هوليوود.. سينما الخيال وأوسكارات السياسة

لنكن منصفين أمام انطباعاتنا في المقام الأول، إذ ليس بالأمر الحاسم أن يكون الإقبال الجماهيري على إنتاج فني ما وفي أي اتجاه كان دليلاً على التفوق؛ لأن التفكير النقدي أثبت لنا بالدليل النفسي (السيكولوجي) على أن حالة التجمع الأزلية أمام أي عالم افتراضي، بصرف النظر عن أي مسمى فني سينمائياً كان أم مسرحياً أو حتى خطابياً، تطغى فيها الطبيعة الغرائزية على السمات الفردية، كما تعمل على استحضار مجمل الإشارات العاطفية التقليدية وبذا تؤمن انتشاراً سريعاً للعمل الفني بسرعة انتشار العدوى؛ بشروط تجمّع كهذه تتحقق الجماهيرية؛ "لأن النشوة العاطفية هي جوهر متعة التلقي، وتجسيم لغريزة التجمع".

بل إن الحقائق التاريخية تؤكد أن كل إحجام ونفور جماهيري عن عمل فني هو دليل على تفوقه وامتيازه، وعلى مر التاريخ قذفت الكثير من الأعمال الفنية بالقذارة والبصاق والشتائم لكنها عادت وأثبتت نفسها في الحياة كأعمال خالدة لا تموت، واستطاعت فرض نظرتها وذائقتها الخاصة على الذائقة العامة. وفي المقام الثاني يأتي السؤال؛ إلى أي مدى تسطو السلطة السياسية على الفن؟ ما الذي يقلقها حيال الفن؟ الفن؟ أم مغبات غريزة التجمع وماّلاتها العاطفية؟

لا يزال الفن حتى الآن يمارس التحايل على السلطة السياسية، ومنذ فجر التاريخ كان وظل يُخشى من قدرة الفن على الحشد والتعبئة وبشكل موازِ لقدرة السلطة السياسية فأعملت فيه خنقاً وتكبيلاً، لكن كان لذلك أثر إيجابي بأن ظهرت للنور مدارس واتجاهات فنية قامت بخلق أدواتها وفلسفتها تحت الردع، وأطلقت الذهن الإبداعي نحو فضاء لا متناه من الخيال، ليصير فهم القصد والمعنى وراء كل فعل فني هو الأكثر أهمية. وكلما اشتد الردع قسوة وضُيّق الخناق أكثر انتصر الخيال، وصارت عملية التلقي أكثر تعقيداً وتطلباً، لأجل فك "شيفرة" العمل الفني ومن ثم إسقاطها على الواقع المعاش.

ومع تطور الأنظمة الاقتصادية والسياسية وتغيير الوعي الاجتماعي أصبحت مواجهة الفن وسياسات الردع تتحلى بشيء من الشرعية ومن التحايل المضاد، لأن المدنيات الديمقراطية لم تعد تجرؤ على ممارسة الردع في العلن، وإن فعلت فستكون برأي مواطنيها تأكل نفسها بنفسها. لقد نقلت السلطة السياسية أحداث هذا الصراع التاريخي إلى مستوىً جديد من خلال سيطرتها على (الميديا)، ولم يعد من سبيل لأي عمل فني للعبور إلى الجمهور إلا عبر هذه البوابة، وصار من السذاجة بمكان اجتزاء العمل الفني عن حدث إعلامي موازٍ له؛ وإن لم تقم " الميديا" بتعميده أولاً فمن المضحك التكهّن بنجاحه أو انتشاره. هذا التداخل المرعب بين الفن والميديا، والذي أخذنا نتحسس ملامحه منذ عقود، لاشك يصب في مصلحة السلطة السياسية في صراعها التقليدي مع الفن، وإلا ما هو السبب في إحجام بعض الفنانين عن تسلم جوائز أهم أكاديمية سينمائية في العالم وضمن اكبر حدث إعلامي سينمائي في المعمورة؟ أو تجاهل أفلام ومخرجين عظام اعتبر النقاد بعض أفلامهم من أهم وأجمل ما صنع في تاريخ السينما، إلا بسبب مواقفهم السياسية؟

المخرج الكبير(مارتين سكورسزي) تأخر منحه الأوسكار إلى أن تسلمه قبل عامين فقط عن فلم قد لا يعتبر شيئاً أمام التحف السينمائية التي قدمها لسينما هوليوود مثل: (كازينو، عصابات نيويورك، نيويورك نيويورك، صحبة جيدة، شوارع دنيئة) فقط لأنه كان شيوعياً وتربطه علاقة حميمة بكوبا، "مارلون براندو، أوليفر ستون" وغيرهم من عملاقة السينما. في المقابل محاولة تطبيق معاييرنا على أهم جائزة أكاديمية سينمائية عبر السياق السابق سيكون أمراً فيه الكثير من المجازفة والمبالغة، لكن يمكن القول وبوضوح أن هذه الجائزة تخضع "وهي خضعت حقاً" لمعايير سياسية تتعلق بشكل رئيسي بتوجه السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية؛ بحيث تضمن أن لايتم تشويش صورتها الإمبراطورية، أو أن يقوم العمل السينمائي بالتشكيك بنواياها الخفية التي تستتر خلف مظهر من الودية الحضارية والتبشير المسالم.

وليس المقصود هو الانتهاء إلى تصوير أمريكا على أنها الوحش الكاسر الذي يفتك بالشعوب وأحلامها وخصوصياتها الحضارية، وإنما الغاية تكمن في تفكيك أجزاء هذه العلاقة كمحاولة لكشفها من الداخل حتى يصار إلى فهمها، هذه العلاقة تؤكد أن ثمة امتداداً عميق الوجهة يشتمل على أهداف سياسية محددة يتناوب طرحها بالتواتر مابين الفن والسياسة؛ ويتمثل في أجندة السياسة الخارجية التي من شأنها تحديد وتكريس صورة الأمة الأميركية على أكثر من صعيد ومنها ما يتعلق بالصعيد الثقافي، فإن لم يضبط ويروض فقد يكون تهديداً لهذا التكريس وتشويشاً لصورته؛ خاصة وأن التنافس يجري في ميدان الصورة، ومن يعي أهمية الصورة في التأثير؛ يدرك أن السينما فعل وعي؛ وقد تشكل في مكان ما مثل أميركا وعياً مضاداً للتوعية السياسية الموجهة والهادفة إن كان في الداخل أو في الخارج، والمتتبع للنشاط السينمائي الموازي (مثلاً) لحروب الإدارة الأمريكية الحارة والباردة؛ سيلاحظ أن ثمة نمطية تطال مجمل عوامل الصناعة السينمائية من حيث بناء الشخصية، نوعية الصراع، أسلوب الطرح، والنهاية الكلاسيكية التي لا يمكن أن تظل مفتوحة وتنطوي على الكثير من الاحتمالات، لأن الرسالة يجب أن تكون واضحة ومباشرة حتى وإن كان السياق لا مباشراً.

من هذه الصراعات الثنائية بين الميديا والفن، بين الساسة والمبدعين، بين حرية التعبير والواجب الوطني، ندرك أن واقع سينما هوليوود محكوم لواقع سياسي؛ إلا أنه واقع ديمقراطي يتمثل بوجود سينما و سينما معارضة، وكما أسلفنا؛ الإدارة السياسية لا تستطيع أن تمارس الردع ضد الإبداع المعارض لها بسبب أنها ديمقراطية لكنها تمارس ضده عبر الميديا نوعاً من التهميش والتجاهل والاستخفاف، وهذا من شأنه أن يخفف من مدى تأثيره ويؤدي إلى الإحجام والإعراض عنه. حملات التهميش التي تشنها الميديا ضد بعض الأفلام أصبحت أمراً مألوفاً عند المراقبين وكل عام على وجه التقريب؛ ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الحملات المضادة التي تروج بها لأفلام لا ترقى إلى مستوى الاهتمام الإعلامي بها مستندة إلى عوامل الثقة والمصداقية التي تشكلها جوائز الأوسكار عند الجمهور العالمي؛ وتؤكد على ذلك في استثنائها لبعض الأفلام من جوائز الأوسكار،هذه الحوادث صارت تتكرر كل عام؛ لكن بشكل خاص في تلك الأفلام التي تحاول الوقوف عند سياسات الإدارة الأميركية والوقوف على حقيقتها أيضاً.

ولن ينسى المتتبع حجم التهميش الذي تعرض له فلم " بابل" على سبيل المثال لا الحصر؛ إذ كان يتحدث عن مفهوم الإمبراطورية الحديثة عبر ربطها بالدكتاتورية الثقافية والسياسية والقانونية التي مارستها حضارة بابل على الأمم في ذروة قوتها، وفي محاكاة استثنائية للترويج الثقافي والسياسي والمفاهيمي الذي تنشط الولايات المتحدة الأميركية في تصديره، عبر معالجة جميلة تعري مفهوم الإرهاب من وجهة النظر الأميركية؛ ليمنح في النهاية أوسكار أفضل موسيقى تصورية رغم أنه استحقها واستحق أكثر منها بكثير. هذا العام أعيد تمثيل ذات السيناريو ضد فلم " "avatar (جيمس كاميرون)، والذي يحلو لي أن أسميه شكسبير عصرنا فمثلما كان شكسبير لا يتوانى في خلق عالم افتراضي كامل ليعري فساد رجال البلاط وشرهم على ضوء سوء النظام الملكي؛ إذ لم يكن أحد من أبطال رواياته المسرحية إنكليزيا، وكذلك الأمر مع كاميرون إذ لا تحتاج رسالة الفلم إلى الكثير من التحليل والإسقاط لفهمها، الأمن القومي يشرعن الغزو والذي يتصل بصلب الأمن هو الحصول على مصادر الطاقة؛ مقابل شيء من الديمقراطية، وبرامج رعاية صحية مستديمة؛ تعليم حكومي؛جعة وسراويل من الجينز، وفي المعنى تصدير الثقافة واستيراد الطاقة.

ذلك الكوكب المدعو" باندورا" وشعبه الذي يعيش ضمن شبكة اتصال بيولوجية شديدة التعقيد والتطور؛ لا أسلاك أو شاشات وإنما جدائل من الشعر تنتهي بمجسات تؤمن الاتصال بكل ما حولها من كائنات، وهذا الشعب المتطور أصلاً في سبل اتصاله الاجتماعية ليس بحاجة لإعادة تأهيله اجتماعياً عبر ثقافة لا يفهمها، لكن "السماويون" كما يسميهم "الأفتار" مصرون على مقايضتهم الطاقة بشيء لا يريدونه، وتلك الممانعة التي أبدوها ضد مقايضة غير متكافئة سببت قتل آلهتم الأم مصدر الاتصال البيولوجي وأدت إلى طردهم وتشريدهم خارج وطنهم.

(مطرودون خائفون تمت خيانتهم) هذا ملخص خطاب الفريق العلمي المرافق للعسكر الأميركي، ذُبحوا وشردوا لأنهم رفضوا مقايضة عالمهم بشيء لا يريدونه، ليس لأن هذه الثقافة بكل ما تشتمل عليه من مفاهيم ورفاهية سيئة بل لأنها لا تناسبهم (لقد قتل السماويون أمهم ويريدون قتل أمنا). لقد عمل كاميرون على معالجة القضية الدينية بذكاء وتفهم قصدي، حينما حاول البطل "بشري مستنسخ عن أفتار" تحريض الآلهة ضد السماويين؛ جاءت الإجابة بأن الآلهة هي مآل كل الأرواح فكيف لها أن تقتص من أبناءها، ولم تنتفض الطبيعة إلا عندما خلفت آلة الحرب المدمرة خللاً في توازنها عندها دافع كل شيء عن كل شيء في مشهد قد يعتبر من أجمل المشاهد في تاريخ السينما عندما انتقلت الحرب لتصبح بين العسكر والشجر، بينهم وبين الحيوانات والطيور والأرض والأفتار، وفي النهاية انتصرت الطبيعة ولفظت عنها هذا الجسم الغريب.

الخطورة التي يشكلها هذا الفلم تظهر في كونه لا ينتمي إلى ايدولوجيا محددة سوى إيديولوجيته الافتراضية الواردة في سياق الفلم، وفي كونه لم يقف في صف على حساب أخر، ولأنه قد يشكل وعياً معاكساً يعري به شرعنة التبشير المفاهيمي التي تمارسها الإمبراطورية الأمريكية في مختلف بقاع العالم، عندما رسم صورة موضوعية لفشل ذاك التبشير بخلاف أنها مفترضة، وبين سطوره حاول أن يستنتج بأن التمدن والتطور الاجتماعي قد يكون وجهة نظر شخصية جداً وفي كثير من الأحيان تكون قاصرة، إذ لا يمكن للدبابات أن تأتي بالعلم والمعرفة وتهيئ لارتقاء اجتماعي من وجهة نظر إمبراطورية، وبأن عوامل نشوء هكذا نوع من التطور تحدث عبر صدمة داخلية تتحد فيها بعض العناصر ويقصى بعضها الأخر لكن هذا الإقصاء والإتحاد ينتمي إلى ذات المكون الاجتماعي، أما الصدمة الخارجية فلن تأتي إلا بالفوضى والدمار؛ كيف يمكن إعادة تأهيل مجتمع مدمّى بأغنية أو بنظرية سياسية وشيء من سراويل الجينز؟ وإن حدث واستكان فسيكون ذلك من باب الترويض لا التأهيل؛ وقتذاك لابد أن يأتي اليوم الذي يغرز فيه مخالبه في وجه مروضيه.

الكثير من إشارات الاستفهام يجب وضعها بعد عرض نتائج الأوسكار، وخصوصاً بعد تجاهل فلم "avatar" في المسابقة؛ وأيضا عند الفلم المنافس الذي حصل بالنتيجة على أهم الجوائز "the hurt locker" خزانة الألم، أوسكار أفضل فلم وأفضل إخراج بالإضافة إلى بعض الجوائز التقنية، والمفارقة هي أن الفلمين يقفان على طرفي نقيض بالنسبة لمصلحة الإدارة الأمريكية وسياستها الخارجية؛ أفتار يهدد مشروع التبشير الثقافي ونشر الديمقراطية ويصفه بالاحتلال المباشر؛ ويؤكد على فشله لأنه يحاول استنبات نفسه في بيئة غير ملائمة وبذا تنتشر الفوضى وانتشارها لا يخلق شيئاً بل يخلف الدمار. بينما لا يناقش "خزانة الألم" أسباب الوجود الأميركي في العراق، ويتناوله في الفلم على أنه واقع مألوف؛ وبأن الجيش الأمريكي هو جزء من عملية سياسية وأمنية كبيرة يجري التعامل معها يومياً؛ عبر اختزال الجيش بوحدة عسكرية مهمتها تفكيك العبوات الناسفة والأجسام المفخخة، وهذا الاختزال ينعكس بصورة مباشرة على انتقال الجيش الأمريكي إلى مرحلة ترسيخ الأمن وضبط ملفه قبيل انسحابه المفترض؛ وحتى دون الإشارة إلى هوية المخربين؛ من هم؟ مجرمون بغرض الإجرام أم هم مرضى مهووسون بالقتل؟ هذه البقعة الجغرافية تشتعل بالمنازعات الأهلية والمطالب والمحاصصة والاختلاف المذهبي والعقائدي، من هم مع الأمريكان ومن هم ضدهم؟

تم تجاهل كل هذا وتركز الاهتمام على مجند مجازف يخاطر بنفسه ليفكك عبوة أو يبطل قنبلة موقوتة، وفي كل لحظة يتهدده خطر التشظي إلى فتات، ولن يخلو الأمر في السيناريوهات التي تحاكي عقيدة "الكوماندوس" من طفل ضحية؛ حيث تقوم الجماعة (x) بتفريغ أحشائه وزرع قنبلة موقوتة محلها، والمفارقة هنا في صناعة المشهد هي هل يترك القنبلة تنفجر بالطفل وتحيله إلى أجزاء أم ينتزعها ليحظى الولد بميتة إنسانية ويرقد بسلام؟ ومن جديد تنتصر الاعتبارات الإنسانية على المهنية والاحتراف العسكري، ناهيك عن المخاطرة، ثم ليستمر البطل "المجند" في مهماته ومجازفاته في أماكن أخرى من العراق، وفي النهاية أظن أن إشارة الاستفهام الكبرى يجب وضعها عند جوائز الأوسكار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق