هنَّ يكتبن… هنَّ يفعلن (2/2)

كما هو معروف، نشرت مجلة “الجنان” لمحرّرها سليم البستاني أوّل مقالة صحفية خطّها قلم نسائيّ، وتعود لقلم مريانا المراش (1848-1919). وجاء نشر مقالة الأديبة الحلبية بعد أن أعلن محرّر “الجنان” عام 1870 عن “مباراة في الإنشاء” دعا إليها “أديبات سوريا”. فكانت استجابة مريانا المراش في قالب مقالة حملت عنواناً فارقاً: “شامة الجنان” ونشرت في شهر تموز من العام المذكور. ومن موادّها الصحفية المنشورة في الصحيفة البستانية أيضاً مقالة “جنون القلم” (1871) “وفيها تشكو من انحطاط الكتّاب، وتحثّ على تحسين الإنشاء وترقية المواضيع والتفنّن فيها، وتدعو بنات جنسها إلى الشروع في الكتابة وترغبّهنّ فيها(1). ومن ذلك التاريخ بدأت الأسماء النسائية تسطع بين الحين والآخر على صفحات الدوريات، التي أفسحت مجالاً بين صفحاتها للأقلام النساء، أو في الصحافة النسائية. ومن بين المستجيبات لصوت مريانا المراش، قبل انقضاء القرن التاسع عشر من الجيل النسائي التالي، يحضر اسم لبيبة هاشم (1882-1952) في طليعة الفاعلات في مجالات النسوية والتربية والصحافة والأدب.

للجزء الثاني من “هنّ يكتبن… هنّ يفعلن” اُنتخِبت مقالة للبيبة هاشم نشرتها مطلع عام 1911 في مجلّتها “فتاة الشرق”. وفيها تبيّن وجهة نظرها على الشكوك حول كتابة المرأة والتي كان جرجي نقولا باز قد تناولها في مقالته “هنّ يكتبن”. ولمقالتها هذه أسندت محرّرة “فتاة الشرق” ذات العنوان الذي روّس مقالة باز: “هنّ يكتبن”.

أصدرت لبيبة هاشم دورية “فتاة الشرق” الشهرية في شبابها سنة 1906، بعد أن هاجرت من بيروت إلى أرض الكنانة عام 1896 أو 1897؟. حيث تتلمذت هناك على يد الشيخ ابراهيم اليازجي ومن ثمّ تابعت تثقيفها الذاتي طوال العمر كما يبدو. مارست لبيبة هاشم الكتابة النقدية في الصحافة بحماس مبكّر منذ فتوّتها الأولى، فنشرت في المجلات المطبوعة في مصر كـ”الثريا” لادوارد جدي، و”الضياء” لابراهيم اليازجي، و”أنيس الجليس” لالكسندرا أفرينو الخوري.

داومت “فتاة الشرق” على الصدور حتى عام 1939، لذلك تعتبر من المجلات المثابرة في عالم الصحافة قبل انتصاف القرن العشرين. ولا نقول من المجلات النسائية لأنّ لبيبة هاشم في تعريفها لمجلّتها حرصت على تغييب هذه الـ”نسائيّة” التي تقصر جمهورها على النساء فقط، والتي ميّزت المجلات التي حرّرتها النساء بشكل عامّ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على أنّ لبيبة هاشم أرادت أن تتوجّه بخطابها الأخلاقيّ التنويريّ إلى المجتمع ككلّ.

هكذا عُرّفت “فتاة الشرق” على أنها: “أدبيّة، تاريخيّة، روائيّة” وفي سنوات أخرى أضيفت كلمة “علميّة”، أو اختفت كلمة “روائيّة”، إلا أنّ التعديل لم يطل كلمتي “الأدبيّة والتاريخيّة” من تعريف المجلّة. لا يخفى على القارئ أن مصطلح “الأدبيّة” بلغة القرن التاسع عشر وبدايات العشرين يوعز بـ”الأخلاقيّة” كواحد من مرادفاتها. من هنا لا بدّ من القول، أنّ انشغال لبيبة هاشم التربويّ والعمل على تأسيس فلسفة أخلاق جديدة في تاريخ مجتمعها يكاد يسوغ ويبرر مشروعها النسوي وفعلها التنويريّ بالكامل.

صدرت “فتاة الشرق” أثناء حكم الخديوي عباس حلمي الثاني (1874-1944)، وعندما ظهر العدد الأوّل منها في 15 اكتوبر كان قد مرّ على مأساة صيد الحمام في قرية دونشواي بضعة أشهر، حيث وقعت الحادثة الأليمة في 13 يونيو 1906، وكان للمحاكمات التعسّفية الأثر العميق في تأجيج المشاعر الوطنيّة والتي وجدت تعبيرها السياسيّ اعتباراً من 1907 بتأسيس أحزاب وطنية. وفي عام 1906 أيضاً، نظمت مدرسة الحقوق الخديوية في شهر فبراير أوّل إضراب طلابي في القرن العشرين ضدّ الاحتلال البريطاني، والذي يمكن أن يفهم على أنّه إعلان التزام من قبل جيل الطلبة الجديد بالصراع من أجل “مصر الحرّة”. أمّا بالنسبة للحراك الثقافيّ، فيمكن القول إنّ عام ولادة “فتاة الشرق” شهد افتتاح المتحف المصريّ في ميدان التحرير، إضافة لازدهار النشاط المسرحي الغنائي خاصة بعد انتهاء الشيخ الفنّان سلامة حجازي من إصلاحات كانت قد جرت على معمار مسرحة في الأزبكيّة لتزويده بألواج مخصصة للنساء.

حرّرت لبيبة هاشم لمجلتها تعريفات بنساء عربيات كان لهنّ الفضل في تحرير عقول النساء من فضاء الخاص. وتناولت المكانة الاجتماعية للمرأة التركية والأوربية والأميركية والأمريكية اللاتينية، كما ترجمت وألّفت أبحاثاً موسّعة في التربية، والأخلاق، والعلوم. ونشرت أعمالاً أدبية لها، ولأقلام نسائيّة ورجاليّة أخرى في أجناس القصة والرواية والمسرحية، وأفردت في المجلة قسماً يعالج آداب السلوك أسّست به لعادات الطبقة الوسطى وأدائها الاجتماعي، وفي هذا المجال نذكر أنّ الهاجس الأخلاقيّ هو واحد من العلامات المميّزة الجديدة لهوية هذه الطبقة. وأعلنت في مجلتها في سنتها الأولى عن جائزة في الإبداع الأدبي، فاز بها الشاعر خليل مطران عن قصة “نايف وصالحة”. وبينما هي تتابع أعمال التحرير لمطبوعتها الصحفيّة ألقت دروساً في التربية في الجامعة المصرية عام 1912 فكانت أوّل محاضرة عربية في تاريخ هذه المؤسّسة الأكاديمية.

وعندما أكملت “فتاة الشرق” السابعة من عمرها، سجلت وزارة المعارف المصرية اشتراكاً فيها لصالح مدارس البنات، وعليه وسعت لبيبة هاشم من المواضيع التي رأت فيها نفعاً للفتيات في حياتهن العملية القادمة كمواضيع تعالج الاقتصاد المنزلي، المطالعة والكتابة للصحافة، أمور الصحة، تربية الأولاد على التفكير العلمي، الأشغال والمهارات اليدوية، آداب المجاملة والزيّ المناسب لموقع المرأة الاجتماعي والثقافي…

أما دراساتها وموادها النقدية النسويّة فتركزت على المفهوم التنويري لامرأة كونيّة “واحدة” متجاوزة بذلك الفوارق الطبقية، والثقافية، والدينية، بل والتاريخية أيضاً فقد رأت لبيبة هاشم أنّ امرأة فاعلة في الفضاء العام من سالف العصر والزمان هي مثال لكلّ امرأة في أيّ حاضر وأوان. عند هذا المنحى تلتقي أفكار لبيبة هاشم مع الخطاب التنويري الأول للنسوية الأوربية، كما أنها من موقعها كامرأة من الطبقة الوسطى أدارت أفكارها النسوية فلم تتحدث باسم نساء طبقتها فقط، بل وباسم النساء المهمّشات اجتماعياً ومن طبقة أدنى اقتصادياً خاصة في رواياتها، وتركت الباب مفتوحاً أمامهنَّ للصعود الاجتماعي بمقتضى معيار يجدل الاقتصادي بالأخلاقي. كذلك نقدت في كتاباتها بعض ممارسات الرجال بما يفهم منه اليوم “كره النساء”، رغم أنها وقعت في بعض الحالات تحت مؤثّره على غفلة منها، لكونه واحدا من تجلّيات الخطاب الأخلاقيّ لليبرالية الطبقة الوسطى على اختلاف أشكاله: كره النساء لجوهرانيّة طبيعية misoginia naturalista، وكره النساء الرومانسي misoginia romántica، وكره النساء المقنع بالتشبّب والمجاملة وأناقة السلوك misoginia galante…

ربطت لبيبة هاشم شرط ولوج المرأة إلى عالم الكتابة مع دورها كذات فاعلة في الفضاء العامّ. وهذا ما جعلها تختم مقالتها التي ننشرها هنا، قائلة: “أنّ التي تهزّ الأرض بيسارها لا يستحيل عليها أن تهزَّ اليراع بيمينها”، وصياغة عبارتها هذه تشكل تعارضاً وتجاوزاً لجملة نابوليون الشهيرة، والتي تربط بين مؤثّر المرأة على الفضاء العالم من خلال وضعها البيولوجي ووظيفة الإنجاب فقط(2).

لقارئ الأوان تُقدَّم “هنّ يكتبن”، مادّة صحفية كتبتها امرأة أرادت أن تحاجج كتابة النساء:

{{هـنَّ يكتبنَ}}

[*{{لبيبة هاشم}}*]

جاء في الجزء الأخير من مجلة الحسناء الزاهرة نبذة بقلم صاحبها حضرة الكاتب الاجتماعي الشهير جورجي أفندي نقولا باز في بيروت تحت موضوع (هنَّ يكتبن) أكد فيها حضرته أن ما يُرى على صفحات الجرائد والكتب والمجلات من المقالات والخطب العربية المذيلة بأسماء الأوانس والسيدات لهو من إنشائهنَّ حقاً بخلاف ما يتبادر إلى أذهان الكثيرين من أن الرجال يساعدونهنَّ في ذلك وقد عزَّز أقواله بأدلة وبراهين ساطعة أملاها عليه سامي أدبه وصادق اطلاعه.

وإننا مع الإقرار بفضله والشكر لعنايته ببيان مقدرة النساء الكتابية لا نعجب من تعضيده إياهنَّ وانتصاره لهنَّ على ما أوضحنا فإن درر حسنائه مازالت تتناثر علينا منذ سنتين مضتا ناطقة بآيات فضله على النساء واهتمامه بترقيتهنَّ، ولا غرو فإنه من الرجال الذين رأوا بعين حكمتم وذكائهم أن ارتقاء الأمة لا يتم إلا بارتقاء نسائها، فقام يسعى في سبيل تقدمهنَّ وتمهيد سبل نجاحهنَّ فأنشأ مجلته “الحسناء” لهذا الغرض وجعل يستحث السيدات على الكتابة فيها صارفاً فكره ووقته واهتمامه إلى المباحث التي تؤول لخيرهنَّ وفائدتهنَّ.

ومعلوم أن للرجل تأثيراً كبيراً في أحوال المرأة فهو قادر أن يساعدها على ورود منهل العلم والفضيلة والتجمل بمحاسن الأخلاق بتحبيبه إليها تلك الصفات والثناء عليها من أجل جمال النفس وكمال الآداب كما أنهُ قادر أحياناً أن يسقط بها إلى درك الاغترار بحسن الظواهر وتوجيه كل عنايتها إلى تزجيج الحاجب وتكحيل المقلة بما يورده على مسامعها من عبارات التغزل وقصائد التشبيب وما ينصبهُ من شرك الثناء المضل والتشبيه الكاذب.

أما وقد وجد بين رجالنا أمثال صاحب الحسناء الذين يعملون بصدق وهمة ومعرفة لترقية النساء فلا بدع أن رأينا أنوار الارتقاء تنبثق رويداً في أنحاء الشرق ولا عجب أن سمعنا صدى صرير أقلامهنَّ يتردد بين صفحات الكتب والجرائد والمجلات.

أما ما يتبادر إلى أذهان الرجال (وبعض النساء أيضاً) من عدم كفاءة الكاتبات واستحالة انفرادهنَّ بالتحرير فناتج على ما أظن من علمهم بتأخر مدارسنا وعدم الاهتمام فيها لتعليم اللغة العربية بنوع خاص وهم غير ملومين في ذلك لأنهم يرون الفتيات وقد أتممنَ علومهن في المدارس الأجنبية لا يفقهنَ شيئاً من أصول لغة وطنهنَّ وربما جهلنَ كيفية كتابة أسمائهنَّ فيها حتى لقد يبلغ بهنَّ الأمر إلى أن يأنفنَ من النطق بها ويفتخرون بجهلهنَّ إياها وذنبها لديهنَّ أنها غير إفرنجية.

نستثني منها مدرسة الأميركان في بيروت فهي المدرسة الوحيدة التي تقوم بتربية البنات التربية الأدبية الوطنية الحسنة فتعني بتعليمهنَّ أصول اللغة العربية وآدابها عنايتها بتهذيب أخلاقهن وتلقينهنَّ أنواع العلوم اللازمة لتثقيف عقول البنات وإطلاق أفكارهنَّ من قيود الضعف والخمول إلى عالم الاختبار والعلم ولكنها مع ذلك لا تقوم وحدها طبعاً في حاجة الشرق على اتساع أرجائه ووفرة بلدانه ولاسيما إذا أسقطنا عدداً وافراً ممن يتعلمنَ فيها وتمنعهن صروف الحوادث ووفرة الواجبات الطبيعية والمنزلية دون تمرين أقلامهنَّ وتسطير أفكارهنَّ.

ولا يقتصر الخلل والتقصير على المدارس الأجنبية فقط بل يتجاوزها إلى المدارس الوطنية أيضاً فإن المدارس الوطنية على اختلاف الطوائف والمذاهب التي تنتسب إليها متأخرة جداً لا تتجاوز في تعليمها حدود المبادئ البسيطة التي قلما تأتي الفتاة بفائدة والمدارس القليلة المرتقية نوعاً ما بينها تجري على خطة المدارس الأجنبية من حيث الاقتصار على تعليم لغة الأجانب تبعاً لأحكام الأحوال ومراعاةً لأميال الأهلين الذين تمسكوا بأذيال الفرنجة وتشبهوا بالإفرنج اتباعاً لقول الشاعر: وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم.

فإذا ما نظر الرجال إلى علم هؤلاء الفتيات وسمعوا أحاديثهنَّ التي تشف عن قلة معرفة، فضلاً عن جهل اللغة الوطنية، ثم رأوا لهنَّ المقالات الرنانة في الجرائد والمجلات العربية حق لهم أن يظنوا فيها المساعدة الخارجية، بل هم لا يلامون إذا اعتقدوا بأنه لا نصيب لها منهنَّ سوى توقيع أسمائهنَّ.

ولكن قد فات هؤلاء أمر جدير بالاعتبار وكفيل وحده للوصول بأفراد السيدات إلى أسمى مراقي النجاح ولو فاتهنَّ حظ التعلم في المدارس وهو “المطالعة”، تلك المدرسة الثانية التي لا تستطيع المدارس بكل ما فيها من التقصير والتأخر أن تحرم الفتاة الراغبة في التقدم من الاستفادة منها. قال العلامة الدكتور ورتبات(3) في خطبة له “كثيراً ما تحيرت في مطالعة كتب بعض نساء الإفرنج مما رأيته من بلاغة الإنشاء وكثرة المعارف وقوة العقل التي لا ترهب أصعب المسائل الفلسفية ولم يكن لهنَّ من تربية الذهن إلا المطالعة وتمرين القلم في عزلة المخدع ومعاشرة رجال العلم”.

فإذا كان تأثير المطالعة في بعض نساء الغرب ممن أدهشنَ العالم بقوة ذكائهنَّ وسعة اختبارهنَّ ومقدرتهنَّ العلمية والأدبية على ابتكار المعاني وجمع شتات الفوائد ومعالجة أمراض المجتمع الإنساني، فليس عجيب إذن أن تبلغ الكاتبات عندنا بعض الذي بلغته الغربيات بفضل اجتهادهنَّ ومثابرتهنَّ على المطالعة فوق ما حصلنهُ من العلوم الابتدائية في المدارس، بل نحن إذا نظرنا إلى توفر الوقت لدى نسائنا وكثرة انتشار الجرائد والكتب والمجلات حولهنَّ حق لنا أن نعجب من تأخر أحوالهنَّ الأدبية واقتصار التقدم على بعض أفراد قليلات منهنَّ لا أن نستغرب من تقدم أولئك الأفراد إلى حد أن نرميهنَّ بالعجز عن تسطير مقالة صغيرة في أبسط المواضيع.

أما إذا وجد من يزعم أن النساء الشرقيات هنَّ غير الغربيات وأن الضعف والتقصير طبع فيهنَّ مهما توفرت لهنَّ وسائط الارتقاء فما عليه إلا أن يرجع بنظره إلى نساء أسلافنا العرب في زمن حضارتهم ويرى ما كنَّ عليه من المعارف الواسعة والذكاء الباهر والارتقاء المدهش فيعلم أن المرأة واحدة في كل عصر ومكان.

بل لينظر إلى سائر النساء في جميع البلاد الراقية سواء في الأزمنة الغاربة أو الحاضرة ويتتبع تاريخ أعمالهنَّ المجيدة ومؤلفاتهنَّ النفيسة ومنظوماتهنَّ الرنانة وتأثيرهنَّ الساحر في عالم السياسة والأدب وتفوقهنَّ في أنواع الفنون الجميلة والصنائع الدقيقة، فيتضح له أن التي تهز الأرض بيسارها لا يستحيل عليها أن تهزَّ اليراع بيمينها.

{{الهوامش:}}

(1) الخدر، س1، ع6، ك1 1919.

(2) استبعدت الفكرة النابوليونية المرأة التي لا تنجب (لاختيارها الحرّ أو للعقم) من استطاعة التأثير على الفضاء العامّ.

(3) يوحنا ورتبات (1827-1908) من أصل أرمني، طبيب وأستاذ التشريح والفيزيولوجيا في الكلية الأميركية في بيروت. (أ.م.ع).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق