الحرم فقط، بل هي ثابتة على مدار الفصول والسنين”. طبعاً غني عن البيان أن الشارة تقول “من هنا طريق غير المسلمين”.

من المؤكد أنه لا يخفى على نبيه سبب عدم السماح(مع لفت الانتباه إلى أن التسامح الذي أراده أمين معلوف مشتق من السماح) لليهود والنصارى بدخول مكة المكرمة. علماً أن في تلك المدينة العديد من الحيوانات ليس أقلها الإبل!

من جانب آخر تُحيلنا فكرة التسامح التي أثارها معلوف، والتي تبديها هذه الأكثرية العددية الدينية أو تلك إزاء أقلية هنا أو هناك، إلى نتيجة مفادها إن الأقلية دائماً على خطأ في معتقدها الديني في حين الأكثرية دائماً على صواب! لكن لأن هذه الأكثرية أو تلك تتمتع بـ”رحابة” صدر و”سماحة” عزّ نظيرها، فإنها تغض النظر عن خطأ هذه الأقليات ومروقها!
شخصياً لا أدري ما الحكمة من ورود الأكثرية دائماً بصيغة الذم في القرآن الكريم على نقيض الأقلية، غير أننا نستطيع أن نتساءل عما إذا كانت مجموعة بشرية ما، تعيش في بقعة ما من الأرض، ومثيلاتها في بقعة مغايرة لكنهم أكثرية عددية وهم على صواب –لأنهم أكثرية طبعاً- ولذلك هم متسامحون مع الأقليات التي تعيش بين جنباتهم، ترى هل ستكون مثيلتهم الأقلية التي تعيش في البقعة المغايرة ضمن أكثرية مغايرة على خطأ كونها أقلية؟ أم أنها ستكون على صواب انسجاماً مع الأكثرية التي تماثلها في البقعة الأخرى؟!

بكلمة أخرى: نجد المسلمين أكثرية في بلد كالسعودية لكنهم أقلية في بلد كالهند(على سبيل المثال) التي أكثرها من البوذيين والسيخ، ترى هل سيكون مسلمو الهند على خطأ باعتبارهم أقلية في الهند أم سيكونون على صواب باعتبار من يماثلهم في السعودية هم الأكثرية؟ وهل سيكون المسيحيون في فرنسا هم على صواب لأنهم أكثرية فيما البوذيين على ضلال كونهم أقلية هناك؟ من نافل القول إن السؤال حمّال أوجه وموجّه لكل أكثرية وأقلية سواء أكانت عرقية أم دينية.
وثمة حادثة طريفة على صلة بما أسلفنا، ولا أجد غضاضة من ذكرها هنا خاصة أنها تلخص لنا الكثير من الأمور التي نتحاشى الحديث فيها. ومفادها: كان ثمة عجوز أُميّة من قريتي الصغيرة الكائنة في جبال العلويين تبيع الحليب، وكان أحد زبائنها الذين يشترون منها الحليب مُدرّس مسيحي من قرية مجاورة، وذلك المُدرّس يتمتع بسمعة طيبة وعلاقات معشرية واجتماعية جيدة في محيطنا القروي، والجميع يكن له الاحترام بمن فيهم العجوز بائعة الحليب، والتي على ما يبدو تكن له احتراماً كبيراً، ولذلك أبت ذات مرة أن تأخذ منه نقوداً ثمناً للحليب تعبيراً منها عن احترامها الشديد له. وعندما أصرّ المُدرّس المسيحي على دفع ثمن الحليب، أقسمت العجوز ببراءة رافضة المبلغ بالقول: “يحرم عليّ آخذ المصاري متل ما تحرم مكة ع النصارى”. من البديهي إن تلك العجوز لا تعرف لا مكة المكرّمة ولا إلام ترمز إليه مدينة مكة، تماماً كما أنها لا تعرف معنى كلمة النصارى!غير أن ما يلفت انتباهنا في هذه الحادثة أن حرمان النصارى من دخول مدينة مكة المكرّمة صار مثلاً؟!

طبعاً أنا هنا لا ألوم الإسلام وحده، فالمسيحية تتحمّل الكثير مما يجري ويعتمل في بواطن النفس الإسلامية، إذ هي ببساطة لا تعترف بالدين الإسلامي وبرسالة السيد الرسول، واعترافها العلني به إنما هو بحكم الأمر الواقع لا أكثر من ذلك (نقول هذا بمنأى عن رأينا الشخصي في هذا الدين أو ذاك). وتبدو هذه النظرة واضحة للعيان كلما أوغلنا في غرب غالبيته مسيحية، والانزعاج الواضح الذي يظهره ذلك الغرب إزاء الحجاب الذي جعل منه قضية، منذ قرابة السنتين، ومدى نفور بعضه لحظة سماعه صوت الآذان في تلك البلاد الغربية أو هذه!

وهذا لا يعني بحال من الأحوال إننا نبرر للمسلمين المقيمين حالياً في دول أوروبية جلّ تصرفاتهم التي يدعو بعضها للاشمئزاز حقاً. فـ”صحيح إن التضحية بالخراف في عيد الأضحى المبارك سنّة نبوية شريفة. ولكن ذبح الخراف على قارعة شوارع باريس ولندن وفرانكفورت عادة قبيحة ومرذولة”-(صحيفة “النهار” اللبنانية، 4/3/2007، محمد السماك. “الإسلام في مواجهة الاسلاموفوبيا”)!

ويمكنني هنا أن أستشهد بحادثة جرت مع شقيق صديق عراقي، “ناضل” كثيراً للوصول إلى دولة السويد، وما إن وصل هناك، وأدخل ابنته ذات الأعوام التسعة إلى المدرسة، حتى دخل في مشادة كلامية مع إدارة المدرسة، بسبب من مقرر درس الرياضة. فأخونا العراقي يربأ بابنته الطفلة مزاولة درس الرياضة، لأنه ينطوي على حركات جنسية –حسب زعمه- وماهي هذه الحركات الجنسية؟ ثني الجذع وفتح الذراعين!! طبعاً وابنته ما تزال طفلة!

مقابل عدم اعتراف المسيحية، في جوهرها، بالإسلام، ثمة انتقاص من قبل الإسلام لشخص السيد المسيح من وجهة نظر مسيحية، وهذا الانتقاص لم يأت عن سوء نية من قبل هذا المسلم أو ذاك، بل ببساطة إن بنيته المعرفية الدينية لا تسمح له بالنظر إلى شخص السيد المسيح أكثر من مجرد كونه رسولاً من الله!ورغم القناعة الراسخة لدى المسلم المتديّن بكون السيد المسيح(ع) رسولاً إلا إن الغيرة عليه من قبله شبه معدومة، ولا يمكن مقارنتها، بأي شكل من الأشكال، بالغيرة التي يضمرها المسلم ذاته للسيد الرسول محمد(ص).

وحقيقة الأمر تلك معضلة فعلاً، و أفضل عدم الخوض فيها نظراً لعُقم نتائجها. إذ كيف ستناقش يهودياً وهو يعتقد أنه “شعب الله المختار”، ومسيحياً يعتقد أن السيد المسيح “إله تجلى بصورة بشرية”، وآخر مسلم عربي يؤمن أنه “خير أمة أُخرجت للناس”؟ فالتوراة تقول: “لأنكم شعب مبارك من الله، فقد اصطفاكم الله من بين كل شعوب الأرض لتكونوا شعبه المختار”، وإنجيل مرقس يذكر: “اسع في هذا العالم وبشر جميع المخلوقات بالإنجيل، من يؤمن ويتم تعميده سوف ينجو، ولكن من لا يؤمن سوف يهلك”، في حين أتى في سورة التوبة في القرآن الكريم: “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين”. وكما هو واضح وجلي، كله كلام لاهوتي يستحيل أن تخضعه للنقاش أو الحوار بحيث تصل إلى نتيجة إنسانية من شأنها أن تنمي الحس الإنساني في هُويّاتنا التي تكاد تصبح ممزقة!

لكن المسيحية رغم انطوائها على نزعة عنصرية في جوهرها واحتكارها للحقيقة، شأنها في هذا شأن أي دين سماوي، إلا أن ثمة عوامل عديدة خدمتها كثيراً، وهي تشق طريقها عبر التاريخ، حتى تكاد تصبح الأكثر إنسانية بين الأديان، والأكثر تقبلاً للحضارة والانفتاح على الآخر المختلف. وربما السبب في ذلك لأنها تعرضت لحركات إصلاح ديني عديدة عبر التاريخ، من توما الإكويني إلى كالفن ومارتن لوثر. وقد كان من شأن ذلك الإصلاح الديني في أوربا أن عبّد الطريق لبزوغ فلاسفة عصر الأنوار.

تعرضت المسيحية لإصلاح ديني في الوقت الذي لا تنطوي فيه بنيتها المعرفية على فقه، وهذا مالم يخدم الإسلام وهو يشق طريقه نحو المستقبل مثقلاً بأطنان من فقه الماضي. فضلاً عن أن الإصلاح الديني الجزئي الذي شهدته مصر في عصر النهضة، ومن خلال تركيزه على العودة إلى السلف الصالح فقد مهد السبيل لظهور الحركات السلفية بحسب لغة صقر أبو فخر. وإذا كان النهضويون في أوربا مالوا إلى تغليب المستقبل على الماضي، فإن الإصلاحيين “عندنا مالوا إلى تغليب الماضي على الحاضر والمستقبل معاً”.

ومما يجدر قوله إن الفقه الإسلامي هو من نتاج بشري وليست له أي صفة قدسية كالتي تنطبق على قدسية القرآن الكريم، وهذا الأمر من المفترض أن يكون محسوماً من وجهة نظر المسلم المتديّن وغير المتديّن. وذلك التراث الهائل من الفقه في البنية المعرفية الإسلامية، وهو ما يستند إليه رجال الكهنوت الإسلامي عندما تواجههم معضلات لا يمكنهم مجابهتها بالاستناد على النص وحده، كما حصل بين حسن الترابي والداعية يوسف القرضاوي منذ فترة زمنية قريبة، عندما أثار الأول موضوع جواز زواج المسلمة من كتابي، فرد عليه الثاني مدعماً “حجته” بابن قيّم الجوزية! هو ما يعيق راهناً إمكان وجود أي حركة إصلاح في المنظومة المعرفية الإسلامية من شأنها أن تنتج هُوية إسلامية متحضرة واعية لذاتها ولما حولها، كما هو أحد الأسباب التي تجعل الإسلام يبدو على هذه الصورة من التخلّف.

ولأن الإسلام يفتقر إلى عوامل عديدة من شأنها أن تجعله مثالاً للرقي والتحضّر راهناً، فقد تضخمت “الأنا” الإسلامية كثيراً إلى درجة تكاد لا ترى معها سوى نفسها. عدا عن ذلك أن تلك الذات تؤمن في أعماقها أن السيد الرسول محمد (ص) سيد الخلق وهذا ما نقرأه في اليافطات في الشوارع في بعض المناسبات الدينية الإسلامية. وهي بهذا المعنى، ومن حيث تدري أو لا تدري، تصنّف الرسل الآخرين –بمن فيهم السيد المسيح وسيدنا موسى وحتى سيدنا آدم- خلقاً من درجة ثانية أو ثالثة؛ وربما هذه النظرة المترسبة في أعماق الوجدان الإسلامي هي ما تفسر لنا لماذا لا يوجد شيء مقدس لدى المسلم المتديّن عدا مقدساته هو!

وعملياً هذا ما حدث في عديد بلدان العالم، لنتذكر، مثلاً، مآل كنيسة آية صوفيا في تركيا، ولنتذكر ما حدث أوائل هذا القرن عندما فجّر أسامة بن لادن تماثيل بوذا في أفغانستان غير آبه بمشاعر قرابة المليار بوذي في العالم! وقد كان لافتاً عدم إقدام البوذيين في الهند والتيبت على القيام بمظاهرات يحرقون من خلالها مساجد المسلمين على غرار ما فعله بعض الإسلاميين عقب الرسوم المسيئة للرسول الكريم في الدنمرك في أكثر من بلد عربي وإسلامي بما في ذلك ذبحهم لبعض الراهبات، عدى المظاهرات التي قاموا بها وسط أوربا (في شهري أيلول وتشرين أول 2007) متوعدين فيها حرق أوربا (وزلزلة دولة الفاتيكان) التي أمنّت لهم قوانينها ودساتيرها الوضعية (لا الإلهية) حياة كريمة ما كانوا ليجدوها في بلدان تدين بدينهم وتنطق بلغتهم!

صحيح إن العديد من مشايخ ورجال الدين الإسلامي ذهبوا لزيارة ابن لادن محاولين إقناعه بعدم تفجير تلك التماثيل، لكن وان كنّا نعتقد أنهم ذهبوا خشية وضع الإسلام في موقف مُحرج للغاية أمام الرأي العام العالمي عامة والغربي تحديداً، نجزم أن حجة ابن لادن –المستندة إلى بنيتهم الفكرية ذاتها- كانت أقوى وأدمغ من حججهم الهادفة إلى تلميع صورة الإسلام دون أن تستند على مرجع فقهي قد يكون أثيراً لديها –كما فعل ابن لادن- لذلك كانت له “حلّية” تدمير تلك التماثيل إزاء عجزهم عن إقناعه بعدم تدميرها.

حتى إن الكاتب الإسلامي “المستنير” فهمي هويدي، وقد كان في عداد وفد “العلماء” الذين حاولوا إقناع ابن لادن بعدم تدمير تلك التماثيل(طبعا لم يتجرّأ هويدي على التنديد بحركة طالبان)، انبرى لاحقاً إلى “حشد المبررات الشرعية والسياسية لتبرير هذا التصرف الأحمق والأخرق”.

ولا يخامرني الشك، أنه حال تمت مناظرة بين أسامة بن لادن وأيمن الظواهري من جهة، وأي من شيوخ الاعتدال الإسلامي وكبار علمائه من جهة أخرى، لأقام ابن لادن وأيمن الظواهري الحجة على من يناظرهما! وآية ذلك كونهما منسجمين مع البنية الفقهية التراثية الإسلامية أيما انسجام! على نقيض الآخرين الذين يبدون في غالب الأحيان انتقائيين بغية تقديم صورة معتدلة عن الإسلام. وحقيقة الأمر، أن على المسلمين والمعنيين بالأمر، أن يعيدوا النظر جدياً في بنيتهم الفقهية والمعرفية إذا أرادوا أن يعيشوا العصر.

وإن لم يعد النظر في بنيتنا ومنظومتنا المعرفية الإسلامية وفق العصر والمعطيات العلمية له وتطويع النص بما يتلاءم والإنجازات العلمية، ستكون محاولاتنا، التي نرمي من خلالها تقديم صورة حضارية عن إسلامنا، عبثية وستصيبنا جميعاً بشظاياها. والله أعلم!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق