هنا، في الوسط تماماً بين بيروت وباريس

في يوم مثل ذلك اليوم، وفي درجة حرارة 16 مئوية، يصير يخطر لمن ذهب الى باريس لقضاء عشرة أيام، أن يبقى هناك. ومن أجل ذلك رحنا نفكر، ونحن جالسون تحت أشجار بارك اللوكسمبورغ، بمشروع نبدأه ونحن في هذا العمر. نفتح مطعماً هنا في باريس، قلنا لمجالسينا الذين ما زالوا مقيمين فيها منذ خمس وعشرين سنة أو ثلاثين، فاستحسنوا الاقتراح على الرغم من أنهم شهدوا انهيار مطاعم كثيرة كان بينهم من شارك في افتتاحها. أو نفتح أوتيلاً في «تور» أو في “غرينوبل”، حيث الايجارات محتملة، فاستحسنوا الاقتراح أيضاً وإن خالط ذلك مزاح جعلوا يقولون فيه أن فكرة الأوتيل مناسبة لأننا نستطيع أن ننام فيه حين نعجز عن دفع إيجارات الشقق التي نكون قد استأجرناها.

كان يوماً مشمساً، وهو أعقب أياماً مشمسة أيضاً انتفت معها الحاجة إلى التفكير بلبنان. وفي البارك، ذاك الذي احتار في أمره موفدنا الأول الى هناك، رفاعة الطهطاوي، تبدّت بلادنا كلها بائسة حيث بدا ازدحام المتنزهين عاملاً على تجميل المكان بدلاً من تخريبه كما هو الحال عندنا. «لا تفكر في الوظيفة هنا»، قال بشير، وهو أعطى مثلاً عن ناظم الذي يعلّم في الجامعة ولا يكفي راتبه لأكثر من أن يستأجر ستوديو لاتزيد مساحته على خمسين مترا مربعا. أما صاحبنا بسام، الذي ترك اختصاصه وفتح محلاً يبيع فيه مواد ومآكل لبنانية، فلم يشجعنا هو الآخر إذ جعل يقول لنا كلاماً رأيناه فيه قابعاً في منطقة وسطى بين النجاح النسبي والفشل النسبي. وما قاله بسام، مع ما قاله بشير، لم يحبطنا لأننا كنا نحكي عن البقاء في باريس لنتسلى فقط.

ثم أن باريس لم تعد مغرية كما كنا نراها مغرية في أيام الشباب. ذاك أننا، الآن، بتنا نعرف كيف هي الحياة فيها وكيف يعيش من انتقلوا منا إليها. «هذا البارك لم نأت إليه منذ سنة»، قال بشير، ليضيف بأنهم ينزلون الى الميترو كل يوم (ذاك الميترو الذي يكرهونه جميعهم وإن كانوا يقرّون بأنه أفضل وسيلة انتقال). أما عن الشمس فإن ظهورها أياماً متتالية في هذا الوقت من السنة ليس إلا مصادفة، بل وأنه خطأ في حسابات الطبيعة، بحسب ما قال بشير الذي، في وقت ما كنا نفكر في شيء يبقينا في باريس، قال هو إنه يفكر في أن يعود الى لبنان. وهو قام بتجربة في شهر حزيران الماضي زار فيها بيروت للتشاور، لكن وقوع الحرب في الشهر الذي تلى أرجأ مشروعه. إفتح مطعماً، قلنا له، أو أوتيلاً صغيراً، مكررين ما اقترحناه لأنفسنا. وقد زدنا على ذلك بأن قلنا له «أما الوظيفة فلا تفكر فيها أبداً»، هكذا تماماً مثلما قال هو لنا.

قال إنه سيعود الى بيروت للإقامة وإنه منذ آذار حجز مقعداً له في الطائرة التي ستقلع به في شهر آب (أغسطس)، ذلك بسبب ازدحام الحجوزات من اللبنانيين الذين لم تُتح لهم الحرب زيارة لبنان في السنة الماضية. ونحن، في الأيام التي قضيناها في باريس، رأينا أن جميع من نعرفهم فعلوا ما فعل بشير الى حد أن طائرات تموز وآب لم تعد فيها أمكنة خالية. «وإن حصلت الحرب؟»، قلنا، فأجابوا بأنهم يلغون الحجوزات كما فعلوا في الصيف الماضي.

ذاك أن المتوقع للبنان هو خمسون بالمئة حرب وخمسون بالمئة لا حرب، هكذا بما يتفق مع توزّعهم، كما رأينا، بين كونهم خمسين بالمئة هنا في لبنان وخمسين بالمئة هناك في باريس. أما السنوات التي ستتلو فلن تزحزح هذه النسبة واحداً بالمئة. ذاك أنهم ما زالوا كما كانوا في السنة الماضية، بل في السنوات التي سبقت حيث من كان متسأجراً استوديو ما زال مقيماً فيه، أو في استوديو آخر في مثل مساحته. كما لم تغلب فرنسيتهم عربيتهم واحداً في المئة، ولم ينقص اهتمامهم بلبنان بل هم يبدون في ذلك كأنهم من أبنائه المقيمين فيه (في ما يتعلق بـ8 آذار و14 آذار).

هم في الخمسين في المئة، أي في الوسط، أو في تمام الوسط الذي عدنا إلى تجربته مرة أخرى في المقهى التابع لمعهد العالم العربي حيث جعلنا، وكنا اثنين ضد اثنين، نحكي عن لبنان كيف لم يعد ممكناً العيش فيه، ويحكون هم عن حزنهم من جرّاء عيشهم في فرنسا. كانت تلك أشبه بحفلة زجل لم ينتصر فيها فريق على فريق. ذاك أنهم أطنبوا على قدر ما أطنبنا الى درجة أنهم بدوا كما لو أنهم يحسدوننا، نحن الذين جئنا لنحسدهم.

في منطقة الخمسين بالمئة، هم الذين يظنون أن المقصود ليس هم حين يجري الكلام عن مهاجري الجيل الأول. يظنون أن التأريخ للأجيال المهاجرة يتعلق بالمغاربة مثلاً أو بالجزائريين الذين يمكن تعيين الجيل الذي ينتسب إليه أحدهم من منظره، أو من طريقته في إظهار مظهره. أما هم فيبدون كأنهم جامعين في أنفسهم جيلين اثنين: الجيل الأول والجيل الثاني، أي أنهم مكّنوا أولادهم من أن يحققوا تلك القفزة التي وضعتهم في الجيل الثالث، هكذا مثل التلاميذ الذين يتفوّقون في المدارس.

«في أيامكم كان الواحد يأتي الى فرنسا للدراسة ثم يعود الى لبنان عند انتهائها»، قال لي حسن الباقي هناك منذ أكثر من عشرين سنة. من أتوا بعد ذلك لم يُتح لهم هذا الترتيب إذ كان عليهم أن يبدأوا فترات الانتظار المديدة هناك بعد أن أنهوا ما جاؤوا لأجله. عشرون سنة، خمس وعشرون، ثلاثون… قلت لجورج ان مهاجري الحقب السابقة من الخمسينات والستينات كانوا أقل حيرة من لاحقيهم إذ أنهم عرفوا منذ البداية أن عليهم أن يبدأوا العد النسبي التصاعدي الذي لن يقفوا فيه عند الخمسين بالمئة. بل أن هؤلاء صاروا يخسرون لغتهم العربية تماماً بقدر ما يربحونه من اللغة الفرنسية.

هؤلاء مهاجرو الحقب السابقة، أمكن لهم أن يستقروا هناك لأن بلدهم الذي قدموا منه كان مستقراً، قال وليد، هنا في بيروت، هكذا مغيّراً ظننا في أن أفضل المهاجرين هم أولئك الذين لم تعد بلادهم آمنة لهم. ذلك أشبه باللعنة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق