وجود الله من منظور علماء نفس النشوء

. تستعر نار “الحرب” بين العلم والدين اليوم ويتجلّى هذا في العصيان المدني على كلا الجانبين. غير أن معظم العلماء ومعظم المؤمنين بالدين يرفضون التطوّع في القتال. وربما كان سبب امتناعهم عن المشاركة فلسفة تقول: سأعيش وأترك الآخر يعيش أيضاً، والاعتقاد بأن الدين والعلم هما في الواقع منسجمان، أو ربما بسبب لامبالاة عميقة بالمسألة.

ولكنّ الحرب تتواصل، وهي ليست مجرّد عرض جانبيّ. إذ أنّ هناك أشخاصاً يمتلكون دوافع قوية وصريحين على كلا الجانبين يطرحون مزاعم جادّة ومتصارعة.

ثمّة ملحدون يذهبون إلى ما وراء التصريح بعدم الإيمان الشخصي بالله ويصرّون على أن أي شكل من الحديث عن الله، وأيّ مفهوم عن هدف أعلى، يتناقضان مع النظرة العالمية. وثمة متديّنون يصرّون على أنّ النشوء لا يقدّم تفسيراً كاملاً لخلق الكائنات البشرية.

سأسمعكم أنباء طيّبة. تمتلك الجماعتان المتصارعتان أموراً مشتركة أكثر مما تدركان. لا يعني الأمر أنّ الطرفين مخطئان فحسب. وإنما هما مخطئان للسبب نفسه. ولا عجب أن التقليل من أهمية القوة الخلاّقة للانتخاب الطبيعي يعتم رؤية لا المتديّن المشبوب العاطفة فقط وإنما الملحد المجاهر برأيه أيضاً.

إذا قبلت المجموعتان القوّة المبدعة للانتخاب الطبيعيّ بصدق، فإنّ المشهد الطبيعيّ يمكن أن يتغيّر. يستطيع المؤمنون التخلّي عن مفهومهم حول دور الله في الخلق، ويمكن أن يقبل الملحدون أن بعض الأفكار عن “هدف أعلى” متساوقة مع المادية العلمية. وربما أدّى هذا إلى مصالحة بين الطرفين.

إن المؤمنين الذين يحتاجون إلى سماع هذه الموعظة ليسوا مجرد مناصرين لـ “التصميم الذكي” ينكرون أن الانتخاب الطبيعي قادر على شرح التعقيد البيولوجي بعامة. هناك أيضاً مؤمنون لديهم تحفظات أقل عن القصة الداروينية. يقبلون أن الله استخدم النشوء للقيام بهذا العمل الإبداعي (“النشوء الإلحادي”)، ولكنهم يعتقدون أنه تدخّل وقدم مكوِّنات خاصة في نقطة ما.

ربما كان المكوِّن الأكثر ذكراً هو الحس الأخلاقي الإنساني، الإحساس بوجود شيء كالخطأ والصواب، مع بعض الحدوس حول ما هو هذا الشيء. وحتى بعض المؤمنين الذين يزعمون بأنهم داروينيون يقولون إن الحس الأخلاقي سيتحدى إلى الأبد احتكار الانتخاب الطبيعي لتفسير خلق الإنسان وبالتالي سيوضح دور الله في خلقه.

إن أوّل من طرح هذه الفكرة هو سي. إس. لويس C.S. Lewis، الكاتب المسيحي، الذي أثّر في كثيرين من أبناء الجيل الحالي من المفكرين المسيحيين.

قال لويس: “أكيدٌ أن النشوء يمكن أن يفسّر أن البشر قادرون على امتلاك سلوك جيد؛ لدينا دوافع تعود إلى أصول حيوانية. نمتلك غريزة القطيع كالحيوانات الأخرى، ولكن النشوء يعجز عن تفسير لماذا يحكم البشر بأن السلوك الجيد “جيد” والسلوك الوضيع “سيّء، ولماذا ندركُ حدسياً “القانون الأخلاقي” ونشعر بالخطيئة حين ننتهكه”.

يرى لويس أن عدم قابلية هذا الإدراك للشرح دليل على أن القانون الأخلاقي موجود “هناك”، كما يمكنك القول، وهذا دليل إضافيٌّ على أن الله موجود.

منذ أن كتب لويس ـ وهذا ما يجهله كثير من المؤمنين ـ طوّر علماء نفس النشوء تفسيراً معقولاً للحسّ الأخلاقي. يقولون إنه طريقة الانتخاب الطبيعي في تجهيز البشر كي يلعبوا ألعاباً تشكّل محصّلة مغايرة للصفر، وهي ألعاب يمكن أن يفوز فيها كلا الطرفين إذا تعاون اللاعبون أو يخسران إذا لم يتعاونوا.

وهكذا، مثلاً، إن الشعور بالخطيئة الناجم عن خيانة صديق موجود لدينا لأنه أثناء النشوء ولّدت تقوية الصداقات فوائد عِبْرَ منطق المحصّلة اللاصفرية ليد واحدة تغسل الأخرى (الإيثار المتبادل). ومال الأشخاص الذين بلا أصدقاء إلى عدم الازدهار.

وبالفعل، تبدو دينامية الإيثار المتبادل، التي ولّدها الانتخاب الطبيعي، وكأنها جعلتنا نميل نحو الإيمان ببعض المبادئ التجريدية الجميلة، وخاصة فكرة أن الأفعال الجيدة يجب أن تُكافئ والأفعال السيئة يجب أن تعاقب. ربما كانت هذه أنباء صادمة لأتباع لويس، الذين يؤمنون بأن الله هو الذي كتب القوانين الأخلاقية في ميثاق الكون، ثم بعد ذلك أدخل بنحو مباشر وعي هذه القوانين في النسل البشري.

ولكن ربما يجب عليهم ألا يبتعدوا بهذا القدر عن ذلك السيناريو الذي يخشونه. ربما يجب أن يقبلوا هذا التفسير النشوئي، ويصبحوا داروينيين، من دون أن يتخلّوا عن تمسكّهم بأفكار الهدف الأخلاقي الذي منحهُ الله.

إن الخطوة الأولى نحو هذا اللاهوت الأكثر حداثة بالنسبة إليهم هي العض على الرصاصة وقبول أن الله قام بعمله من بعيد، وأن دوره في سيرورة الخلق انتهى حين أطلق العملية الحسابية للانتخاب الطبيعي (سواء عبر رميها في المستنقع الأوليّ أو جعلها تتجلّى في الأوضاع الأوليّة للكون أو بأية طريقة).

بالطبع، إن القول بأن الله اعتمد على الانتخاب الطبيعي كي يقوم بالخلق يفترض أن الانتخاب الطبيعي، حالما انطلق، سيفعل ذلك؛ وأن النشوء سيولّد أنواعاً تشبه في خصائصها الجوهرية ـ في نواح روحية ذات صلة ـ الأنواع البشرية. ولكن برغم أن هذا الزعم تأملي ضمنياً، إلا أنه صحيح علمياً.

بالنسبة إلى المبتدئين، ثمة كثير من علماء البيولوجيا النشوئيين يؤمنون بأن النشوء، لو استمرّ فترة كافية، لكان من المحتمل أن يخلق نوعاً ذكياً ومصقولاً، ليس نوعنا التام بخمس أصابع، وإبطين وهلمّ جرّا، وإنما بعض الأنواع الاجتماعية والتي هي تقريباً بمستوانا في الذكاء والتعقيد اللغوي.

ماذا عن فرص الأنواع التي تمتلك الحس الأخلاقي؟ حسناً، إن الحسّ الأخلاقي يبدو كأنه يبزغ حين تأخذ نوعاً ذكياً ومصقولاً وتضيف إليه الإيثار المتبادل. ولقد برهن النشوء بأنه خلاق بما يكفي كي يسخّر منطق الإيثار المتبادل مرة بعد أخرى.

إن الخفافيش مصاصة الدماء تتقاسم الدم فيما بينها وتقوم الدلافين بتبادل أعمال المعروف، وهذا ما تفعله القرود. هل من غير المرجّح أنه، لو أن البشر انقرضوا منذ ملايين السنين، سيوجد في النهاية نوع يتمتّع بإيثار متبادل ويصل إلى مستوى فكري ولغوي يولّد الإيثار المتبادل عبره حدوساً أخلاقية وخطاباً أخلاقياً؟

ثمة مرشح جيد لهذا الأمر هو الشمبانزي. إذ إنّ بعض علماء الثدييات يعتقدون أن هذه الفصيلة من الحيوانات، تمتلك آثار إحساس بالعدالة. تبدو أحياناً كأنها تعبّر عن الاستياء الأخلاقي، و”تشكو” من أن حليفاً انتهك شروط علاقة إيثار متبادلة. وحتى الآن، إذا كانت هذه الفصيلة من الحيوانات تتطوّر بالتدريج نحو ذكاء أكبر، فإن مسار تطوّرها يمكن أن يؤدّي ببطء إلى نشوء الحدوس الأخلاقية نفسها التي ولّدها النشوء البشري منذ وقت طويل.

إذا مال النشوء إلى “توليد” حدوس أخلاقية معيّنة، هل يعني هذا أنه كانت هناك قواعد أخلاقية “في مكان ما” من البداية، قبل أن يعيها البشر،وأن الانتخاب الطبيعي لم “يبتكر” حدوساً أخلاقية بشرية بقدر ما “اكتشفها”؟ ستكون هذه أنباء جيدة لأي مؤمنين يبغون الحفاظ على ما يستطيعون من روح سي. إس. لويس بقدر ما تسمح الداروينية.

قال عالم نفس النشوء ستيفن بنكر Stephen Pinker شيئاً مشابهاً لهذا، وهو كملحد مقتنع برأيه، لا يمكن أن يُتهّم بالتبرير الخاص.

قال السيد بنكر إن تفاعل الحدس المتطوّر مع ديناميات الخطاب يميل إلى توليد اتفاق على شيء ما مثل القاعدة الذهبية: يجب أن تعامل الناس كما تريدهم أن يعاملوك. يشبّه هذا الوعي الطبيعي لمبدأ أخلاقي بالقدرة على سبر الأعماق التي يمتلكها البشر بفضل تطوّر الرؤية المجساميّة. لا تمتلك الأنواع كلّها ـ حتى الأنواع ذات العينين ـ رؤية مجساميّة، كما يقول السيد بنكر، ولكنّ أي نوع يمتلكها يفهم “الحقائق الواقعية للعالم” والتي كانت صحيحة حتى قبل أن تتطوّر تلك الأنواع، وأعني الطبيعة الثلاثية الأبعاد للواقع وقوانين علم البصريات. وعلى نحو مشابه، إن حدوساً معيّنة عن الإلزام الأخلاقي المتبادل تفهم الحقائق الواقعيّة لمنطق الخطاب والقوى المحرّكة الاجتماعية الشاملة، وهذه مبادئ كانت صحيحة حتى قبل أن يوضحها البشر. يشمل هذا، بخاصة، ديناميات المحصّلة اللاصفرية التي هي جزء من الكون.

وكما عبّر السيد بنكر عن الأمر مرة في حديث معي:” يمكن أن يكون هناك معنى لا تكون فيه بعض المقولات الأخلاقية مجرّد … آثار نظام دماغي معيّن بل جزء من واقع الكون، حتى إذا كنت لا تستطيع لمسها ووزنها”. مقارناً هذه الحقائق الأخلاقية بالحقائق الرياضية، قال ربما “هي في الواقع مستقلة عن وجودنا. أعني أنها هناك في الخارج بمعنى ما، من الصعب جداً فهمها، ولكننا نكتشفها، لا نهلوس بها”.

يُظهر إلحاد السيد بنكر أن التفكير بهذه المصطلحات الكونية لا يقودك إلى الله على نحو قويٍّ. ويالفعل إن السيناريو اللاهوتي البيولوجي الملخّص أعلاه والذي يقول إن الله يطلق الانتخاب الطبيعي واثقاً بأنه سيقود إلى نوع غنّي أخلاقياً وتأملي، يمتلك بعض الصلات التأملية في سلسلته.

ولكن النقطة هي أن هذه التأملات متساوقة مع النظرية العلمية المعروفة عن خلق الإنسان. إذا قبلها المؤمنون، فإن هذا، سينهي، بين أمور أخرى، الصراع بين الدين وتدريس البيولوجيا النشوئية، ويقود إلى تطوّر يكيّف مفهومه لله مع المعرفة المتقدمة والمنطق.

*

ولكن المؤمنين ليسوا الوحيدين الذين يجب أن يقوموا ببعض التكيّف. إذا كان يجب أن يسود السلام بين الدين والعلم، ينبغي على بعض الملحدين الأكثر مجاهرة برأيهم القيام بتنازلات لهذا المنطق.

يمكن أن يقرّوا، أولاً، أن أي إله ينتهي دوره في الخلق مع بداية الانتخاب الطبيعي، بحصر المعنى، متساوق منطقياً مع الداروينية. (إن داروين نفسه، على الرغم من أنه ملحد، قال الأمر نفسه). ويمكن حتى أن يسلّموا بأن القوة الخلاقة الضمنية للانتخاب الطبيعي ـ وهو شيء من المعروف أنهم يشدّدون عليه في سياقات أخرى ـ تضيف على الأقل مقدار ذرّة من المعقولية إلى هذا الله المبدع من بعيد.

وإذا ما وضعنا الحديث عن الله جانباً، فإن علماء البيولوجيا الملحدين يمكن أن يحاولوا فهم شيء لم يفهموه حتى الآن: إن الحديث عن “هدف أعلى” لا ينسجم مع العلم فحسب، وإنما متأصّل فيه.

ثمة حادثة في التاريخ الفكري توضح هذه الفكرة. وهي معروفة بالنسبة إلى علماء البيولوجيا بما أنها تُستخدم أحياناً على نحو خاطئ، على ما أعتقد، كي توضح النقطة المضادة. وبالفعل إن ذلك الاستخدام هو الذي قاد رتشارد دوكينز Richard Dawkins، أحد علماء البيولوجيا المشهور بإلحاده، إلى أن يلمّح إليها في عنوان أحد كتبه: “صانع الساعات الأعمى”.

تتحدث القصة عن وليام بالي William Paley، وهو عالم لاهوت بريطاني حاول قبل ولادة داروين ببضع سنوات أن يستخدم كائنات حية كدليل عى وجود مصمِّم. قال بالي: إذا سرتَ في حقل وعثرتَ على ساعة جيب، ستعرف أنها من فئة مختلفة عن الصخور المتناثرة على الأرض حولها: إنها نتاج تصميم، بوظيفة معقّدة لا تحدث بالمصادفة. أضاف أن المتعضّيات هي معقدة وظيفياً مثل ساعات الجيب بحيث لا يمكن أن تكون نتاج المصادفة . وعليه يجب أن يكون لها مصمّم، أي الله.

وكما أشار السيد دوكينز، نستطيع الآن شرح أصل المتعضّيات بدون وجود إله. مع ذلك سلّم السيد دوكينز بشيء ما لبالي لا يحظى إلا بانتباه قليل: إن الوظيفة المعقدة لمتعضٍّ لا تتطلب شرحاً من نوع خاص.

والسبب هو أنه، على عكس الصخور، يمتلك المتعضّي أشياء تبدو وكأنها مصمّمة من أجل شيء ما. فجهاز الهضم يبدو كأنه موجود من أجل هضم الطعام. ويبدو كأن القلب موجود لضخ الدم.

وبالفعل، حتى حالما تقبل أن الانتخاب الطبيعي، وليس الله، هو “المصمّم” ـ صانع الساعات الأعمى، كما يعبّر السيد دوكينز عن الأمر ـ هناك معنى تمتلك فيه هذه الأعضاء أهدافاً، أهدافاً تخدم هدف المتعضّي الأكبر في البقاء حياً ونشر جيناته. وكما عبّر عن الأمر دانييل دينيت Daniel Dennet، الفيلسوف الدارويني (الملحد): إن هدف المتعضّي المزروع نشوئياً هو “حقيقي بقدر ما يكون الهدف كذلك”.

وهكذا كان بالي، بمعنى ما، مصيباً ليس فقط في القول بأن المتعضيات يجب أن تأتي من سيرورة خلق مختلفة عن الصخور وإنما أيضاً في القول بأن سيرورة الخلق هذه تزرع هدفاً (مهما كان دنيوياً) في المتعضيات.

ثمة مغزيان للقصة. أحدهما هو أنه بالفعل لأمر شرعي، وعلميّ، فعل ما فعله بالي: تفتيش نظام مادي من أجل الدليل على أنه مُنح هدفاً ما من قبل سيرورة خلق تابعة لنظام أعلى. إذا كان علماء اللاهوت ذوو الأذهان العلمية يريدون تطبيق هذا التفتيش على نظام النشوء كلّه، فهم أحرار في فعل هذا.

إن المغزى الثاني للقصة هو أنه حتى إذا كان للنشوء “هدف”، زرعته سيرورة خلق تابعة لنظام أعلى، لا يعني هذا أن الله موجود. فكل ما نعرفه هو أن هناك “سيرورة انتخاب طبيعي ما ورائية ـ تلعب عبر الدهور وربما عبر أكوان متعدّدة ـ أنتجت العملية الحسابية للانتخاب الطبيعي، نوعاً ما كما ولّد الانتخاب الطبيعي العملية الحسابية داخل الجينومات.

في الوقت نفسه، يمكن أن يُعذر علماء اللاهوت على طرحهم لتصميم من نوع أكثر قصدية. فهم في النهاية يستطيعون تعريف نظامهم المادي ـ النظام الذي يفتّشونه بحثاً عن دليل على وجود هدف ـ كما يريدون. يستطيعون تضمين لا النشوء البيولوجي الذي منحنا نوعاً ذكياً وحسب وإنما أيضاً “النشوء الثقافي” اللاحق ـ نشوء الأفكار ـ الذي أطلقه هذا النوع (والذي كان سيطلقه، على الأرجح، أي نوع ذكي).

حين تعرّف النظام بهذه الإحاطة، فإنه يكتسبُ سمة إيحائية أكثر روحية. ذلك أن الجانب التكنولوجي من النشوء الثقافي وسّع بشكل لا يلين التنظيم الاجتماعي، وقادنا من قرى صيادين وجامعين معزولة طول الطريق إلى حافة مجتمع معولم. ويمكن أن يعتمد التماسك المستمر لهذا النظام الاجتماعي (المعروف أيضاً باسم السلم العالمي) على أشخاص في جميع الأمكنة يستخدمون مؤهلاتهم الأخلاقية بحكمة متنامية، مفكرين نقدياً بحدوسهم الأخلاقية، وبالطريقة التي انتشروا بها طبيعياً، ويصقلون ذلك الانتشار.

من الواضح أن هذا الكلام عن النشوء يمكن أن يتلاءم مع لاهوت يحتوي على بعض العناصر الكلاسيكية: هدف ممنوح من الله يتضمن صراعاً من أجل الخير، صراعاً يقود حتّى إلى ذروة للتاريخ من نوع ما. إن لاهوتاً كهذا يمكن بالفعل أن يشجّع على الخير، ويزيد من فرص النهاية السعيدة. إن ديناً أكثر تطوّراً يمكن أن يفعل ما فعله الدين في الماضي: توظيف قصة ملهمة للرعب لتوليد التماسك الاجتماعي، إلا أن هذا يجب أن يحدث هذه المرة على ميزان عالمي.

بالطبع، لا يحتكر الدين الرعب والإلهام. فالقصة التي يرويها العلم، قصة الطبيعة، مرعبة، ويحصل بعض الناس على كثير من الإلهام منها، من دون الحاجة إلى الإلهام الذي من النوع الديني. وما هو أكثر أهمية هو أن للعلم دوراً يجب أن يلعبه في توحيد العالم. ولقد كان المشروع العلمي يعمل دوماً على الخطوط الأولى للجماعة الكونية، مولّداً علم أخلاق كونياً شاملاً من النوع الذي يجب أن يولّده أي دين يستحق الوجود في هذه اللحظة من التاريخ.

قال وليم جيمس William James إنّ الإيمان الديني هو “الإيمان بوجود نظام غير مرئيّ، وأنّ خيرنا الأسمى يكمن في تعديل أنفسنا كي ننسجم معه”. لكنّ للعلم نسخته الخاصّة من النظام اللامرئيّ، والتي هي قوانين الطبيعة. من حيث المبدأ، فإنّ نوعَي النظام يمكن أن يتآلفا معاً، وفي هذا التعديل يكمن الخير الأسمى، أيضاً.

{{المؤلف: روبرت رايت Robert Wright محاضر في المؤسسة الأميركية American Foundation ومؤلف الكتاب الذي صدر حديثاً بعنوان “نشوء الله”.

المقال منشورة في صحيفة International Herald Tribune (24 آب 2009)}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق