وإنها… لـفتنة كبيرة!

{{وإنّها… لـفتنة كبيرة!}}

في الطريق كان جلّ جلاله “فضيلته” كامناً متربّصاً في حنايا الـ”سرفيس” الدمشقيّ، محيطاً به بما شاء من علمه، وملك من “وسائل اتّصال” طوع بنانه، وسع كرسيه كلّ موجات الإذاعة المقدّسة على الأرض.

صوت المهدي المنتظر يذكّر بالقيامة، يتحدّث عن الفتنة، مردّداً بما اقتصر من علمه “إنّها لفتنة كبيرة”.

كان الوقت صباحاً..والاختراع “الراديو” أو المذياع بدأ يحشو رأسي باكراً منذ ساعاته الأولى.

درس اليوم يبعدني عن الموبقات، يحفظني عن جراثيم المنكر بأمره وعن شهقات الحرام من خليفة الله على الأرض، وحده لا رادّ له، ينبث صوته الـ”موقّر” من حنايا المذياع لتدخل في تلافيفي وجنباتي قسراً في كلّ مكان ومن على كلّ دابة وهامة سواء كانت “سرفيس أو تاكسي”.

لوهلة بدا اليقين جليّاً لي أنّي المنكر وأمّه وأخته، وأنّ من حولي من الذكور “اشتلق” بصيحته وبدأ ينظر إليّ بريبة، فيما تابع الصوت قادماً من الغيب “النساء يلبسن في الأعراس لباساً فاحشاً ويظهرن مفاتنهنّ وهنّ في أبهى زينة”.

صاح مجلجلاً بسخرية وشماتة”ويدخلون العريس”، مستطرداً كمن يبوح بسرّ “ليجلس بين النساء ويملأ نظره من محاسنهنّ”.

لاحظ …”فضيلته” أهمل العروس، فالعريس لن ينظر لها “كما هو منتظر أو مفترض”، وإنما لـ”محاسن النساء”…الأخريات “جمعاً”، ربّما لأنّ العريس “وفقاً للمنشأ”، لن يسدّد نظره لما امتلكه سلفاً، وإنّما لما لم يمتلكه بعد مما ملكت أيمانه من سراري الجواري والمثنى والثلاث والرباع.

أضحت يومياتنا المرهقة البسيطة كلّها متشابهة تختزلها نون النسوة، التي لا تنتظر مزيداً من التعقيدات المسجّلة على “ذمّة الله”، لكن عليه، يفترض بأمره “لا رادّ له” أن تسقط هذه النون من الأبجدية.

فضيلته، تابع صارخاً بحدّة كمن ينذر بالشؤم “ثمّ يوزّعون فيلم تصوير العرس” وصاح محذّراً “إنها لفتنة”.

استطرد مؤكّداً بما يقطع الشكّ باليقين “إنها لفتنة كبيرة”!

فعلاً …انتبه… وإنها لـ”فتنة”.

{{***}}

{{فرشاة وسواك للإيمان}}

مشهد واحد: الجيران يحتفلون بعرس على طريقتهم بخطب ومجالس وعظ تتزايد ويتزايد مريديها في الشارع السوري.

المكان: شارع دمشقيّ تحتله ثلاثة أعمدة خضراء تبسق السماء، وعلى مدّ النظر غيرها الكثير مما يغطّي فضاء الوطن.

الزمان: بمواقيت محدّدة في ساعات الصباح الأولى بدأ فضيلته مقارنة بين السواك وفرشاة الأسنان..

انتهت الجولة الأولى والأخيرة بفوز السواك وتفوّقه على مدى العصور الماضية والقادمة “قطعاً” على فرشاة الأسنان ومعجون الأسنان.

لأنّ فرشاة الأسنان والمعجون لا يحملان قدرات متوارثة تراكمت عبر الغيب حتى العصر الحالي كالسواك.

نتيجة مبدئية: لا تستخدموا منتجات الحداثة وما بعدها سواء كانت باص سرفيس سيارة وصولاً إلى الطيارة فالمكوك الفضائي، لأنها ببساطة لن تفوق مجتمعةً.. البراق.

كذلك الفرشاة والمعجون لن يفوقا السواك.

{{***}}

{{ايديولوجيا الخمار

خاصّ لعمر أميرالاي}}

في حياة البعض شبق كبير للحياة تغلّفه التقوى..في تناقض فظّ وفجّ، لحياة واحدة على شفير الهاوية بين عذاب النار وغواية الحياة الدنيا في ذات واحدة وعلى أرض واحدة.

بين غيبيات تطمئنه كـ”شيك” مفتوح لدنيا فانية حقاً فانية في تلك الغيبيات، وحياة في الدنيا كأنها الجنة لكنها سريعة الزوال… هشّة، سرعان ما تتكسّر بجرّة وعد من الغيب.. للمفارقة “بجنّة أخرى” أخيرة.

في ازدواجية الفصل بين الجسد والروح والعقل والعاطفة والآخرة والدنيا والسماء والأرض، شبق للحياة وخوف من الآخرة، مرة أخرى..الجنة وجهنّم تحت سقف واحد.

في إيديولوجيا دمشق “الفانية” الرجال أطفال تزوّجوا بالأمس، في إيديولوجيا العصر الراهن المال والبنون زينة الحياة الدنيا.. ربما لذلك المسلمون هم الأكثر خصوبة بين الذريات البشرية.

في إيديولوجيا دمشق اليوم في ألفيتها الثالثة، الأطفال فُضّت براءتهم..منذ وقت طويل.

هناك الكثيرات منهن، اللواتي يمتلكن جسد طفلة ونظرة امرأة…أنثى نضجت باكراً على التحذيرات والخوف من الآخر، وتماماً كما الشيء ونقيضه، فهي تعرف جيداً منذ نعومة أظفارها كيفية الوصول لهذا الآخر “الممنوع”.

طفل…ذكر رجل منتظر، طفلة أنثى امرأة…منتظرة مشتهاة.

ما سبق، ليس ايديولوجيا برأي مثقفي السواد الأعظم، فهم لا يعترفون إلا بالايدولوجيا بوجهها التجريدي “الحزبي الضيق” فقط، بعيداً عن الموروث، دون امتلاك جرأة المقارنة أو ربما لرغبة في تغييب هذه المقارنة المجحفة حتى في أقرب تجلياتها من القرن الماضي لسبب ما.

فالمخرج السوري عمر أميرالاي الذي قدم فيلماً توثيقياً تناول فيه أدلجة حزب البعث للأطفال في المدارس السورية، بيّن في لقاء معه لصحيفة الجزيرة السعودية أنّه بصدد إنجاز فيلم عمّا وصفه بالـ”خلافة” العثمانية الإسلامية.

مصطلح الخلافة بحدّ ذاته مدعاة للتأمّل، عبر قاعدة الانتماء التي لم نستطع إخراج أصولنا العشائرية والقبلية منها، ربما لأنه يمكننا عبور نصف الطريق دون أن نكمله، دون امتلاك جرأة على إكماله أو حتّى لعدم الرغبة.

أو لأننا نضيع أمام مصطلحات مربكة أو أننا نقف مرتبكين بينها رغم وضوحها..بين أيديولوجيا الماضي المستمر ونوستالجيا صدمة الحداثة وما بعدها، يضيع الحاضر والمستقبل تحت وطأة وهم الانتماء، الانتماء الممنتج بشكله الحديث وأدواته العصرية من الثقافة والنقد وغيرهم، ليخفي انتماءنا القبلي والسلفي والـ….

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This