هيجل والإشكالات الكانطية

 أعطت تجربة هيجل (1770-1831) الدينية في شبابه، والمتأثرة بصوفية يعقوب بوهمه (1575-1624) وعياً مبكراً عنده باعتبار”الكُلية” كأحد نواظم نظرته للكون، وساهمت في رفضه للنزعة التجزيئية.
فالدين، كشكل مؤطر لعلاقة الانسان بماوراء الطبيعة، يضع الفرد، كجزء، في إطار علاقة مع كائن لامتناه، ويحاول إزالة التناقض بين المتناهي واللامتناهي من خلال أشكال شتى (العهد – الوعد -ا لبركة – النعمة – العبادة – الطقوس…الخ) وعبر نظرة تتحكم بها رؤية وحدوية-تركيبية لمختلف ظواهر الوجود ضمن نواظم وقوانين يمثلها أو يخلقها الكائن المتعالي.

تختلف الأديان في بناها المعتقدية بسبب رؤيتها المتنوعة لطرق الوصول والإتحاد بهذا الكل أو المطلق (=الله): فاليهودية (والإسلام)، من خلال رؤيتها لنشوء حالة فصل بين الإلهي والبشري، ترى أن إنشاء جسر واصل بينهما لا يمكن أن يتم من خلال انهاء التنائي والتعالي الإلهي عبر حلولية إلهية في الإنسان أو من خلال ارتقاء صوفي نحو الأعالي، بل من خلال شريعة إلهية منزلة ومؤطرة في كتاب د يني، يمثل حالة وسيطة بين الله والإنسان، بحيث يمكن للإنسان أن يقترب من الله عبر تنفيذ تعاليم الشريعة والتمسك بها ضمن سلوكية متقيدة بها، كناظم خارجي لدواخله النفسية والشعورية والحسية، وتشكل العبادات والطقوس الشعائرية، المترافقة مع مظاهر سلوكية محددة ضمن إطار النواهي والأوامر الإلهية، وسيلة عملية لتوحيد الباطن النفسي-الجواني مع تعاليم الشريعة.

كانت المسيحية في إطار آخر. حيث قدمت ديانة جوانية-ذاتية. فالمسيح كتوحيد، في ذاته، لكل من اللاهوت والناسوت، قد أعطى بديلاً لتنائي وتعالي الألوهية من خلال جمعهما في صورته البشرية التي هي نوع من الوعاء لحلول الله في ذات إنسانية محددة. لهذا نجد تعارض المسيح مع اليهود آتياً من تقديمه تعاليم أخلاقية محض وليس ديناً سياسياً، كما أن تعارض المسيح مع تلك الديانة الحسية-العملية قد أتى من كونها لا تقوم، كالمسيحية على موت الجسد، وإنما على استعماله (إضافة إلى كونها تطلب من الإنسان آليات سلوكية وجسدية وحركية للتقرب من الله) كأداة لبناء مملكة الله في دولة سياسية-دينية.

يرى هيجل أن هذه الحسية والحَرفية العملية في تطبيق تعاليم الشريعة تؤدي إلى تحويل الأخيرة إلى غاية، حيث تتحول من كونها وسيلة لتصبح غاية في حد ذاتها، تعيق الوصول إلى لهدف وهو الوصول إلى الله، لتقيم –كديانة وضعية- حالة خارجية بين الله والانسان، وبالتالي تنشئ حالة تجزيئية بين طرفي الكون، وتمنع تمثل الجزء-=الانسان- للكل-=الله-. حيث يعتبر هيجل أن الوصول إلى الله يجب البحث عن طريقه عبر وفي الذات الإنسانية ،بوصفه هو “ذاتنا العميقة التي تسكن في قلوبنا”(ولتر ستيس:”فلسفة هيجل:المنطق وفلسفة الطبيعة”-المجلد الأول-دارالتنوير-بيروت1983-ص272) مما يعني أن الله، الذي هو الموضوع المطلق، هو أيضاً الذات، أي ليس قوة خارجية، بل داخلية. وبالتالي ،فإن الطريق للوصول إليه هو الذات الحية الملقاة في حركة الواقع المُتعين، وصولاً إلى تحققها في (المطلق).أي عبر حياة الذات البشرية، ما يطرح (الطبيعة) و(التاريخ)كأداتين للوصول إلى (المطلق)، وهو ما يعني أن الله-=المطلق-غير مفارق أومتعالٍ بالنسبة لهما، بل محايث.

ابتداء من مؤلف هيجل”شذرة نسق فرانكفورت” (1800) نلاحظ أن اكتشاف هيجل لمفهوم “الحياة”، باعتباره نمطاً موحِداً لأشكال الوجود وميداناً لتعينها وتحققها في التاريخ- قد أدى إلى تجاوز هيجل لمرحلته اللاهوتية، وللدخول في عملية بناء المذهب الفلسفي المكتمل. والملفت للنظر، أن هذا المفهوم قد وُضع لإيجاد نسق موحد يستطيع إقامة علاقة عضوية تتيح الانتقال من الوجود الإلهي إلى وجود “العالم” و”الكون”. فهنا، توجد صياغة لمفهوم موحِد لأنماط الوجود المختلفة يسمح لها بالانتقال، عبر النشوء والحياة العينية، من شكل إلى آخر، بحيث تتغاير في إطار حفاظها على ماهيتها، للوصول إلى “كلية” الموجود المتمثلة في “الحقيقة”. وقد اعتبر هيجل أن حياة المسيح تمثل إيذاناً بهذه الحالة من النشوء (هربرت ماركوز: “نظرية الوجود عند هيجل”- دار التنوير- بيروت1984- ص311).

من خلال مفهوم “الحياة” حاول هيجل حل مشكلة “الإدراك الواعي الترانسند نتالي”. فهو يقبل بنظرية كانط التوحيدية لـ”الذات” و”الموضوع” في فعل المعرفة، ويعتبرها توحيداً لـ”الوجود”و “الذهن” معاً في وحدة تشكل سمة للوحدة الأصلية التي يعرض هيجل إمكانية الوصول إليها في “المطلق”. إلا أن هيجل لا يقبل بالصيغة الذاتية لهذه الوحدة الكانطية، مما يؤدي إلى الغاء بعدها الموضوعي المتخارج، الذي يرى هيجل ضرورة وجوده في هذه الوحدة، وهذا يعني أنه لايجوز وجودها، كما قدم كانط ، في إطار محصور بفعل المعرفة، بل يجب امتدادها وتحولها إلى صورة وجود أيضاً، أي “الحياة” في عملية امتلائها المتعين والمتحقق عبر”الوجود”. وقد أدى وضع هيجل لمفهوم “السلب”، الذي هو قابلية الوجود للحركة، إلى إدخال جسر واصل بتيح لـ”الأنا” تحقيق ذاتها من خلال انقسامها ووجودها في “الآخر”، الذي هو “الموضوع”-=الطبيعة-. فلكي تصبح “الأنا” ذاتاً يجب انتقالها عبر”الصيرورة” إلى النقيض لتحقيق تعين “الذات”، للوصول إلى “المُركَب” الذي يمثل وحدتها الجدلية، وهو ما يعني احتفاظ “الذات” بماهيتها من خلال انقسامها في “الآخر”، وعودتها إلى ذاتها من خلال تحققها هذا، الذي لا يمكن حصوله إلا من خلال “النقيض” ذاته.

يوحد هيجل “الفهم”، بما يمثله من تكريس للانقسام وفقدان الترابطية، مع “الطبيعة”، معتبراً أن كانط لم يقدم أكثر منه نحو “العقل”، مما أدى برأي هيجل لتكريس انقسام المعرفة والوجود، وانقسام الإنسان والعالم حيث يعتبر هيجل أن أخلاق “الواجب الكانطية” تمثل نموذجاً له. فهو يرى أن “الإدراك الواعي الترانسندانتالي” عند كانط هو بمثابة تكريس لتجريد يقبل بفراغه الداخلي، حيث يقدم هيجل لملئه الحركة التناقضية–الجدلية الذاتية للموجود، والذاهبة نحو التعين والتحقق لحقيقته: هذا التعين للذات الوجودية تكون نقطة انطلاقه هذا التجريد نفسه الذي يمثل نقطة بداية كل ذات وجودية، ثم لتتوسط مع الآخر-=الطبيعة- ،ما يعني توحداً للذات مع الموضوع في إطار أن الوجود الخارجي، كميدان للتعين، هو نسق العلاقات التي تتيح ، عبر الصيرورة، إمكانية لتحقيق وحدتهما، من خلال حركة “الحياة” التي يهدف تعينها وتحققها الوصول للمطلق، والذي يمثل امتلاءً لهذا التجريد الفارغ.

من هنا يأتي رفض هيجل لنظرية كانط حول الفصل بين “الظاهر” و”الجوهر”، والتي ترى استحالة معرفة الجوهر الذي يوحده هيجل مع “المطلق”. فالترابطية العضوية التي يقيمها هيجل بين “الذات” و”الموضوع” تعني أن كل موضوع لا يوجد، كتموضع، إلا من خلال الارتباط بالذات، أي بالفكر، الشيء الذي يجعله يرى عدم وجود شيء غير قابل للمعرفة، وهو ينطلق في هذا من أن “العالم” هو “فكرة”، أي أنه موضوع يوجد من أجل “الذات” وحدها، وهو كفكر يعني تعينه في المطلق-=الفكرة الشاملة-الوصول إلى مركب موحِد للذات والموضوع، من حيث أن الذاتية قد امتصت في جوفها، عبرحركة تناقضية، مضادها المتمثل في الموضوعية من أجل وصولها إلى “المطلق”. وهذا يعني أن الوعي الذاتي-=الوجود لذاته-والوجود-=الوجود في ذاته-لهما نفس الماهية التي يتم تحققها في “المطلق”، الذي يساوي مجموع تحققات هذه الماهية.

هذا يعني –حسب هيجل- أن “العقل”-=الفكرة- هو اليقين بأنه كل الواقع. “فتصميم العالم قد انتظم أساساً بحسب هذا العقل” (هيجل:”حياة يسوع”- دار التنوير-بيروت1984-ص47) ثم يضيف في “فلسفة التاريخ”: “إن تاريخ العالم ……….يتمثل أمامنا بوصفه مساراً عقلياً….وأنه-أي العقل- يكشف عن نفسه في العالم” (الجزء الأول- دار التنوير-بيروت1983-ص78)، وهذا ما يعيدنا إلى تصور انكساغوراس لـ”النوس”-=العقل الكلي- الذي جعله مفارقاً للطبيعة وسابقا لها، وهو المبدأ الذي سمح بتجاوز عطالتها وفوضويتها البنيوية، فيما يراه هيراقليطس محايثاً للطبيعة وموجوداً فيها، كوضع النفس بالنسبة للبدن، ويشبهه بالنار.

وهذا مايعيدنا إلى مقولة هيجل الشهيرة: “المعقول واقعي، والواقعي معقول”.فالعقل هو “نوس” متحقق في العالم ومتعين عبره، وكل ما هو عقلي هو قابل للتحقق، وهو –حسب هيجل- يمثل قوة تركيبية دافعة لحركة الكون الجدلية باتجاه “المطلق”، الذي هو”وحدة الوجود، جملته” (ماركوز:”نفس المرجع”-ص53)، وهو”ليس في الخارج أبداً، فوق الوجود، أو تحته”(ماركوز:ص57)، وهذا يعني عند هيجل أن الوجود هو “الجوهر” بوصف هذا الأخير هو تحققه الأعلى وغايته.
عبر ذلك كله، أكدت الهيجلية على خط آخر غير الكانطية:

1 – احتفاظ بـ”المطلق”-=الله-الفكرة المطلقة-العقل المطلق- ولكن تحققه ومعرفته عبر “التاريخ” وليس عبر التأمل الميتافيزيقي الماورائي التقليدي.

2- رفض الفصل بين “المطلق” و”الوجود”.

3- إمكانية الهدف الجمعي- الكوني للإنسان.

4- تركيبية المعرفة الفلسفية،وعدم حصرها في حدود “نظرية المعرفة” كما أكد كانط.

من خلال هذا، كان هيجل مصدراً أساسياً لفلسفات لادينية-=الماركسية-، ولاتجاهات لاهوتية وخاصة عند البروتستانت، وكذلك لاتجاهات شمولية تركيبية في اليمين السياسي-=الفاشية- .

وعملياً، فإن الهيجلية قد عبرت عن طموح الإنسان الحديث (هذا الطموح الذي بدأت بذوره منذ السومريين) للسيطرة على الطبيعة، وحاولت من خلال رفضها للنزعة التجزيئية أن تقدم للإنسان هدفاً كونياً، هو السيطرة على عالمه، كما مثلت الهيجلية نزعة تركيبية كانت على تناقض مع التيار الفلسفي التجزيئي الذي بدأ بالسيادة على الفكر الغربي منذ كانط ، هذا التيار التجزيئي الذي لم يقدم رؤية ناظمة لطموح الانسان هذا، والذي تمثل في الانجازات العلمية-التكنولوجية، وهذا ما جعل تلك الثورة العلمية-التقنية فاقدة لأي منظور فلسفي- كوني

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق