والأرض يرثها بعد ذلك عبادي الصالحون

كان صوت خطيب المسجد الملاصق لدارنا يقتحم علينا هدوءنا وخلوتنا كلّ حين، وكان صوته يتناهى إلى أسماعنا بدون إذن منّا عبر مكبّرات الصوت التي نشرت في كلّ الاتجاهات، والتي تبرّع بها المحسنون.

ورغم أنّ خطبه ومواعظه كانت مملّة وسمجة يرافقها الصياح والبكاء أحيانا حينما يفرغ الجيب من الصدقات، إلا أنّ دعاءه الذي (يختم به الموعظة أو الخطبة والذي هو عبارة عن نسخة عربية لأدب نازيّ تطهيريّ)، كان ما يلفت انتباهي، وخاصة العبارة التي يركّز عليها ويعيدها مرارا (اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين، وأورثنا أرضهم وديارهم ونساءهم وأموالهم) . ولا أدري حقيقة عن أيّ الظالمين يتحدّث، ولا أدري كذلك لماذا يكون هناك أكثر من ظالم واحد يتّخذ أشكالا متعددة. ثم إذا ضرب الظالم فما ذنب الأرض والديار والأموال، وأيضا وهذا هو المهمّ ما ذنب النساء وبأيّ طريقة يرث هذا المأفون النساء.

هذا الدعاء علق في ذهني من روائع هذا الخطيب النطاسي الجهبذ، ليس لبلاغة فيه ولكن في تفسير جانب اجتماعي مهم من المنظومة الفكرية الأصولية.

كنت مضطرة إلى الاستماع لكوني في البيت، أما الآخرون فكانوا يتفرقون، فكان أبي يلوذ بعباءته وييمّم صوب المقهى وإخوتي الذكور ينصرفون باتجاهات شتى ريثما ينتهي هذا الجهبذ من إلقاء رائعته.

والحقيقة أنّ موضوع الوراثة هذا جدير بالبحث والدرس.

وبعيدا عن وراثة الفروج التي يسيل لها لعاب الإسلاميين، والتي أصبحت الحلوى الدائمة لهم على مرّ السنين، حيث اقترنت في الذهن صورة الملتحي مع عدد من الزوجات بغضّ النظر عن مقدرته في المضاجعة، واقترنت صور الحريم في البلاطات الملكية بصورة المسلم الشبق.

وبعد البحث في مفهوم الوراثة. رأيت أنّ الوراثة هي التعبير الديني للسرقة والاغتصاب وأخذ مال الغير بغير حقّ إلا ما قرّرته الحوافز المعطاة للعامّة كي يقاتلوا.

واهتديت إلى أنّ الوراثة متجذّرة في الخطاب الدينيّ ونابعة من ثقافة بدوية قديمة كانت تكره الكسب والتحصيل وتمقت العمل والسعي وتحبّ الكسب الفوري الجاهز.. وربما تكون قد سببتها ظروف صعبة عاشتها الأقوام القديمة في صحراء قاحلة لا يجد المقيم فيها ما يزرعه أو يصنعه إلا إن يتشارك مع من عنده الزاد والماء، ثم تطور الأمر إلى محاولة الاستيلاء على كامل الزاد والمتاع، ورافقها بعض الزهو والفخار فأصبحت شيمه من شيم الرجال الأشاوس. يعني أصبح الاستيلاء على الشيء بالقوة سببا لانتقال الملكية تماما مثل البيع والشراء وإلهية سواء بسواء. لهذا كثرت في الأدبيات العربية مقولات مثل(جعل رزقي تحت ظل رمحي)وهنا اكتسب هذا المال مرة أخرى اسما آخر هو الرزق. وجرى فيما بعد تأطير هذا المفهوم تأطيرا شرعيا ليأخذ هذه الأشكال وهذه الأسماء.

إزاء هذا أصبحت العرب(البدو منهم بصورة خاصة) تكره العمل وتحتقر من يعمل وتبجل الفروسية وما يندرج تحتها من آليات كالقتل والسلب، وقد وجد بعض المتقاعسين ضالتهم في الحديث الموجود في صحيح البخاري(وتبعتم أذناب البقر) في إشارة إلى الحرص على الزراعة وفلاحة الأرض. وفي بعض المرويات نقرأ وصف بعض العرب لقريش وشبابها على أنهم (أغرار) بمعنى أنهم جبناء ولا ينشطون لقتال لمزاولتهم النشاط التجاري بمكة.

هذا التمجيد للقوة والبطولة لا بدّ أن يكون ثمنه ما يغنم الشخص من الغزوات والإغارات على الآخرين. وانحصر مبدأ الوراثة بالقوة والرجولة وظل مقصورا عليها.

ويبدو أنّ هذه الكلمة ألهبت خيال الفقراء والمعدمين الذين وعدوا بها لقاء اندفاعهم وحماسهم في نشر المبادئ السامية والعادلة وكان لها وقع السحر، إلى جانب صور أخرى شرعية تقترب من هذا المعنى أو ربما تلتقي معه بشكل من الأشكال(حور مقصورات في الخيام) ( وانهار من لبن مصفى ) (يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من نعيم)

ترسخ هذا المفهوم في الوجدان العربي ووصلنا بصور أخرى بعد الإسلام. ولم يسلم حتى القتيل من الوراثة، فكان مبدأ سلب القتيل من المباحات بعد قتله (من قتل قتيلا فله سلبه) ليتطور الأمر فيما بعد إلى أن تصبح الملكية الشخصية سببا في القتل وافتئات عليه وتمهيد له عبر المؤامرة والمصادر باسم الدين أو أسباب أخرى جاهزة مع وجود الطامع.

هكذا أصبحت الوراثة منهجا حياتيا من صميم الدين، بدأ ينظّر له، ويروّج له، الأعراب الداخلون إلى الإسلام لأنه يحاكي النزعة الاستئثارية القديمة لديهم. وانتقلت مع تشكيل الدولة إلى دور أكثر شمولية، فكانت الكنائس والأديرة في البلاد المفتوحة إرثا خالصا للفاتحين. ومجرد الفتح يعطي الحقّ للفاتحين أن يحولوا الكنائس إلى مساجد والمواطنين إلى رعايا وربما النساء إلى مشروع سبي جاهز. وتبقى الإجراءات الأخرى من تسمية الآخرين أهل ذمة وأهل كتاب ومستأمنين ومحاربين، حسب الحاجة إلى خدماتهم وحسب الرغبة في استخدامهم أو استغلالهم أو طردهم أو مصادرة ممتلكاتهم.

هذه الصور القديمة المحمية من الدولة القاهرة رسخت في الأذهان ومورست بشكل خارج عن المعنى السامي المعلن للاحتواء ونشر الإنسانية. واستقرت حتى على المستوى الشخصي، وانعكست على الأوضاع الاجتماعية في بلداننا. فأصبح الأب الثري يحجم عن تزويج بناته خشية ضياع الثروة، وأصبح الصهر أوّل من يفكر بالميراث، ويحضر موضوع الإرث دائما في غالب العلاقات الاجتماعية. وهكذا تعززت الأنانية بشكل مفرط، حيث الكل يحبّ أن يرث ولا يورث، أن يأخذ لا أن يعطي، وربما تلخصت العبارة في شكل أخذ بدون عطاء.تحت مسمى الرجولة والشجاعة والهمّة كما كان يقال سابقا، ومسمى الإيمان والحق والوراثة لاحقا.

في العصر الحديث وبعد استقلال الدول من الاستعمارين العثماني والغربي وقيام أنظمة حكم وطنية علمانية على الأغلب، شعر الإسلاميون بزوال ملكهم وضياع(حقوقهم)التي كسبوها بحدّ السيف والاضطهاد، فتعاونوا مع البرجوازية والإقطاع والذين هم أبناء غير شرعيين لمبدأ الوراثة، على إسقاط الأنظمة الحديثة، فأخذ التيار الديني ينخر جسد الدولة الحديثة، ويروج بين المؤمنين ما يقدح في مصداقيتها ويتهمها بالكفر والإلحاد وينقض على أيّ تنمية صغيرة تقوم فيها. ومع التهميش والمطاردة والإقصاء الذي جوبهوا به، ومع الاحتقان انتعشت فكرة الوراثة لديهم بصوره معدلة، وأصبح الحلم أن يرثوا الأرض ومن عليها. وأخذ التفكير منهم كل مأخذ وتوسلوا إلى إعادة الأمر بكل وسيلة. وجربوا سلاح التعبئة الثقافي والذي يحتوي بمجمله على ما جادت به القرائح القديمة من فكر وأسلوب. واخذوا يعبّؤون كل شيء وأخذت مجاميع من الناس خانها حظها في التعليم أو من الذين لديهم فراغ ثقافي كبير يصاحبه يأس وقنوط، أخذت لسبب أو لآخر تستجيب لمطالعاتهم. كل هذا ليتحقق مبدأ الوراثة كما خلقوه أول مرة.

ومع قيام الفرصة لهم مرة أخرى، وانتعاشهم ولو على مستوى محدود، ازداد سقف الطلبات. فهم يريدون الآن كل الحضارة الإنسانية والمدنية. هم يريدون الآن الحضارة العالمية يريدون النمط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الحالي. أسلمة ثم وراثة، لتتحقق الوراثة بشكل صحيح. ولو على مستوى الشعارات والادعاءات.

الآن أخذ الوعاظ يتكلمون عن المنجزات العلمية والاختراعات والاكتشافات، ثم يقولون هذا اختراع إسلامي لأنّ القرآن تكلم به قبل 1400 سنة، ولا يعدم هؤلاء طبعا من مشعوذين يأتونهم بآيات من القرآن تدل أو لا تدل على هذا المعنى المهم إن القرآن تحدث عن هذه الظاهرة، وإنها إسلامية ولن ينجيكم إلا أن تتبعونا وتسلموا وسيكشف الله لكم مزيدا من الاختراعات، ويمنحكم الطمأنينة والراحة المسلوبة منكم. وظلوا يستخدمون أجهزة الاتصال الحديثة من موبايل وستلايت وسيارة وطائرة ومدفع ورشاش(صناعات الكفرة)يقولون إنها بضاعتنا ردت إلينا وأنها علوم إسلامية أخذوها من العرب المسلمين.

وتفتحت قريحتهم عن ما سمي الإعجاز العلمي في القرآن، فأخذوا يرجعون كل ظاهرة حياتية علمية وكل اكتشاف علمي إلى القرآن كلام الله ومن ثم يحتكرون الله كإله لهم فقط .

ظل هذا الهوس الجنوني في الإرث حاضرا في كل تصرفاتهم إلى درجة أن يطلع علينا بين آونة وأخرى زعيم ليقول إن شكسبير عربيّ وأن أوباما كان صهرا للمقريزي. وطالت عقدهم هذه حتى المعالم التاريخية لأقوام قديمة الديانات، فقد حطّموا تماثيل بوذا في باميان في أفغانستان ثأرا للماضي واستدراكا لخطأ تاريخيّ حيث لم يحطم سابقا.

.لهذا لا نجد أي أسف يبديه الإسلاميون عند تخريب البلدان الإسلامية. ويقولون إنه قربان الهي نقدمه في معركة الإيمان، ولأنهم استمرؤوا الحصول على الإرث الذي يبنيه الغير جاهزا.

وكان الطريق إلى الوراثة مع الأسف يستلزم الانقضاض على الدولة ومؤسساتها والنظم الحديثة القائمة بها، وكان كذلك.

فقد ضرب الوارثون القانون والاقتصاد والمجتمع والتقاليد الحديثة التي أرستها الدول لتنظيم الحياة ضربوها كلها في طريقهم لضرب الدولة ولبناء النظام الحياتي الذي ألفوه ولم يتقنوا غيره

هناك مظاهر أخرى للوراثة أكثر بشاعة شملت مواردنا البشرية المتخصصة والمدربة والإتيان على ما بنيناه من القواعد وهذا في رأيي من اخطر ما في القضية. حيث يجري الآن اغتيال العقليات العلمية والكفاءات والمفكرين الذين ساهموا سابقا في تأسيس الوعي السياسي والاجتماعي وإبعاده عن الساحة، ليس اغتيالا بالمعنى المعروف وليت الأمر اقتصر على هذا، ولكن ان يقفز المثقف من منبر العقلانية والحداثة إلى منبر آخر في أقصى الجهة الأخرى، ليتم احتواؤه أو رشوته أو تسليط عائلته عليه (لتعقله) وأن يترك المثقف وحيدا لتأخذه الظروف الشاذة إلى حيث ينظر في الجهاد والنصرة ويقبع تحت الفكر الظلامي ويقع تحت تأثير الدكتاتورية الشعبية الضاغطة التي أصبحت تأتي من كل مكان حتى من شبكات الانترنت التي دخلوها وأصبح ما معروض من بضاعتهم أكبر من المعروض العالمي .

ومظهر آخر من مظاهر الوراثة الكثيره المؤلمة، هو كثرة الأشخاص من حملة شهادة الدكتوراه في اختصاصات الفيزياء والكيمياء والطب والذرة والذين جرتهم طروحات الإسلاميين وغسيل الدماغ الى أن يكونوا وعاظا(دعاة) وخطباء في المساجد والذين امتصوا من تخصيصات الدولة المالية الشيء الكثير مما انفق على التعليم والدورات وفى أرقى الجامعات الاوربية، سرقهم الإسلاميون بشكل او بآخر وصرفوهم عن عملهم الذي نحن بحاجه ماسة اليه في معركة التنمية. ولم يقتصر الأمر على صرفهم عن ممارسة الاختصاص بل تعدى ذلك الى تشكيكهم بما تعلموه بدعوى ان ما تعلموه نظريات باطلة جاء بها الكفار لم يأت بها نصّ ديني، ومن أطرف ما جاء في هذا أنّ صيدليا (متأسلما) في إحدى المدن التي شملها الوباء الأصولي يبيع الأدوية المركبة على الطريقة الشرعية وقد كتب لافتة كبيرة متنصلا من كل ما تعلمه(الله هو الشافي. والرقية قبل الدواء)

وهكذا وصلت هذه النبرة إلى خطيب الجامع الملاصق لدارنا. ربّنا اضرب الظالمين…………. ظني ان ليس هناك ظالم الا ان الأمر حين يتعلق بالاستيلاء على المال والنساء يكفي أن أقول إنّه ظالم كافر ذمّي مارق فاسق

شيء واحد لم يكن للإسلاميين فيه نصيب ولا دعوا له ولأنه لا يورث وإذا ما انتقل إرثا فإنّه لا يكسب مالا ولا نساء ألا وهو الوطنية ولم أسمعها من فم إسلاميّ واحد ولا قرأتها في كتاب تذكر فيه الموعظة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق