هولوكوست أسود

ليس جديداً التصريح بأن الراحل إدوارد سعيد كان ممسوساً برواية جوزيف كونراد «قلب الظلام»، على نحو لا يشبه انشغاله بأيّ عمل روائي آخر في أية لغة أخرى، لأسباب كثيرة ومتكاثرة لا يبدو أنّ الحياة سوف تستنفدها في الشرط الحضاري الراهن من عمر الإنسانية. وفي الأساس كانت أفضل نماذج الإجماع في النقد الغربي تقول إن الرواية أمثولة فرويدية عن تمجيد الذات وتضخّم الأنا السلطوية، وتقول عن شخصية كرتز (التاجر الأبيض المتمرّد الذي يؤسس مملكة مستقلة في قلب أدغال الكونغو) إنه أنموذج البطل النيتشوي أو الأوروبي الإستعماري المؤمن بتفوّق العرق الأبيض على الأعراق الأخرى.

إدوارد سعيد رأى أن الرواية أمثولة سوداء حول عواقب هجرة الحداثة الأوروبية إلى «الآخر»، القارّة السوداء في هذا المثال، وكيف تحوّلت هذه الحداثة إلى ترس أساسي في آلة الإمبريالية، حتى حين دارت تلك الآلة لتنفيذ أبشع الممارسات البربرية في الإستغلال والهيمنة والإلغاء والإبادة الجماعية. ولأن سعيد اشتغل طويلاً على سيرة جوزيف كونراد، وبالتالي على ما يمكن اعتباره سيرة أخرى غير مباشرة لرواياته، فقد دافع بشدّة عن الرأي الذي يقول إن كونراد استلهم وقائع وشخصيات حقيقية حين كتب «قلب الظلام».

والحياة أنصفت رأي سعيد مراراً، ولكنّها أنصفته بقوّة ـ مرّة وإلى الأبد كما يبدو ـ مع صدور كتاب جديد يروي سيرة الملك البلجيكي ليوبولد الثاني (1835 ـ 1909)، يبرهن أنّ نموذج هذا الملك، ونماذج نفر قليل من كبار ضبّاطه ومساعديه، كانوا في ذهن كونراد حين رسم شخصية كرتز. وكتاب «شبح الملك ليوبولد: قصة الجشع والرعب والبطولة في أفريقيا المستعمرة»، للمؤرّخ والصحافي الأمريكي آدم هوكشايلد، لا يستعيد سيرة هذا الملك إلا لكي يروي حكاية سفّاح في ذمّته دماء عشرة ملايين أفريقي كونغولي (نعم، قرابة ضعف ضحايا الهولوكوست لمن تستهويه المقارنة!)، وفي سجّله صفحات هي بين أسوأ ما ارتكبته البربرية الأوروبية من فظائع ومجازر وجرائم بحقّ الإنسانية. إنه هو الذي يقول في وصف نفسه: «نيرون قدّيس بالمقارنة معي. إنني غولٌ لا يتلذذ إلا بتعذيب الأفارقة الزنوج».

حكايته تبدأ في عام 1885 حين قرّر، هو الملك المتوّج وسليل أسرة كانت لها حصّة في معظم تيجان أوروبا عبر المصاهرة والخؤولة والعمومة، أنّ بين أبسط حقوقه الملكية تحويل بلد أفريقي تفوق مساحته مساحة بلجيكا 75 مرّة… إلى ملكية فردية شخصية، له وحده ولا دخل لمملكته بما يملك. ولقد بدأ من حيث بدأت هجرة الحداثة الأوروبية إلى الأصقاع النائية، فأنشأ «جمعية الكونغو العالمية» ذات الأغراض الخيرية والإنسانية والعلمية (!)، ثم أعلن بعدها تحويل الجمعية إلى «دولة الكونغو الحرّة»، ووظّف عدداً من خبراء العلاقات العامة في تأمين ما تحتاجه هذه الدولة المستقلة من دعم سياسي لدى الحكومات البريطانية والفرنسية والألمانية والروسية، ولدى الكونغرس الأميركي. وليس بغير دلالة خاصة أن الولايات المتحدة كانت أوّل المعترفين بهذه الدولة العجيبة.

شهوة القوّة، بأىّ معنى فرويدي أو نيتشوي، لم تكن هي الدافع وراء سلوك جلالة الملك. كانت كنوز المطاط والعاج هي سبب ومبرّر وجود الدولة، أو مبتدأ وختام الـ Raison d’être كما في رطانة المعجم الذرائعي. وكان الأفارقة الكونغوليون يعملون بالسخرة القسرية عند رجال الملك، فيقتلون الأفيال للحصول على العاج، ويجوبون الأدغال شجرة شجرة لجمع سائل المطاط. قطع اليد هو العقوبة الأولى للمسخَّر الذي يفشل في تنفيذ الحصة المناطة به من الإنتاج. قطع اليد الثانية هو العقوبة التالية، وأما الثالثة فهي الأخيرة: رصاصة في الدماغ.

{{عقوبة قطع اليد}}

بين رجالات الملك، ممّن كانوا في ذهن كونراد عندما صاغ شخصية كرتز، هنالك ليون روم الذي كان يتفاخر بسياج حديقته المصنوع كليّاً من جماجم الأفارقة الذين اصطادهم بنفسه أو أنزل بهم عقوبة الرصاصة الواحدة في الدماغ (ولكي لا تغيب روحية الحداثة الأوروبية عن مزاجه الشخصي، كان هذا الضابط رساماً وجامع فراشات نادرة ومؤرّخ فولكلور أفريقي!). نموذج آخر هو غيوم فان كيرشوفن، الذي تفاخر ذات مرّة أنه كان يدفع ما يعادل دولاراً واحداً لكلّ جنديّ يأتيه برأس آدميّ أفريقي خلال أيّ من حملات التطهير العسكرية التي قادها بنفسه في أدغال الكونغو. وكان يعتبر أنّ الجندي بحاجة إلى حافز مادّي ايضاً، إذْ لا يكفيه أنه يقوم بالواجب (أي: عبء الرجل الأبيض، دون سواه) في تطوير تلك المجاهل الهمجية!

وبين أعوام 1885 و1908، انخفض عدد سكان الكونغو إلى النصف: كانوا عشرين مليوناً فأصبحوا عشرة ملايين! رحالة أوروبيون سجّلوا عشرات التفاصيل الرهيبة حول الفظائع التي ارتكبها جنود الملك بحقّ أهل الأرض الأفارقة. وعلى سبيل المثال كانت إدارة الدولة تعوّض رجالها عمّا فقدوه من ذخيرة نارية استناداً إلى عدد الأيدي المقطوعة التي يجلبها هؤلاء في سلال: كلّ يد دليلٌ على استخدام رصاصة في قتل إفريقي.

وأمّا صاحب الفضل في كشف جرائم ليوبولد االثاني فقد كان إدموند دين موريل، الموظف في “شركة ليفربول للنقل البحري”، والذي كان يتردّد إلى الكونغو بحكم عمله، فاكتشف شبكة رقيق العاج والمطاط هذه، وأنشأ جمعية خاصة لفضحها أمام الرأي العام: “رابطة إصلاح الكونغو”، التي تُعدّ واحدة من أبكر منظمات حقوق الإنسان. وللتذكير فقط: هنا بالذات، وفي وصف مجازر ليوبولد الثاني، دخلت إلى القاموس السياسي عبارة «جرائم بحقّ الإنسانية»، وكان الذي استخدمها للمرّة الأولى صحافي أميركي أسود يدعى جورج واشنطن وليامز.

آنذاك، كانت صورة الملك في الرأي العام الأوروبي والولايات المتحدة هي الرمز الأعلى للحاكم الخيّر العادل المحبّ للإنسانية. لكنه في عام 1908 وتحت ضغط الحملات المناوئة التي انخرط فيها عدد كبير من الشخصيات العامة (من أناتول فرانس إلى آرثر كونان دويل إلى أسقف كانتربري، مروراً بالكاتب الأمريكي الساخر مارك توين الذي وضع نصّاً خالداً في السخرية السوداء بعنوان “مناجاة الملك ليوبولد”، نشرته “رابطة إصلاح الكونغو”)، اضطر ليوبولد الثاني إلى «بيع» دولته هذه إلى الحكومة البلجيكية (!)، التي سارعت إلى حلّها، وأقامت بدلاً عنها مستعمرة «الكونغو البلجيكية». الأموال التي كسبها الملك من دولته هذه قُدّرت بـ 220 مليون فرنك بلجيكي (1و1 مليار دولار بعملة هذه الأيام)، صرفها بالكامل على إمتاع عشيقته كارولين، البغيّ السابقة. وعلى أي بند آخر كان سيصرفها، هو المتوّج في بلاده؟

إشارة أخيرة: الملك المعظّم هذا لم يطأ أرض مملكته الكونغولية مرّة واحدة!

في 25 آذار (مارس) الماضي، أحيت بريطانيا الذكرى المئوية الثانية لإقرار قانون إلغاء تجارة الرقيق، لكنّ المندوب البريطاني في الإتحاد الأوروبي ـ إسوة بزملائه مندوبي إسبانيا والبرتغال وهولندا ـ ظلّ يواصل جهوده لعرقلة مشروع قرار يتضمن الاعتذار من الشعوب التي كانت ضحية تلك التجارة. وقبل أيام تبارى الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته، جاك شيراك، والرئيس المنتخب، نيكولا ساركوزي، في توزيع الابتسامات وعبارات الترحاب والبشاشة على أبناء المستعمرات الفرنسية السابقة، الذين احتشدوا في حديقة اللوكسمبورغ الباريسية، لافتتاح نصب تذكاري في مناسبة اليوم العالمي لإلغاء العبودية (تناسى شيراك أنه صاحب العبارة الشهيرة، قبيل انتخابه للولاية الاولى، حول “ضجيج” و”روائح” الأجانب، وكيف يمكن أن تصيب الفرنسيّ بالجنون؛ وتناسى ساركوزي أنه صاحب العبارة التي لا تقلّ شهرة، عن ضرورة استخدام أجهزة التنظيف الكهربائية في تطهير الضواحي من حثالة القوم).

ورغم أنّ العبودية محرّمة قانونياُ في جميع بلدان العالم، فإنّ العالم ذاته يضمّ اليوم من العبيد أكثر مما كانت عليه الحال في أية مرحلة من تاريخ الاستعباد: قرابة 27 مليون عبد، أي ضعف عدد الأفارقة الذين استُعبدوا خلال 400 سنة من تجارة الرقيق العابرة للأطلسي. أيضاً، صار العبد المعاصر أرخص كلفة من عبد الأحقاب الماضية (كانت قيمته 40 ألف دولار في جنوب أميركا سنة 1850، وهو اليوم لا يكلّف أكثر من 60 دولاراً!)، بل اتخذ الاستعباد صيغة الفضل أو التفضّل على أبناء البلدان الفقيرة، تحت لافتة الهجرة الاقتصادية مثلاً، أو تسهيل سوق العمل السوداء، أو انتقال الشركات الصناعية العابرة للقارّات من بلدانها الأمّ إلى البلدان الأفقر.

صحيح أنّ الاستعباد على طريقة كرتز في رواية جوزيف كونراد، أو على نهج الملك ليوبولد الثاني وضبّاطه من أمثال ليون روم وغيوم فان كيرشوفن في الحياة الفعلية، قد تراجعت أو انحسرت تماماً، إلا أنّ التجارة ذاتها ما تزال قائمة رائجة واسعة النطاق، خصوصاً وأنها قد بدّلت أشكالها على نحو أكثر خبثاً من أن يفضي بها إلى التأثيم. العكس هو الصحيح، للمفارقة!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق