هنَّ يكتبن… هنَّ يفعلن(2/1)

لا يزال معظمنا يذكر احتفاء النقاد بـ “ذاكرة الجسد”، والتي اعتبرت واحدة من أهم الأعمال الروائية خلال العقد الأخير من القرن الماضي. ونذكر إفساح بعض الدوريات الصحفية المجال لنشر مقالات نغلت طياتها بأحكام مسبقة، وسوء الظنون بإبداع امرأة. وقبل انكشاف عري الموقف، كانت الشكوك قد دارت حول فاعل الرواية، وبناء علية انداحت أسماء مذكّرة بديلة، وتركز يقين ريبة بعض الكتبة في الكشف عن الهوية الحقيقية لـ “كاتب ذاكرة الجسد”، دون الأخذ بعين الاعتبار نظرية الأدب، الدراسة الأدبية المقارنة، أو الكتابة النسائية… الخ، وهكذا تحكمت بجوبات التحري البوليسي استحالة الخلق الأدبي النسائي.

في ندوة “المرأة والكتابة” (الرباط 2000) وقفت مستغانمي لتقول “ذاكرة الجسد هي روايتي” وبأن: “المسألة ليست مسألة ذاكرة الجسد، ولا القضية قضية أحلام مستغانمي، وإنما كوننا ننتمي إلى مجتمع عربي ذكوري يرفض الأنثى ويحتقر النساء، حتى أنه ما ظهرت كاتبة أو شاعرة عربية، إلا وجاء من يقول إن ثمة حتماً رجلاً يكتب لها. وهو ما لم نسمع أنه قيل حتى الآن عن رجل، ولا أنه قيل عن كاتبة تكتب في مجتمع آخر غير المجتمع العربي”(1). رغم قبول وجهة نظر مستغانمي في جزء واسع منها، من المناسب التشديد على أن ظلال التردي والشك بقدرة المرأة الإبداعية تحايث الذهنيّة البطرياركيّة على اختلاف الثقافات وتعددها، وإن بدرجات متفاوتة، وليست حكراً على هيئة اجتماع هذا “العربي” في كلمات الروائيّة الجزائريّة.

في هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن فيرجينيا وولف كتبت سلسلة من المقالات في مجلة New Statesman، جمعت لاحقاً في كتاب حمل عنوان “النساء والكتابة”، وفيها خاضت سجالاً مع آراء بعض النقاد والأدباء الانكليز، والتي اجتهدت طوال العصر الفكتوري على تكريس فوقيّة الرجال الثقافية والإبداعية على النساء عامة.

كما أن استحالة إبداع المرأة، أو ضآلة قدرتها العقلية على المحاكمة والكتابة عامة، لعلتها البيولوجيّة والفيزيولوجيّة، وبالتالي معلول نقصان عقلها المعرفي، كما هو الحال في السردية البطرياركية الإسلامية، هي امتداد للتفكير الاقصائي لديانات التوحيد في المنطقة العربية ككل، والتي جاءت جميعها “لتتم أو تساير مكارم الأخلاق” لا لتبطل العمل بها أو لتلغيها(2).

إن دوائر التجليات البطرياركيّة تتسع شرقاً وغرباً، وفي هذا المجال نحطّ الرحال عند الخطاب الفلسفي الأرسطي وتصنيفه لثنائيّة التراتبيّة: العقل (اللوغوس) والمادة (الجسد)، حيث الذكر يحايث اللوغوس، مبدأ الذات الفاعلة في السياسة والأخلاق La éticaأي في الفضاء العام. أما المرأة فهي المادة، أو الوعاء الذي يستقبل الصورة، أي أنها ملحقة بمبدأ السلب. ولجوهرانيتها الطبيعيّة هذه أفرد لها الفضاء الخاص لتستطيع إتمام وظيفتها البيولوجيّة. بمعنى أن الإدانة الأرسطيّة للمرأة بهوية جسد لا عقل له، وعقيم فلسفياً هو استراتيجية من استراتيجيات الطبيعة المتعالية على التاريخ. وقد بقي هذا التصنيف الجنسي اللامساواتي ساري المفعول لآماد طويلة، حتى في فلسفة الحداثة الأوربية، والتي التزمت ثنائيّة “ثقافة-طبيعة”، رغم تعارضها مع مثال الفردية والعقلانية الكونيّة المقترحة في فلسفات تلك المرحلة.

ضمن مناخات الجدل التنويري واعتباراً من نهايات القرن الثامن عشر قامت النسويّة الليبرالية الأوربية بمراجعة العقد الاجتماعي، ومبادئ وحقوق رجال الثورة الفرنسية، وقالت أن مشكلة المرأة هي مشكلة تاريخيّة، وبأن تعريف المرأة الجوهراني هو فعل تاريخي. وطالبت هذه النسويّة بحق المواطنة والتعقل والتعلم والتفلسف والإبداع في فضاء السياسة والاجتماع(3).

إذا أدرنا بقعة الضوء إلى نهايات القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، يلح علينا السؤال التالي: كيف كان وضع المثقفة العربية، وردود الأفعال حينها على الكتابة النسائية، خاصة أن امرأة الحداثة العربية تكشفت عن ذات فاعلة وقادرة على الحوار المجدي في الفضاء السياسي، أي العام؟

إن محاولة تقديم إجابة على هذا السؤال يشكل الدافع وراء المقالات والمواد التوثيقية التي سأحرص على نشرها تباعاً في “موقع الأوان”، لعل تلامح وجوه تلك النساء والإصغاء لفرادة صوتهن يميط اللثام عن الأقنعة النمطيّة، ويخلخل وطنيّة نكران ذات الأنثى المفبركة في كثير من السرديات.

بشكل عام، وبالمقارنة مع ولادة النسويّة الأوربيّة، يمكن القول أن حراك المرأة العربية ولد هو الآخر من رحم التنوير العربي، ويتقاسم مع مثيله الأوربي في العمق، صيرورة المولود غير المرغوب به وإن كان لا بد منه. فالطبقة الوسطى الصاعدة في المدن العربية في القرن التاسع عشر، والمسيطرة شيئاً فشيئاً على زمام الأمور السياسية والاقتصادية والثقافية والخطاب الأخلاقي، احتاجت لامرأة جديدة قادرة على إنجاز المهمة التربوية للأجيال المولودة لعائلات نووية في بيوتها الحداثيّة. أي إلى ضرورة أم جديدة لذكر الحداثة، وزوجة مناسبة لمواطن المستقبل.

خطاب الطبقة الوسطى العربية المبكر يدفع للقول أن دماء البطرياركيّة الجديدة المتمدنة والمتدفقة في شرايين هذا الطبقة، لم تكن لتتنازل عن كثير من امتيازات البطرياركيّة التقليدية الآخذة بالأفول، وإن اتجهت إلى إنجاز عقد اجتماعي جديد يقوم على برغماتيّة المنفعة المتبادلة. بمعنى قبول المرأة في الاتفاق والتعاقد الاجتماعي، والدعوة لتعليمها وتثقيفها، ولكن ليس كل التعليم المتاح، أو أي تعليم، وإنما ذلك الذي يخدم مهمة المرأة “الطبيعيّة” في التدبير المنزلي وإدارة البيت الحداثي الجديد، وتربية الأولاد… بمعنى تجميل وجه معادلة “الذكر للدولة والمرأة للعائلة” بشيئ من الإصلاح الليبرالي.

لنقرأ معاً كلمات الليبرالي فرنسيس فتح الله المراش بظلالها الطبيعيّة-اللاهوتية، ومركزيتها الذكوريّة androcentrismo عام 1872، والتي لا تبتعد كثيراً في خلاصتها الفلسفية عن كلمات تفوه بها مونتسكيو أو شوبنهور على سبيل المثال لا الحصر: “وهكذا لما خلق الله الرجل أصلاً للإنسانية رآه غير قادر أن يقوم بوظائف وجوده وحياته بدون فرع عنه يكون معيناً له ومساعداً. ولذلك قد نسل منه ضلعاً وصاغه امرأة له، لتقوم بوظيفة إعانته ومساعدته بملازمة متصلة غير منفصلة. فإذا كانت وظيفة المرأة إعانة الرجل في أعماله فهل تستطيع القيام بمهام هذه الوظيفة خلواً من تربية تلائمها وتطابقها. فكيف ينبغي أن تكون هذه التربية حتى تصلح لتلك الوظيفة المنيفة. لعمري يجب أن تكون مشتقة من ثلاثة مصادر وهي تحسين الأخلاق. وتهذيب العقل. وتعليم الصنائع الملائمة… ولا عجب من جعلي تربية النساء مقصورة على أبسط العلوم لأنها تكفي لنشر عقلها وتوسيع دائرة أفكارها… إذ لا غرو أن توغل النساء في عباب العلوم إنما ينتهي بهنَّ إلى عكس المطلوب لأن الشيء إذا تجاوز حده. جانس ضده… ولا نعني بحصر علمها في القليل أنها عاجزة عن تعلم الكثير بل إنها في غنى عنه مادام قليلها يقوم مقام كثيرها، ومن المحقق عند جمهور الخبيرين كون المرأة تكبر نفساً كلما ترفعت عقلاً، فتنحو نحو مطلق الحرية وتحذو حذو الرجال بحيث تعود غير مكترثة بالتزاماتها نحو البيت والعيال وغير مطيعة لأوامر مصالحها الخدميّة لأنها ترى نفسها أجلّ من أن تعنو لما لا يُفرض الاعتناء به على الرجل، وربما عنَّ لها أن تضع نفسها فوق مكان الرجل. وهكذا تخلع عنها شمائل الأنوثة وتلبس أطوار الذكورة. وهذا شينٌ عظيم وخلل جسيم يحولان بينها وبين الميل الطبيعي إليها. ولا بدعَ أن المرأة إذا انتحلت طبيعة الرجال نفر عنها الرجال كما تنفر النساء عن رجل يتصف بسجايا النساء، ولما كان الأمر هكذا كان كثير علم المرأة يضعضع فوائد قليله، وينتهي بها إلى طرف الجهل حيث تصبح غير صالحة لأود الذرية، إذ تمسي مكبلة لا معينة ومباعدة لا مساعدة”(4).

كثيرات من نساء هذه الطبقة، حتى قبل أن يصنفهن قاسم أمين تحت عنوان المرأة الجديدة، قبلنَ هيمنة خطاب التمدن الذكوري، المعارض لخطاب الخشونة والتوعر التقليدي (الذي لم يعترف لهنَّ بعقل أو خصهنَّ بنقصانه)، وتحركن من خلاله محققات المعادلة الصعبة: ذات فاعلة في ومن الفضاء الخاص، يتعلمن ويجادلن ويكتبن في الشأن العام، ويتواصلن عبر قناة الصحافة والأدب والفن، ويعتبرن أن السياسة والأخلاق هما فعلان يقدرن عليه ويقاومن لأجله، وإن وجدنّ في الصراع على مصالح التعليم والتربية وتأسيس الوعي بالقيم الليبرالية وأخلاقيات سلوكها في المجتمع بداية له.

لا ننسى هنا الإشارة إلى أن عدد من كاتبات تلك الأيام بعثن رسائل تطمئن الرجال، أو أعلنَّ من بين السطور، أنهن لا يبغين التدخل في الأمور السياسية ولا تنظيم الحكم وإدارته(5). وهنا لا يخفى على القارئ أن مجرد خروجهنّ بكلماتهن المؤثرة اجتماعياً من الفضاء الخاص إلى الفضاء العام هو واحد من أشكال وممارسات السياسة.

كي نقترب من مسرح تلك الأيام ستكون بدايتنا مع ذاكرة الحداثة انطلاقاً من مقالة تحمل عنوان “هنّ يكتبن” لكاتبها جرجي نقولا باز (1881-1959)، ونشرت في مجلة “الحسناء” نهاية عام 1910 وفيها يدحض الظنون عن فعل الكتابة النسائية.

لا يخفى على الكثيرين لما لوقع اسم جرجي نقولا باز في الثقافة العربية من ترجيع لمحاولاته الحثيثة في مجال النسويّة العربية، خاصة في “الديار السورية”(6). وكما هو معروف، أنشأ باز مجلة “الحسناء” الشهرية في بيروت عام 1909، أي أن هذه السنة تصادف مرور مئة سنة على تأسيسها. تصدر غلاف الدورية التعريف الدال التالي: مجلة نسائية، علمية، أدبية، تاريخية، أخلاقية، اجتماعية. بعد التعريف، وعلى التوالي من اسم مؤسس المجلة، تظهر أسماء هيئة التحرير، وهنّ: وردة اليازجي، استر مويال، أنسطاس بركات، سلوى سلامة، أسما سيور، مريم زكا، جوليا طعمة.

رغم أن المجلة لم تعمر طويلاً وبقيت تصدر فقط حتى سنة 1912، إلا أن المعرفة العميقة بالنشاط الصحفي النسائي والعام لتلك المرحلة بالمجمل، يدعو للقول بلا لبس بأن المجلة كانت محفلاً نسائياً للطبقة الوسطى بامتياز، دون الإغفال من قدر عدد من المثقفين الرجال المساهيمن بمقالاتهم التنويرية ذات التوجه الليبرالي فيها.

وتناولت المواد الصحفية والدراسات والأعمال الأدبية المنشورة في “الحسناء” هموم وقضايا المرحلة اليومية الراهنة والمتدفقة في كلية التاريخ على حدٍ سواء، وأسست لكتابة عربية نسائية شاركت في الإصلاح اللغوي، وساهمت في فلسفة التنوير من حيث تحديد بعض المفاهيم والمصطلحات، وبشكل بارز تلك التي تخص المرأة ودورها الاجتماعي بلغة عصرنا. كما وأعادت نشر مقالات أنصار ونصيرات المرأة ممن طوتهم يد الردى. ولم تغفل المجلة عن وجهة نظر النسويّة الغربية لعصرها أو واقع حال المرأة الغربية في مجتمعاتها المختلفة. واستطاعت المجلة اختراق حجب الفضاء الخاص، مما حضّ بعض النسوة على المشاركة بمقالتهن والتعبير عن أنفسهن من خلف سترهنَّ والحجاب، على اختلاف الطوائف والأديان.

من جانب آخر لا بد من القول أن المرحلة التي رأت فيها مجلة “الحسناء” النور تنتمي لما عرف بمرحلة “إطلاق الحريات”، وذلك بعد عودة الحياة الدستورية للإمبراطورية العثمانية عام 1908، إثر سيطرة “جمعية الاتحاد والترقي” على شؤون الدولة، وإجبار السلطان عبد الحميد الثاني على إعلان الدستور المعلق منذ 1878. ومع فشل “الحركة الارتجاعيّة” عام 1909 التي حاول بها الخليفة العثماني استعادة هيمنة الحق الإلهي لـ “ظل الله على الأرض”، ظهرت “الحسناء” على نواصي الأرصفة وفي المكتبات بين أدي باعة الصحف والمجلات. ضمن هذه الأجواء التنويرية، والمتزامنة مع نمو الشعور القومي للعناصر الإثنية الداخلة في تركيب الإمبراطورية العثمانية، تحدثت “الحسناء” بلغة نسويّة كونيّة لا تتعارض مع محليتها الثقافية العربية، لغة تتجاوز التعصب الديني وتجادل في العمق حول المبادئ الأخلاقية: حرية، مساواة، إخاء، و”حقيقة مركز المرأة في الهيئة الاجتماعية”.

أخيراً، وقبل أن تستطيل هذه المقدمة أكثر أذكر أن المقالة القادمة تحمل عنوان “هنّ يكتبن”، إلا أنها في هذه الحالة ممهورة بريشة لبيبة هاشم صاحبة ومحررة مجلة “فتاة الشرق” وفيها تبدي وجهة نظرها حول ما تناوله جرجي نقولا باز في مقالته، والتي أتركها للقارئ كي نفتكر سوية في السطور المكتوبة لما يقارب المئة عام:

{{هـنَّ يكتبن

جرجي نقولا باز}}

عدم الثقة بالنفس يدعو أحياناً إلى عدم الثقة بالغير. وغالباً يثق الإنسان بنفسه أكثر مما بغيره، إلا في بعض الظروف إذ ينعكس ويتبدل الشعور، وقلما اجتمعت هذه المتناقضات في أمة اجتماعها في بني سوريا، فإن السوري يثق بسواه أكثر منه بنفسه على أن يكون السوى من غير أبناء هذه البلاد، وإلا فيقيس مواطنه ويراه مثله غير أهل لثقة أحد.

وقد تساوى في ذلك الجنسان، ولا مجال هنا للبحث بإسهاب عن الأسباب على أن السوري بنفسه أهل لكل ثقة وإنما الأحوال المحيطة به هي التي تدعوه إلى الشك حتى في ما يكاد يلمسه لمساً وإن تكن ثقته في بعض المبادئ والزعماء عمياء.

نقول هذا تمهيداً لمقال نزيل فيه الشك من النفوس بكون ما ينشر في الجرائد والمجلات بأسماء الأوانس والسيدات هو شغلهن وحدهن ولا يد للرجال فيه، إلا ما تنشره بعض الصحف بالأسماء الأنثوية التي ينتحلها الكتاب لأغراض أكثرها شريفة(7).

فقد بلغ من قلة ثقة الرجل بالمرأة بل من قلة ثقة المرأة بنفسها أيضاً إلى أن صار الجميع يشككون بصحة ما يقال عن مقدرة كاتباتنا على الإنشاء.

ولطالما سألنا الأصدقاء والصديقات حتى العلماء منهم والمتعلمات منهن عن صحة ذلك وعما يعانيه الكتاب في تصليح مقالاتهن. أو في كتابتها لهن ونحن ما سمعنا شيئاً من هذا إلا واستأنا تأثراً من هذا الريب. بيد أنهم يثقون بما كتبناه ونكتبه عن مثل مدام دي ستال ومدام دي سفينيه ومسز برونن ومسز ستو وجورج اليوت وهلن كلر وماري سمرفل وليزا اوجشكو(8). وما ذلك إلا لأنهن فرنجيات. وإن تكن معظم كاتباتنا متبرنطات(9)

وصار همّ البعض كلما رأوا مقالةً لأديبةٍ سورية في صحيفة عربية أن يتسائلوا عمن كتبها لها قبل أن يطالعوها، كأن بناتنا من غير جنس بنات الإفرنج. وما زال ربع ما ينشر في صحف أوربا وأميركا هو من نسج بنات أفكار البنات. أيكون كثيراً علينا أن نبغ منا زهاء عشر كاتبات وكتابنا بلغوا المئات؟ لا… بل لا يزال عددهن قليلاًً علينا!

وهذا العدد القليل والحمد لله لا شبهة في كونه معتمداً على نفسه في ما يكتب. حتى إننا نستطيع الجهر بالفخر بأن كاتباتنا هنَّ يكتبن ولا أحد يكتب لهنَّ.

كأن البعض يتوهمون أن الشيخ ابراهيم اليازجي منشيء الضياء هو الذي يكتب مقالات السيدة لبيبة هاشم محررة فتاة الشرق، وظلوا على وهمهم إلى أن روى سليم أفندي سركيس في مجلته عن الشيخ يوسف الخازن صاحب الأخبار أنه رأى مرة خادم السيدة عائداً من منزل الشيخ بمقالة لها بخطها رنا إليها اليازجي بنظرة فقط. وتوفي العلامة ابراهيم ومجلة ليبية في عامها الأول وها قد مرّ عليها خمسة أعوام ولا تزال تصدر إلى اليوم والتقدم المستمر رائدها إنشاء وأفكاراً.

وكانوا يخالون فرح أفندي أنطون منشئ الجامعة أنه هو الذي يكتب مقالات شقيقته السيدة روزا. وداموا على ظنهم أيضا بعد أن أنشأت مجلتها (مجلة السيدات) إلى أن صرح شقيقها بكونها هي التي تكتب لا هو. وذلك بأسلوب لم يبق فيه مجال للشك بمقدرتها على الإنشاء. بل بكونها أعظم من كاتبة.

واشتبهوا بكون ما تكتبه الآنسة ماري عجمي منشئة العروس هو من قلم فليكس فارس صاحب لسان الاتحاد، على أننا عرفناها تكتب وحدها دون مساعدة أحد ورأيناها من أسرع الكاتبات في الإنشاء فضلاً عما بينها وبينه من بعد المسافة وما له من وفرة الأشغال.

وظنوا سلوى معاون اسماً قلمياً لكاتب، ولما تأكدوا أنها فتاة وإنما بغير هذا الاسم، توهموا أن أخاها يكتب لها على أنها آنسة كاتبة، ولا ريب في أن ما تكتبه هو من شغلها لا من شغل أخيها.

وقالوا بأن نعوم أفندي مكرزل صاحب الهدى بيده يكتب مقالات وروايات السيدة عفيفة كرم.

واتهموا أمين أفندي الغريب صاحب المهاجر سابقاً والحارس اليوم بأنه يكتب مقالات الآنسة مريم زمار.

وتوهموا أن مقالات وقصائد الآنسة سلوى سلامة من إنشاء ونظم شقيقها المعلم حبيب؟ وأن كتابات الآنسة مريم زكا شغل أحد نسيبيها ايليا أفندي زكا صاحب النفير، أو الأستاذ داود قربان؟ وإن خطب ومقالات الآنسة جوليا طعمة من صنع أبيها جرجس أو من كتابة منشيء الحسناء.

كما أنهم توهموا بأن هذا أيضاً يكتب مقالات بعض الكاتبات في مجلته ويصلحها جميعاً.

على أن لا صحة لشيء من هذه الأقاويل. وليست كاتباتنا باحتياج إلى من يكتب لهن ما زلنَّ هنّ يكتبن.

كذلك لم يثقوا بكون السيدة استر مويال بنفسها ترجمت وأنشأت كل تلك الروايات والمقالات العديدة، ومثلها السيدة زينب فواز صاحبة المؤلفات الكبيرة. ولم يصدقوا بأن السيدتين وردة اليازجي ومريانا المراش هما اللتان نظمتا ديوانيهما المطبوعين بعنوان حديقة الورد وبنت فكر، ومثلهما المرحومة عائشة تيمور ناظمة ديوان حلية الطراز. بيد أنهن أقدر على إتيان أعظم مما أتين به نثراً ونظماً.

واليوم في مصر نابغة كريمة تخطب في النوادي وتكتب في الجرائد اشتهرت أولاً باسم باحثة البادية، ثم عرفت بأنها كريمة العالم حفني بك ناصف. يقولون أن أباها يكتب لها، ولا يصدقون بأن إنشاءها شغل امرأة على أن إحدى الكاتبات أكدت لنا بأنها هي تكتب لا أبوها.

وذلك كما جرى لمؤسسة الصحافة النسائية العربية السيدة هند نوفل مدام حبيب بك دبانة، إذ قالوا بأن والدها المرحوم نسيم كان يحرر لها مجلتها. على أن من كانت في مثل أحوالها تربيةً وتعليماً لا يصعب عليها تحرير مجلة.

وقد تعود قومنا ألا يثقوا بكون ما تخطب فيه الأوانس في المدارس هو من شغلهن، بل ينسبونه إلى المعلمين وبعض الأحيان إلى المعلمات بيد أن الذكاء لا بد من ظهوره إن وافقته الأحوال في أي بلاد كانت.

هذا ما نكتبه الآن في هذا الشأن تأييداً لثقة الناس في الكاتبات. فلعله يكون مقنعاً للمكابرين. ويعلم الله أننا لم نخط حرفاً واحداً بقصد التمويه على العقول بل خدمة للحقيقة. وسيداتنا الكاتبات أرفع من أن يقبلن بسمعة لا يستطعن إثباتها بالبرهان لدى الاقتضاء.

أما إذا ظلّ المكابرون بصحة كلامنا غير مقتنعين وداموا بمكابرتهم متشبثين، مع ثبوت الأدلة على صدق مقالنا وتوفرها على تحقيق آمالنا.

فما أحرانا أن نجاوبهم بجواب ابراهيم الخليل لذاك الغني، إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء، ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون.

{{الهوامش:}}

(1) http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=25

(2) نشير إلى أن استعاذة عالم اللاهوت خير الدين نعمان الألوسي (1898) بالله من تعليم المرأة القراءة والكتابة، وهو يخطّ بريشته “الإصابة في منع النساء من الكتابة” (1898)، لا يعيق عن القول بأن عمق خطابه النصي الطهراني الكاره للنساء لم يستطع إقصاء العقل عن المرأة، بل فيه إقرار واعتراف، غير مباشر، بقدرة المرأة المعرفية والاستطاعة الكتابيّة، فيما إذا تدربت وهذبت ملكتها على اكتساب العلم. ولم يكن وراء حكمه المحافظ هذا إلا الدافع الأخلاقوي والهيمنة البطرياركية التي رأت في امرأة تكتب وتعبر عن نفسها فساداً من مفاسد وبدع الأزمنة الحديثة.

(3) في هذا المجال نذكر “إعلان حقوق المرأة والمواطنة” عام 1791 لكاتبته Olympe de Gouges (1748-1793)، والذي صدرته بعبارة: “أيها الرجل: هل تستطيع أن تكون عادلاً؟… امرأة هي التي تتوجه لك بالسؤال”.

(4) الجنان، ج22، ت2 1872.

(5) أعلنت هند نوفل محررة “الفتاة، أول مجلة نسائية عربية (الاسكندرية 1892)، أن مجلتها تتحاشى الخوض في الأمور السياسية وتتجنب المشاحنات الدينية (لعل هذا يلتقي مع الحرص المعلن للبنائين الأحرار). كما أن هنا كوراني المشاركة في مؤتمر شيكاغو النسوي (1894)، وقفت إلى جانب النسوية العالمية المعارضة للعمل النسائي في السياسية، وساجلت زينب فواز التي أبدت قبولها لهذا العمل.

(6) تعرف تاريخياً باسم ببلاد الشام أيضاً.

(7) من بين من انتحل اسماً نسائياً نذكر اللبناني سليم سركيس (1869-1926) الذي وقع بعض مقالاته باسم مريم مزهر في مجلته النسائية “مرآة الحسناء”، الصادرة في مصر سنة 1896. (أ.م.ع).

(8) من سخرية الموقف هنا أن جورج اليوت هو اسم مذكر انتحلته الانكليزية ماري آن إيفانس (1819-1880) كي تأخذ رواياتها على محمل الجد من قبل النقاد والقراء، الأمر نفسه كانت لجأت إليه الأخوات برونتي حين طباعة ديوانهن الأول (1846) تجنباً للأحكام المسبقة حول الكتابة النسائية. (أ.م.ع)

(9) هذا يعني أن اعتمار القبعة الليبرالي انتقل بصيغته النسائية إلى متنورات المرحلة، وكي نقترب من دلالة القبعة النسائية وأفكار امرأة متبرنطة سننتقل في هذا الهامش إلى مشهد فتى فلسطيني اعترض طريق شابة متبرنطة تقنعت خلفها الكاتبة استر مويال، وهي تخطّ لمجلة “الحسناء” نصها المعنون “فتاة فلسطين” (1911). كتبت استر مويال: “رويدك أيها الشاب الفلسطيني. أنت يا من شربت مع اللبن احتقار المرأة واعتقاد الخفة فيها. اغضض من طرفك واخفض بصرك وسر في سبيلك متأدباً رزيناً إذا قابلت فتاتنا السائرة ذات القبعة الكبيرة الحجم المملؤة بالأزهار والأطيار التي تكاد تخفي وجهاً صبوحاً تنيره عينان براقتان تبعثان نوراً ينبئ عن نفس عالية وفؤاد ذكي. وإن هزّك الطيش وحدت بك الخفة لرشقها بكعب سيكارتك المشتعلة أو لترميها ببعض عبارات تدرك هي قبحها دون أن تفهم مغزاها فإن عصاها التي علمتها على استعمالها سوف تلمس جلدك فترغمك على احترامها ولو لم تعتد عليه. وإن سألت علمت أنها قادمة إما من باريس أو من تولوز أو من لوزان الخ، حيث تلقت العلوم العصرية بكل فروعها فلم تدع قوة من قوى دماغها العاقلة ولا عاطفة من نفسها حتى ثقفتها وهذبتها ورقتها فأدركت ما لها وما عليها، وكيفت حياتها على الطريقة المثلى التي تجلب لنفسها ولذويها السعادة والهناء. دعها تسير بجانبك وهي آخذة بتقسيم قطعة موسيقية قد لحنها فاكنر أو بيتهوفن أو شوبان. أو تخاطب كبار الكتبة المتفننين وتراجع في ذاكرتها أقوالهم وآراءهم. كيف لا ومبادئ فيكتور هيكو وزولا ولوتي وغيرهم قد أخذت من نفسها كل مأخذ فطربت بها واستخفها السرور فمالت للنزهة وتسريح الخاطر بمشاهدة أعمال الله في خلقه فخرجت من بيتها بعد أن اكتملت زينتها وزادت وجهها إشراقاً بملابس تناسب قوامها ولون بشرتها زياً ولوناً. ومشت وهي مملوءة بالأماني والآمال لثقتها بأن كل حيّ يحمل وجهاً إنسانياً له الحق الأكيد الثابت بالاحترام والاعتبار. لأنه مهما كان ساقطاً في سلم المدنية تبقى به قوة كامنة وميل للخير خفي يدفعه متى توفرت لديه الأسباب للقيام بمنافع عديدة للإنسانية، فكيف بها وهي تعلم أنها أجمل الكائنات خلقاً وأكملها خلقاً على محبتها ونشاطها يتوقف عمار البيوت وإنشاء العائلات. وعلى حنانها وإنكارها نفسها ونسيانها مسراتها الذاتية تتربى الصغار وتقوم أخلاق الفتيات والشبان، فإن كنت لا تنكر أن المجرم الساقط يسهل لديه أن يفتدي نفسه ويكفر عن جنايته بندامة أكيدة وأفعال نافعة تحملك على اعتباره واحترامه بعد أن كنت تعدَّه أشدّ ضرراً من الأفعى وأعظم أذية من العقرب فتوسع له مجالاً بجانبك ليتمتع بملذات هذا الكون وينال نصيبه من نعيمه فلماذا لا تريد أن تعترف بالحق الثابت الأكيد الذي وهبه الخالق لكل الأحياء على السواء ومن جملتها ذلك الكائن الأدبي العاقل ألا وهو الفتاة ذلك الحق الذي يخوّلها حرية القول والفعل فتذهب حيثما تريد وتسير كيفما شاءت وتشتغل بما تحب وتقضي وقتها على الطريقة التي تجد فيها الفائدة والصلاح لها دون أن تتعرض لها وتسيطر على حركاتها وسكناتها وتجبرها على الانزواء ضمن جدران البيوت خوفاً من أمثالك، كأنما الطبيعة وجمالها والمخلوقات ومنافعها لم تخلق إلا لتكون طوع بنانك ورهن إشارتك فيا أيها الرجل أنت يا من يصرعك درهم من الكينا تأخذه علاوة عن القدر المعين لك وشوكة دقيقة تدخل في إبهامك تقعد عن السعي والحركة كيف جاز لك أن تتسلط وتسيطر على أخت لك حملتها الطبيعة كل شقاء وجودك فتأسرها وتستعبدها لأهوائك وتسجنها ضمن جدران منزلك بينما أنت تسرح وتمرح فتصبح وتمسي وتروح وتغدو حراً كالهواء لا يعارضك في أقوالك وأعمالك معارض. لقد آن لك أن تنبذ المبدأ الذي سرت عليه وسيرت فتياتك مكرهات على اتباعه (إن البنت قبرها بيتها) فنزلت وإياها إلى أدنى دركات الشقاء لأن ما من أذية وما من ضعة يرمي الرجل المرأة فيها إلا ونصيبه أعظم نصيب منها وكل سلطة يستعملها الرجل ليضع من شأن المرأة لا تؤدي إلا لإسقاطه وتحقيره وكل عمل يأيته لرفعها يزيده قوة وعظمة ومجداً.

نعم أيها الشاب الفلسطيني لقد آن لك أن تنبذ أهواءك جانباً عندما ترى فتاتنا وتفتكر لأنها إنسانة كما أنك إنسان وأنه لا يحق لك أن تنظر إليها نظرة شريرة كما لا يحق لك أن تعتدي على رفيقك وتسلبه جوهرة في صدره تزين عقد رقبته” (الحسناء، 1911).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق