واقع الحريات الدينية في الشرق الأوسط

الحرية الدينية من المسائل الهامّة المتعلّقة بحقّ الإنسان في امتلاك إرادته الحرّة لاختيار نمط حياته وتقرير مصيره، فالحرية هي السمة التي تميّز الكائن البشريّ عن الحيوان، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك الشعور والفكر الدينيّ، ومن حقّه اختيار موقفه من الديانة دون إكراه، وإذا كانت مسألة الحرّيات الدينية في المجتمعات الإسلامية كواقع معاش معروفة منذ القدم، فإنّها حديثة العهد كمفهوم فكريّ، حيث لا يوجد تصوّر واضح لماهية الحرية الدينية لدى العامّة، ويقتصر ذلك على بعض شرائح من النخب الثقافية. ونظرا لأهمّية هذه المسألة التي تؤثّر في السلم الأهلية، ولتشابكها الجدليّ بالمسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لأنّها ليست بمعزل عن تفاعلات الوسط الاجتماعي الذي تتواجد فيه، ولارتباطها بقضايا حقوق الإنسان وكذلك بالجانب الروحي والغيبي لدى الإنسان، فمن المهمّ إيجاد ثقافة عصرية مؤمنة بحقوق الإنسان تتداول مسألة الحريات الدينية من منظور جديد متوافق مع تطور الفكر الإنساني المعاصر.

فماذا عن الحرية الدينية في الشرق الأوسط حيث الإرث الحضاري – التاريخي الطويل من التلاقح بين الدين والسياسة، في ظلّ دين الأغلبية وأديان الأقليات؟ كيف يتعايش أتباع هذه الأديان؟ وباعتبار الإسلام دين الأغلبية الذي طبع المجتمع والدولة بطابعه وامتلك السلطتين الدنيوية والدينية، فسوف نتّخذه نموذجا للبحث عن كيفية معالجته للحرية الدينية، ومدى التزام المسلمين بتعاليم دينهم في مسألة الحريات الدينية وكيفية معاملتهم للأقليات الدينية.

ليست هناك ثقافة إسلامية متكاملة عن الحرية الدينية، فهناك خروقات كثيرة لمقولة “لا إكراه في الدين …”، فالمسلمون لا يتحمّلون بعضهم بعضا عند اختلاف مذاهبهم، فكيف يمنحون كأغلبية الحرية للأقليات الدينية. فهم يفرضون أنفسهم أوصياء على المسيحيين كأهل ذمّة مستضعفين تُترك لهم حرّية مقنّنة لممارسة طقوسهم التقليدية ضمن معابدهم، وهذا لا يضمن حماية كافية لهم من الاضطهاد الذي قد يتعرّضون له، من ترهيب وتهجير وهتك حرمات ونهب ممتلكات. أمّا نصيب اليهود من الحرية الدينية فهو أقلّ، لعوامل دينية وتاريخية وسياسية، لأنّ بعض المسلمين لا يفرّقون بين اليهودية كديانة وبين الصهيونية كإيديولوجية، فيربطون اليهودية بالصراع العربي – الإسرائيلي، وهذا ما دفع يهود المنطقة إلى النزوح إلى الخارج. أمّا أتباع الديانات غير السماوية “الزرادشتية والايزيدية والمندائية والوثنية”، والفرق المنشقة عن الإسلام كـ”الدرزية والبكداشية والإسماعيلية وعلي اللهي”، فإنّ أتباعها يعانون التمييز والحرمان من حقوق المواطنة من دولهم ومن الأغلبية المسلمة بناء على الهوية الدينية، ما يؤثّر على مقدار تمتّعهم بحريتهم الدينية، وهذا ينافي ماهية الحرية الدينية التي تعني المشيئة الحرّة للإنسان بعيدا عن القسر والإكراه في عدم الإيمان بالدين والامتناع عن العبادات، أو الإيمان بالدين وإشهار العبادة، دون الضرر بالآخرين. بموجب هذا التعريف فإنّ الأغلبية تخالف نصوصها الشرعية عن التسامح الديني وتنتهك مبدأ الحرية الدينية، لأنّ فكرتها الدينية قائمة على الثواب والعقاب والترهيب والترغيب أي ممارسة القسر لمنع الإنسان من الاختيار الحرّ لموقفه من الدين، وهذا يدفعنا إلى الاستفسار عن فسحة للحرية الدينية على صعيد الواقع في المنطقة.

ليست هناك علاقة ندّية بين المسلم وغير المسلم، بل هي شروط الغالب والمغلوب، والقويّ والضعيف وعلاقة التابع بالمتبوع، إذ طالما هناك دين رسميّ للدولة، فلا يمكن توقّع معاملة الأديان على حدّ سواء، ولا أدلّ على ذلك من قضية جواز دخول غير المسلم في الإسلام وتحريم خروج المسلم من دينه، فأين هي الحرية الدينية، ونحن نجد أنفسنا أمام احتكارية إسلامية توتاليتارية، تجد الإسلام أفضل الأديان، وتعتبر باقي الديانات منحرفة، مهرطقة، وثنية، آثمة، مشركة، وبذلك يتمّ تفريغ مقولة “لا إكراه..” من مضمونها، طالما هناك وسائل مبطنة تمارس الإكراه والتضييق والضغط الماديّ والمعنوي على غير المسلمين، تصل أحيانا حدّ العنف والقوة، لحمل الناس على التخلّي عن دينهم، والإكراه يمارس شرعا حين يقام حدّ القتل على المرتدّ عن الإسلام، وفي ذلك مصادرة للحرية الدينية، لأنّنا نفرض على المرتدّ خيارين؛ إمّا التوبة وإمّا الصلب، وهذه ذروة الإكراه الذي يصادر حرية الإنسان في اختيار معتقده الديني، فالحرية الدينية المتاحة للمسلم محصورة في مدى التزامه أو عدم التزامه بالعبادة، وحتى في ذلك هناك دول إسلامية تجبر الناس على أداء طقوس العبادة بذريعة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” فتسوق الرجال بالعصيّ إلى الصلاة وترغم النساء على التزام الحجاب، وفي الوقت الذي يعطي الإسلام الحرية للناس للدخول فيه، فإنّه يلغي هذه الحرية إذا تعلّق الأمر بخروج الناس منه، ويبرّر القرضاوي ذلك بأنّ إقامة الحدّ على المرتدّ لا يخرق مبدأ لا إكراه في الدين ولا ينتقص من الحرية الدينية، بذريعة أنّ الحكم عليه لا يأتي من خروجه عن الإسلام، بل لخروجه عن الجماعة وفي ذلك تهديد لأمن المجتمع والدين، وهذا يجعل مصداقية مقولة “وهديناه النجدين ..”موضع التباس، فالمفروض أن تتمتّع ديانة الأقلّية بالمميّزات الممنوحة لديانة الأكثرية، وإلا سوف نجد أنفسنا أمام سياسة الكيل بمكيالين التي تتبعها التيارات التوتاليتارية حيث تصادر لنفسها كافة الحقوق وتفرض على غيرها كافة الواجبات، وتلصق صفة الخيانة والكفر بكل من يخالفها الرأي، كمبرّر لتصفية الآخرين، ومن جانب آخر فإنّ الحرية الدينية للمرأة تنتهك أكثر من حرية الرجل، فهي لأسباب دينية تتعرّض للظلم الاجتماعي وقد تفرض عليها أشياء رغم إرادتها كالتخلّي عن دينها، إذا تزوّجت رجلا من ديانة أخرى، أو الطلاق لنفس الأسباب وأحيانا القتل،هذا غير إجبارها على ارتداء الحجاب أو خلعه، أو إرغامها على العبادة، وحرمانها من حقها في عدم التدين، وتعرضها للأذى كالختان والزواج القسري والمبكر والاغتصاب. وفي الوقت الذي نطالب فيه بالحريات الدينية، فإنّنا نجد ضرورة وضع ضوابط قانونية لهذه الحريات بخصوص مصلحة الأطفال حتى لا يسيء الأبوان ممارسة حريتهما الدينية في إيذاء أطفالهما، أو إلحاق الضرر غير المتعمّد بهم بناءً على معتقداتهما الدينية، يكونوا ضحايا الحرية الدينية للوالدين، من ناحية الصحة والتعليم، ومنع ختان النساء، ومنع الرقّ، ومنع الممارسات الهدّامة والمؤذية للذات أو للآخرين.

أمام هذه المؤشّرات وغيرها تبدو الحريات الدينية في الشرق الأوسط في تراجع، مع صعود موجة التديّن والإسلام السياسي والتيارات الأصولية والسلفية، واعتماد الدين وسيلة ميكاڤيللية لتضليل الآراء وإثارة النزاعات الدينية، لتحقيق أهداف خاصة، فقد عادت الحساسيات تستيقظ بين السنة والشيعة، وبين المسلمين والمسيحيين، على خلفية سياسية وأيديولوجية تنتهك خلالها الحريات الدينية، وبات الأمر يتطلّب صحوة فكرية تنهض بها قوى الاعتدال في المنطقة، كي تعيد الأمور إلى طبيعتها، للتقدّم خطوة نحو بناء ثقافة مؤمنة بالحريات العامّة تلجم بها كلّ التوترات القائمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق