هوي طائرة الرحلة 409 من بيروت الى أديس أبابا غير بعيد من الضاحية النوارة والمجاهدة / وضاح شرارة

طائرة «البوينغ» 737 التي أقلعت في جو عاصف بعد منتصف ليل 24 – 25 كانون الثاني 2010 من مطار رفيق الحريري الدولي، قاصدة أديس أبابا الأثيوبية، وعلى متنها 90 راكباً وطياراً ومضيفاً ومضيفة، وهوت بعد ست دقائق تقريباً في قاع البحر القريب من بلدة الناعمة – هذه الطائرة إيذان بأن شيئاً يشبه حادثة غير متوقعة، وناجماً عن تضافر عوامل يعصى بعضها السيطرة والتحكم والإعداد، أمسى الشيء هذا غير جائز في حسباننا، نحن (الشطر العريض من) اللبنانيين المعاصرين، ووارثي العقود الأخيرة من التاريخ اللبناني وحوادثه.

ولا يشبه هوي الطائرة في الساعات الأولى والمعتمة والضريرة من اليوم الخامس والعشرين حادثة، على معنى الجواز والإمكان وتضافر العوامل غير المقدّر والاضطرار، لأن تلقف الواقعة واستقبالها وتأويلها وفهمها حَمَلتها، حال وقوعها وحدوثها، على تدبير إنسي وتقني تام لا يحتمل المصادفة ولا الخطأ ولا الجواز ولا الضرورة، أي حملت الحادثة على «خطة» ماهرة، وإنفاذ شيطاني معمٍّ ودقيق. فالكارثة الإنسانية والتقنية جريمة سياسية مدبرة وكاملة. وتعريفها هذا هو جواب عن سؤال سياسي وبوليسي تقليدي هو: من يستفيد من الجريمة؟ ويترتب السؤال بدوره على حمل السياسة على اثنينية الصديق والعدو، وعلى حصر السياسة في صراع الاثنين هذين، وتعريفها بفن إدارة الصراع المميت.

[الحرب والهجرة

وصراع الصديق والعدو، أو «نحن» القومية وخلافها العرقي والطبيعي والحضاري، حرب حقيقية أفقها الماثل هو الموت والتقتيل والتدمير. وهي حرب لا تهدأ ولا تفتر، على رغم الظاهر الخادع. ويبيت السكون الظاهر عملاً وإعداداً دؤوبين يجعلان السلم قناعاً لحرب مستعرة ومستترة. ولا تقتصر الحرب على ميدان دون ميدان، فساحتها الميادين كلها، لا يستثنى ميدان مدني من ميدان عسكري محض. والمحاربون هم القوم او الشعب أو الأمة. فلا يأمن طفل أو ولد أو مسن او امرأة على نفسه، ولا يحصنه من القتل سن أو ضعف أو جنس، أو اعتزال ساحة الحرب وقصور عن خوضها.

ولم يكن في مستطاع طائرة الخطوط الأثيوبية النأي بـ«حالها»، أي بواقعة هويها من الجو العاصف والملبد الى قاع البحر الهائج والمائج وهي لم تترك الأجواء اللبنانية بعد، من الحرب أو الصراع المميت و «المطلق». ويقود الى زج الطائرة المنكوبة في الحرب، وفي الأعمال العدائية، نقلها 54 لبنانياً مسافرين الى بعض المهاجر بشرق افريقيا (تنزانيا وشطري الكونغو وليبيريا وأنغولا…). ولا يشفع بحياد الطائرة، وطيارَيْها الاثنين، حملها 22 اثيوبياً، الى 7 اثيوبيين آخرين هم طاقمها، وامرأة فرنسية، ولا يخرجها هذا من دائرة الحرب والعدوان وتعمد القتل.

فاللبنانيون الـ54 صيد حربي وعسكري ثمين، ولا يسع العدو تفويته أو الإغضاء عنه. ففي المنكوبين القتلى نحو 40 لبنانياً جنوبياً شيعياً. ويتحدر الأربعون من صور والنبطية وبنت جبيل وبعلبك، الأقضية. والأربع عشرة الباقون يتحدرون من الشوف الدرزي، وجبيل والبترون المسيحيين، وعكار المختلط (السني والمسيحي). وبعض المسافرين الشيعة هم من أعيان المهاجرين ووجوههم في مهاجرهم ووطنهم. ويجمعون عراقة النسب المهجري، أو الإقامة المديدة والمجربة، الى علو الكعب في الأعمال، والسعة في التوظيف واستقدام الأهل والأصحاب والأبناء الى مهاجرهم. ومعظم الضحايا شبان أو في الفصل الناضج من شبابهم والأول من اكتهالهم. ولا يزيد عمن بلغوا الخمسين أو جاوزوها. وعددهم نظير عدد من لم يبلغوا عامهم العاشر.

وهذه كلها دواع تدعو العدو الى الرصد والبيات والقتل. وفي تأبين من وسع أهله تأبينه ودفنه، وهؤلاء قلة، نسب المؤبِّنون أو خطباء التأبين المعممون الضحايا الى «جنوبهم» وأرضهم وأهلهم وبلداتهم، ويستقيم هذا النسب من غير شك في الدفن عموماً. ومن هذه الطريق نسبوهم الى طائفتهم ومعتقدهم وهجرتهم. وهذا كذلك يستقيم في الميزان نفسه. ولكن بعضهم، وهم أعلاهم كعباً ومرتبة وأوسعهم ثراءً، احتُسبوا شهداء أرضهم وطائفتهم وهجرتهم ومقاومتهم، أو «مقاومة» الأرض والطائفة والهجرة معاً. وخطباء التأبين المعممون معظمهم الغالب من مناضلي «حزب الله» وكوادره ومسؤوليه. وفي اليومين الأولين غداة الحادثة، قبل مبادرة شيخ الحزب الشيعي المسلح الى مخاطبة أمة حزبه، لم يشك خطباء التأبين في أنهم يؤبنون شهداء مقاتلين حقيقة وليس مجازاً. فذهبوا، على مثال أحد مقدميهم، الى ان الفقيد المسجى هو واحد من «شعب المقاومة»، وأن «خسارته»، في ساحة المعركة والحرب ضمناً، لا تضعف الشعب هذا، ولا تفت في عضده. وحمل آخر، غداة أسبوعين على احتراق الطائرة، الولد الذي يؤبنه ويرثيه، وآلام أهله، على سابقة البلدة في الصبر على العدوان الإسرائيلي وعلى أذاه وضرره.

[فتوى الأرض

وما بنى عليه رأي عام أهلي ومذهبي تعليله انفجار الطائرة، أو احتراقها وسقوطها، على وجه الاغتيال المتعمد، وهذا حال سقوطها وفي ضوء «قرائن» لا يعتد بها، هو أولاً تعريف الجماعة المذهبية التي ينتسب إليها معظم الركاب نفسها تعريفاً حربياً أو سياسياً صراعياً. فلا يشك معظم الجماعة، نخباً وعامة، انهم أمة مقاتلة ومحاربة حملت على القتال دفاعاً عن وجودها ودينها وبيضتها، على ما كان يقول فقهاء الأحكام السلطانية. وحرب الجماعة المسلمة، أو الأمة، الدفاعية، حرب عادلة، على خلاف حرب عدوها الظالم والباغي والمستكبر. وأمارة الظلم والبغي هي ان العدو الصهيوني «زرع» في أرض ليست أرضه، واغتصب ما لا يملك، وشتت بالقوة أهل الأرض المسلمين. واحتجاجه بإبادة نزلت به، واضطرته الى المجيء الى فلسطين، مردود، ولا سند له، على ما لا ينفك محمود احمدي نجاد يقول، مستأنفاً «فتوى» أفتى بها مرشد «الثورة الإسلامية» بإيران ومؤسس «الجمهورية».

ونشأت الجماعة الشيعية المسلحة، أو المجاهدة والمقاومة، عن الفتى هذه. فالمرشد الأول لبس عباءة الإسلام «الواحد»، وألبسها ثورته ودولته وجهازه «العلمائي» وحرسه المقاتل واستخباراته وشرطته الأهلية. وأدار «الإسلام» على الأراضي المقدسة، أرض المبعث والدعوة وأرض الإسراء والمعراج وقبلة الصلاة الأولى. وبعث «المسلمين» على محاربة «الاحتلالين»، وندب حاجه وأهل مذهبه الى الحرب على الجبهتين الإقليميتين. ورجع عن الجبهة الأولى مضطراً. وبقيت الجبهة الثانية التي «أحياها» الهجوم العسكري الإسرائيلي في 1982، ونفخ حياة مسمومة فيها. فأخرج منها الفلسطينيين «السنّة»، وأسلمها الى الشيعة الإماميين في لبنان، وعلى الخصوص في جنوبه، وإلى «راعيهم»، وراعي بلدهم ومحروميهم وإمامهم، السوري المدرع والرادع والراصد والمستطلع.

ومذذاك، والذراع المجاهدة أو الجهادية تخوض على الأرض اللبنانية حروبها على عدو مزدوج وواحد هو العدو الأميركي – الصهيوني، وتنتصر. والوجه الأميركي هو وجه نصير الشاه محمد رضا بهلوي، «المقبور» على قول الولي الفقيه الذي استبدل في بيانات «جهاده» البسملة المعروفة (بسم الله الرحمن الرحيم) بأخرى (بسم الله قاصم الجبارين)، وسنده الأمني والسياسي وحليفه، والمشير عليه في 1963 بإصلاحات كافرة مثل الإقرار للنساء بالحق في الاقتراع والترشح والنيابة وإعفائهن من إجازة الزوج أو الأب أو الولي حين السفر، إلخ. وهي حملت المدرس بحوزة قم على «الخروج»، وإعلان الثورة على الظالم الأجنبي وذيله الداخلي معاً. والوجه الإسرائيلي (الصهيوني اليهودي) هو وجه المحتل بفلسطين ولبنان والأردن وسوريا، ومصر قبلها، والغاصب والمجتاح والقاتل والمشرد والمقتلع… وتكفلت «الثورة الإسلامية بإيران» وهي الأصل والرأس، بفرعها بلبنان، ورعته رعاية الأصل الفرع، وحضنته حضانة الولي المولى. وعاهد الفرع الأصل على الولاء المطلق، وعلى «الجهاد» ومونه. وتحولت الذراع العسكرية والأمنية «مجتمع حرب»، ومجتمعاً نقيضاً، وولاية مقاتلة أو مَسْلَحَة، على قول عربي منقول عن مصطلح روماني يدل على التخوم المسلحة والمرابطة بإزاء الأعداء.

ولم تؤد الانتصارات المدوية والساحقة والمتعاظمة، من مهاجمة السفارات ومقار القيادات العسكرية «الصليبية» واليهودية واحتجاز «الجواسيس»، الى إجلاء المحتل عن معظم الأرض، وتحرير الأسرى في سجونه، واستدراجه الى حرب لم يبلغ فيها هدفاً واحداً من أهدافه المعلنة وأولها سحق الحزب المسلح ونزع سلاحه، والمضي على التسلح على رغم القرارات الدولية ومراقبة قوات الأمم المتحدة، والانقلاب على الأبنية السياسية اللبنانية التي تقيد انفراد جماعة أهلية واحدة بإدارة الدولة ورسم سياساتها وتحول دونه – لم تؤد الانتصارات هذه الى اطمئنان الجماعة الشيعية المسلحة، وجهازها المتغلب، الى مناعتها، وحضانة اللبنانيين إياها. فتفاقم الشقاق السياسي والأهلي. وذر التشكك والارتياب قرنيهما. وصار التلويح بالسلاح والقتل، وفرط اجسام الدولة المشتركة وهيئاتها، وقطع الطرق واحتلال الساحات، وشل دورة الحياة الاقتصادية واستدراج العدو الى جولات مدمرة، ميزانَ الحكم والتدبير «السياسيين». وانقلبت المشاركة في الحكم، وهي البرنامج الرسمي المعلن للجماعة المسلحة والمقاتلة، ترهيباً وعدواناً يومياً على الجوار، وحملات تأديب يومية على الأهالي. وانقلبت الأحلاف بين «الطوائف» عهوداً ومؤامرات ثنائية، وتكتلات مرصوصة لا يتطاول إليها نظر أو مناقشة.

فالتعريف الحربي والمذهبي، معاً، نصب الجماعة كياناً قائماً في نفسه، وقلعة محاصرة ومنيعة لا تؤتى إلا من داخل، على صورة حرب الثغور والرباطات والقلاع في كتب الحرب الإسلامية. فهي قد تُسمَّم مياه شربها وشفتها، أو قد يُدس الطاعون في بعض اللحوم التي تأكلها. وقد يستمال ويُشترى بعض ضعفاء النفوس فيها، ويغتال بعض فرسانها على حين غرة، على روايات وقصص صارت مجازات، ولا تنفك تفعل في النفوس وتنشئها. وليس عماد مغنية ومصرعه، وحسن نصر الله وتخفّيه، آخر فصولها. وتجدد القصص والروايات هذه، وتستأنفها، وتحملها على وقائع راهنة، إنجازاتُ تقنية، إلكترونية ورقمية، يتباهى الجهاز السياسي العسكري والأمني ببراعته في ميدانها. ورفعها الأصل الإيراني والفرع اللبناني على حد سواء علماً على التقدم والسبق العلميين، وعلى القوة المنيعة والمرهوبة. ويترتب الاستدخال، أو الإتيان من داخل، على القوة والمنعة. فلا تنفك ألسنة الجهاز ودعاوته الخطابية، على الشاشات قبل الإذاعات والبيانات المكتوبة، والمقروءة، تنفخ في الانتصارات الرائعة وتصور قدوم عصر جديد و «فجر» بكر، يعلو فيه علي خامنئي ومحمود أحمدي نجاد وحسن نصر الله وجنرالات الحرس الثوري وتلاميذهم المحليون «جورج بوش» و «البنتاغون» ونتانياهو وغابي اشكينازي وبريطانيا اللئيمة والمخادعة.

[الوقت السياسي والعسكري

وفي دنيا المخاض الخلاصي وانقلاب العلامات، هذه، يختلط الظاهر بالباطن والباطن بالظاهر، فلا تعلم أخاك أم الذئب، على قول العرب في أوقات مترجحة بين الظلمة الزاحفة وبين بقايا النهار والضوء، ويلتبس فيها الخيط الأسود بالخيط الأبيض. وهذا الوقت سياسي عسكري واجتماعي وثقافي واقتصادي، معاً. وآياته الماثلة حوادث ايران القريبة، وجنوح أقرب المقربين الى مرشد الثورة، ونائب إمام العصر، من أمثال رفسنجاني ومير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحمد خاتمي الى الكيد للثورة والإسلام وإيران ومراسلة الأعداء والتمهيد لهم. وفي لبنان نفسه، تتصل حلقات أخاك أم الذئب، من اغتيال رفيق الحريري وحمله على مقاتلي إسرائيل، الى شبكات التجسس والاغتيال المبثوثة في مواضع غير متوقعة في انحاء لبنان كلها. ويمتحن الوقت الجماعة المسلحة، ومجتمعها المحارب والنقيض، ويمتحن يقظتها وتنبهها امتحاناً عسيراً. فإذا أغضت جزءاً ضئيلاً من الثانية، في أي موضع من مواضعها، أو فرد من أفرادها، عاجلها العدو اللئيم بسمه وجرثومته وعبوته وذبذبة إرساله الأرضي أو الفضائي.

وجسم الجماعة المسلحة والخلاصية كله أهداف عسكرية ومشروعة، على حكم العدو و «شره المطلق». وهو لا يراعي حرمة مقاتل أو مسالم أو مستأمن يحسب انه يستظل قوانين دولية ومدنية ترعى التجارة أو النقل أو الأطعمة. ومشاهد حربه في غزة، قبل سنة قريبة، شاهدة إلى الأبد على همجيته المترامية والمرسلة. ونظيرها ومثلها حربه على لبنان، وتمثيله في الأولاد والرضع والآمنين في الملاجئ. والحربان زادتا العدو المهزوم والمكلوم، وهو يستشعر نهايته، ووهن بيته وانهياره، خبثاً ولؤماً وخفاء وجبناً. واغتيالاته، وغاراته على مختبرات زراعية يزعم انها تؤوي إنشاءات نووية، وتهديداته إيران الإسلام، وسوريا الصمود، ولبنان المقاومة، كلها قرائن على ارتباكه وإصابته بالهستيريا. ومن هذه حاله، لا راد له، لا من سياسة – وهو يحارب «حماس» ليحصد «القاعدة» على قول الرئيس السوري -، ولا من بصيرة – وهو يمزق شعبه ويستعدي أصدقاءه الأتراك -، ولا من أخلاق أو دين على ما يُرى في «الشتات» المتلفز والموثق.

وجماع الأفكار والأحكام والصور والبدائه هذه هو «ثقافة المقاومة»، على قول كبار مثقفيها، من معممي الجماعة المقاتلة وخطبائها «المدنيين» أيام الجمع والآحاد في الأحزان والأتراح الى سفراء الحليف المشكور. فلما وقعت الواقعة في ليل الاثنين الأليل والبهيم والكافر (الحاجب) لم يشك اهالي نحو الأربعين راكباً «جنوبياً»، وأهلهم الأقربون والأبعد فالأبعد، وشطر أعرض من اللبنانيين يتحدرون تعليلاً ونظراً في الحوادث من الحروب الملبننة واختلاطها، لم يشك هؤلاء في مصدر النازلة. وهجمت على عقول الأهل المفجوعين وصدورهم في «ليل النقع» هذا، حين «لا شمس ولا قمر» على قول الشاعر الأعمى بشار بن برد، رسوم الجريمة الواضحة. فالطائرة اثيوبية. وأثيوبيا حليف اسرائيل وأميركا على الساحل الشرقي من البحر الأحمر، وتنازع العرب والمسلمين، والحليف الإرتري، على باب المندب والسيطرة عليه، على ما جهر أحد رأسيي «قاعدة الجهاد في جزيرة العرب». والبحر الأحمر شريان متصدر في لعبة الأبحر الاستراتيجية الكبيرة (ربط بحر قزوين بالبحر الأسود والبحر المتوسط حول «محور» تركي – سوري، على ما قال الرئيس السوري مستقبلاً نظيره التركي صيف 2009). وهو ممر نفط وبوارج حربية وتجارة عظيمة وسلاح ومقاتلين، ورئة سعودية ومصرية وسودانية، ويصل حوض المتوسط ببحر العرب والمحيط الهندي، الى أمور أخرى لا تخفى قارئاً تقريبياً لخريطة تقريبية.

ومن أول أخبار غزيرة انتهت الى اهالي المنكوبين بأقاربهم خبر يتناول ربان الطائرة الأثيوبي. فقيل ان الربان، وهو واحد اثنين، انحرف عن الخط الذي أشار برج المراقبة القريب عليه بسلوكه الى خط آخر أودى به، وبالطائرة والمسافرين، الى التهلكة. وبعض الصحف أبرزت في عناوينها الأولى خبر الطيار الأثيوبي، وعلقت تحقيق النبأ على الصندوق الأسود، وانتشاله من لجة البحر الهائج والعميق. والتعليق هذا أوحى بربط مجهول وخفي بمجهول أشد خفاء، وأبعد غوراً. واتصل خبر الطيار الأثيوبي بخبر فرعي ذهب الى ان الطيار رفض إرجاء الرحلة، على ما اقترح عليه برج المراقبة، بحسب من أراد الظن الحسن في برج المراقبة، أي في الدولة. ومن ظن شراً وسوءاً في جزء الدولة هذا، وفي الدولة كلاً وجميعاً وهي دولة «تهجير» على قول مرجع علامة، ذهب الى ان برج المراقبة لم يقترح شيئاً من هذا القبيل على الطيار المغامر، في أحسن الأحوال، والمتآمر في شرها. واضطر البرج العتيد الى الرد من طرف خفي. فقال ان طائرة سبقت طائرة الخط الأثيوبي الى الإقلاع بخمس دقائق، وأخرى أقلعت بعد الطائرة العاثرة الحظ بخمس دقائق، ولم يصبهما مكروه.

وروى شاهد عيان، صادف أنه سوري، يقيم بأحد أطراف السكن القريب من المطار، انه سمع انفجاراً قبالة شاطئ خلدة، بين المطار وبين الناعمة التي سقطت الطائرة نظيرها، ورأى في الوقت نفسه «كتلة من النار تهوي في البحر». وكانت السماء ملبدة، والعواصف الرعدية والبروق تصم الآذان وتخطط السماء، على ما كتبت نادية تويني قبل نصف قرن. وصورت آلة تصوير أمنية في احد المصانع القريبة انفجارين ضعيفين سبقا اشتعال الطيارة. وباشرت فرق الإنقاذ العمل في الساعة 3.30 صباحاً. واستنجدت الحكومة اللبنانية بمن يسعه الإنجاد والإغاثة. فكانت إحدى قطع الأسطول الأميركي السادس والحربي، «يو إس إس راميدج»، الأسرع تلبية، والأقرب الى محل الحادثة.

وآذنت المصادفة هذه – وهي ليست مصادفة على وجه الدقة، فسفن وقطع الأسطول السادس، وبعض قطع البحريتين الألمانية والإسبانية منذ إقرار القرار 1701 وانتدابها الى مراقبة تهريب السلاح الى «حزب الله»، تجوب مياه المتوسط بين تركيا واليونان شمالاً وإسرائيل ومصر جنوباً – آذنت في الساعات الأولى بعيد الحادثة بتأويل محكم لا ثغرة فيه. ومفاد التأويل ان الطائرة هوت بصاروخ أرضي أصابها، أو فجرتها عبوة من داخل. وتذرعت قطعة الأسطول السادس المتربصة بالحادثة، وأسرعت الى الشاطئ وهو يؤوي مرفأ أو أكثر في إشراف وكلاء الحزب المسلح والمقاتل والمحاصر، تصوره وتراقبه وترصد أحواله. وبعد «راميدج» الأميركية، يوم الاثنين العتيد، جاءت قطع من «اليونيفيل» الدولية المعززة غداة صيف 2006 و «حرب» «الواعد الصادق»، وهي على هذا شريكة في حصار «المقاومة» و «شعبها»، وفي حماية إسرائيل منها، جاءت وشاركت الجاسوس الأميركي المتكاثر والمتناسل سفناً في التصوير والرصد والاستطلاع. وفي 9 شباط، غداة نيف وأسبوعين على الحادثة، اضطر وزير الإعلام الى القول ان قطع بحرية «اليونيفيل» لا تحتاج الى سقوط الطائرة ذريعة الى التفتيش المراقبة، فهي تؤدي المهمة هذه بموجب تكليف دولي طلبته الحكومة اللبنانية، وكان وزراء الجماعة المسلحة أشد المتلهفين إليه.

فقضى «أصحاب» الدولة، وهم اصحاب لقبها طبعاً، نهار الاثنين الكالح والكئيب في الرد على كهانة المتكهنين في اسباب نكبة الطائرة وقضاء ركابها المرجح. فقال رئيس الجمهورية انه ينتظر التحقيق قبل الجزم بعمل تخريبي، ويستبعد الى ساعتها مثل هذا العمل. ولا يزال وزير الإعلام، عشية الأسبوع الثالث، على الرأي هذا، على رغم بيان الشركة الأثيوبية. فعُدّ قوله «استباقاً» و «انحيازاً» و «تبرئة ذمة»، على قول أهلٍ ومراسلين ومتحاورين على الشبكة. ودفع رئيس مجلس الوزراء عدداً من التهم، الأولى ان الحادثة ما كانت لتحصل لو سيّرت شركة طيران الشرق الأوسط خطاً الى شرق افريقيا، ولم تنزل عن الخط هذا لشركة دولة «أميركية»، وحليفة العدو الصهيوني، طمعاً في الربح (وعلى رأس الشركة مدير سني من آل الحوت البيروتيين، اضطر قبل 8 أعوام الى صرف مئات من العاملين فيها لقاء تعويضات، إنقاذاً لها من تراكم العجز، وهو مذذاك محل تهمة وشبهة اقتصاديتين وإداريتين ومذهبيتين).

والثانية ان الدولة، «دولته»، تستعين بسفن غربية تُكره الاستعانة بها شرعاً وأخلاقاً وسياسة. وهو – أي سعد الحريري وبعض «وزرائه» مثل وزير الدفاع (وهو «وزير» رئيس الجمهورية) ووزير الأشغال العامة والنقل (وهو «وزير» الزعيم الدرزي وليد جنبلاط) – إنما دعاها الى الإسعاف بوحي من انحيازه وتأمركه ورأيه الضعيف في العدو الصهيو – اميركي، على قول لبناني سائر اقتبسه اسماعيل هنية قبل أشهر قليلة. وردد في 8 شباط، محاوراً الـ«بي بي سي» العربية، أنه لا يبالي بما تقوله «محطات التلفزيون» في انحيازه وميوله. ودفع وزير الأشغال والنقل، في اليوم عينه، عن نفسه تهمة مجاراة السياسة الأميركية، وتملقها، واستقوى بمواقفه «المعروفة» وآرائه في هذه السياسة. فالمؤامرة الغادرة والمنتقمة لم تمت فكرتها في الأثناء. وزادها استعاراً في هشيم الظنون، و «ثقافة المقاومة»، خبط البحث عن هيكل الطائرة، وأسراها وجثثهم المقيدة الى مقاعدهم، وعن الصندوقين السوداوين وعسر إخراج أحدهما، ثم إخراجه من غير الجزء الذي يدون «ذاكرة» المخابرات.

[إعلام السدة

والحق ان الإعلام الكارثي والرؤيوي الذي تناول الحادثة المروعة، وخلى بين الظنون والتخمينات المفجوعة وبين خروجها مخرج أخبار الثقات وحديثهم، هو البث التلفزيوني الحي والحربي والجماهيري. وكانت الجزيرة القطرية أول من اختبر مثل هذا البث على نطاق كوني، غداة 11 ايلول 2001 مباشرة، بأفغانستان، ثم بلبنان وفلسطين. وربما سبقتها «المنار» الحزب اللهية، على نطاق أضيق في حزيران 2000، في أثناء الجلاء الإسرائيلي واستعادة الجماعة الأهلية وجهازها ما كان، الى الأمس، حزاماً وشريطاً. والإعلام المصور والحي يقضي بمباشرة التصوير والنقل والبث في اثناء حصول الحادثة من غير وسيط ظاهر. وعليه، انتقلت محطات التلفزيون اللبنانية، وبعض العربية، الى مسارح الحادثة، على الشاطئ نظير المواضع الحائرة التي ظُنت مهاوي الطائرة المحتملة. وهذه تنقلت مع قطع الطائرة المتناثرة، بين اللاذقية وطرطوس شمالاً وبين صور جنوباً. ومن الشاطئ راحت الى مستشفى رفيق الحريري الحكومي، حيث جمعت البقايا وأُجريت الفحوص، وإلى القيادة البحرية والدفاع المدني، وإلى مدافن التشييع والتأبين.

وتربع أهالي الضحايا في سدة الإعلام وصدارته. فهم «محاربو» الخنادق الأمامية، والممتحنون في لحمهم ودمهم، ومرآة مجتمع الحرب والنقيض، ولسانه الجهوري، وصوت مشاعره المتأججة والصادقة. وهم صنو أهالي غزة الفلسطينيين في اثناء حرب «حماس» والجيش الإسرائيلي، وصنو جماهير الشيعة اللبنانيين في اثناء حرب «حزب الله» والقوات الإسرائيلية، في مرايا المحطات التلفزيونية المقاتلة، شأن «المنار» و «الجزيرة» وغيرهما. ومثل هذا الإعلام يصدر الجماهير المصابة وحسب. فهو يجعل مصابها، وما تقوله في المصاب هذا ساعة قولها، معيار الفهم والشعور والحكم الأخير والقاطع. والشاشة، وتعليق المذيع، هما صورة المعيار الماثلة. ولا يقدح في هذا الزعم، ولا يطعن فيه، صدور من يتفجعون ويبكون ويصرخون عن آلامهم وخسارتهم، في المرتبة الأولى، وعن أحكام شائعة في أهلهم وجماعتهم، في المرتبة الثانية. والمصيبة، في الحرب أم في الكارثة الطبيعية، تجمع الأهل والجماعة على يقين عميق صنعته الاختبارات المشتركة، ورعته مصالح استقرت عليها اختبارات الجماعة ومنازعاتها وغلبة من غلب عليها.

ويستقوي الإعلام «الحي» – وصفته المزعومة هذه يراد بها نصبه نقيضاً لإعلام ميت ومعلب على شاكلة إعلام السي إن إن في حرب الخليج (العراق) الثانية أو إعلام المراسلين المرافقين وحدات أميركية مقاتلة في غزو العراق قبل 7 أعوام – وهو إعلام مباشر وخام، يستقوي بحضور وجدان الجماعة الأهلية، ووجدان الضحية، حضوراً صارخاً هو (يفترض) صوت الحقيقة المدوي والعميق. ويترتب الرأي المفحم والبديهي هذا على رأي سابق مصنوع ومغرض. فهو ينسب ما يقوله المنكوبون، كانوا منكوبي طائرة هوت في عاصفة أم منكوبي قصف بالقذائف الفوسفورية في عملية حربية مدبرة، الى الحقيقة. وتصح هذه النسبة وتسري ما اتفق قولهم الواحد والمجمع مع آراء جهاز قوة منفرد بالسيطرة والسلطان. ويزعم الجهاز على الدوام، في إيران الحرسية ولبنان «المقاوم» وسورية الأسدية وفلسطين الحمساوية والعراق الصدري وغيرها طبعاً، انه صورة الجماعة الأهلية، وأن سلطانه الأمني والإيديولوجي الخطابي هو روح الجماعة وصدرها وذراعها. فإذا لم تجهر الأصوات الوجدانية هذه «الحقيقة»، ولم تجهرها وحدها، عمد الجهاز الى خنق الأصوات، وإطفاء الصور والشاشات، وإبطاء الشبكات، وقطع المراسلة، وحجب المواقع، على ما يختبر الإيرانيون والسوريون وغيرهم اليوم.

فحمل المشاعر الملتاعة في أوقات المصائب والنوازل، صدفة أم تدبيراً، على حقائق السياسة «الموضوعية»، وتعمد إغفال «الثقافة» التي تصدر عنها المشاعر والأحكام، والتدليل بها على صدق رأي وقول وشعور تحقق المذهب السياسي الذي يرعاه جهاز أمني ودعاوي مدبِّر ومتسلط – هذا كله من أسلحة حرب إعلامية كثيرة الجبهات. والحرب الإعلامية هذه، شأن الحرب السياسية (الأهلية والعصبية)، والقتال بالسلاح، حرب غير متكافئة. وهي تُشن على عقول الجمهور ومشاعره، وعلى السياسة المدنية والوطنية وعلى مداولاتها وهيئاتها ومنازعاتها وانقساماتها المعقولة. وما ترسخه هذه الحرب هو نظام عبودية إرادية تضرب بجذورها في «أعماق» النفوس ودواخلها.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق