وحدته ووحدانيته




  لا أدري إن كنت كبيرًا الآن، أم أنّ الأمور أصبحت أصغر. لقد صار عمري يفوق عدد شعرات لحيتي ولكنني لم أتصوّر يومًا أن أكون الرجل المالك.

  دعوني أوضّح فكرتي فأنا لست هنا للحديث عن خفايا نفسي لأنّني لا أثق بكم كفاية، كما أنني لست هنا لأحدّثكم عن أنفسكم فأنا لا أحبّكم كفاية. بصراحة، وأنا أتكلّم بصراحة لأنّني أحبّها لا لتوجّب ذلك، أقول إنّكم كثيرون.

  نعم أعلم أنّ البعض قد لاحظ ذلك، ولكنّ بعضكم الآخر لا يدري ما معنى ذلك أصلاً. سأبيّن الفكرة بأن أشرح نقيضها: لقد كنت في البداية واحداً وأعلم أنني سأبقى إلى النهاية كذلك، ولكنّني قرّرت، لعلمي أنّ قراري نافذ، أن أملأ الوقت بين الحدثين، البداية والنهاية، وهذا هو سبب طلبي منكم بأن تجتمعوا في فناء بيتي المتواضع، ومتواضع، أقصد بها العظيم كما هو واضح للصفوف الأمامية منكم، على الأقلّ.

  كيف سأملأ الوقت؟ هذا ما عليكم معرفته. نعم، انظروا عن يمينكم وعن شمالكم كما تريدون. اسألوا من حولكم! تحركوا، فقد بدأ العدّ التنازليّ، وعندما ينتهي الزمان، سأكون هنا بانتظاركم. أو بالأحرى سأكون بانتظار تقاريركم.

  ـ …….

  ماذا؟ نعم، أنتم أحرار باختيار موضوع التقرير ولكن عليكم أن تعلموا بأنّ هذا التقرير سيحدّد هل سيدخل صاحبه بيتي أم أنه سيبقى خارجًا مع باقي الحيوانات. هل من أسئلة؟ نعم أنت هناك! اسأل!

  ـ ….

  حسنًا حسنًا، يمكن لكم أن تخترعوا أيّ سبب تريدون لتبرير ما أفعل، ولكم أن تخبروا به أولادكم وليخبروا أولادهم هم أيضًا.

  يمكن لكم أن تتّفقوا على قصّة معيّنة. مثلاً: تعال أنت هناك! نعم أنت هناك! ستمثل دور الشرّير..شرّير يعني من يجب أن نتألّم من الداخل كلما تمتعنا بالاقتراب منه. والآن اركض نحو الشمس..هيا! اركض! وأنت هناك! ستكون الخيّر..والخيّر هو من يلاحق الشرّير أينما ذهب. نعم أعلم أنّ هذا يعني أن الشرير هو من سيقوده ولكن لا يهمّ فأنتم ستتدبّرون هذا في قصصكم. كلّ هذا لا يهمّ، المهمّ أنّني سأبدأ بجمع التقارير عندما تتوقفون عن الجري وراء شرّيريكم.

  ـ …

  ماذا؟ لا تريد أن يكون هناك شرّير في حياتك!..مممم..حسنٌ إذاً سيكون تقريرك شائقًا على ما أظن، على كلٍّ حتى ولو لم تتوقفوا عن الجري فأنا سأبدأ بجمع التقارير عندما أنتهي من أطروحتي. نعم فأنا أحضر أطروحةً عن سلوك النبات عندما يتعرّض للشمس، أعتقد أنها ستعجبني عندما أدافع عنها أمامي، وستكون أطروحتي الوحيدة والأفضل.

  والآن انتشروا في هذه الأرض ولا تعودوا فأنا لن أجيب عن الأسئلة لأنني مشغول جدًا جدًا.

  بعد أيام قليلة كان هناك العديد من القصص يتداولها الناس عن سبب ما قاله صاحب الأطروحة. وبعد أسابيع قليلة، سمعنا أنّ أحدهم ذهب إلى بيته وسأله وأنه لم يطرد كما ظننا، بل عاد إلينا وفي يديه الكثير من الأوراق يقول إنه استلمها منه شخصيًا. تدافعنا للحصول على نسخة منها. وعندما نفدت، راح من غنم وفاز بها ينسخها بآلة الفوتوكوبي التي لدى صاحب الكشك حديث النعمة، ويبيع النسخة بمبلغ لا بأس به.

  بعد عدّة شهور، لم يعد أحدٌ يكتب شيئًا. نسينا تقاريرنا ولم نعد حتى نملك الوقت لكتابتها. انصرف بعضنا ليؤلف قصصًا تبرّر ما فعله صاحب الأطروحة ويحاول نشرها بيننا علّنا ننحت له صنماً أو نكتب اسمه في كتبنا. وحاول البعض الآخر أن يجد هذا الشرّير الذي أشار عليه صاحب الأطروحة ويقتله لينهي بذلك هذا الزمان. أمّا البقية منا فلم تعد تهتمّ بكل هذا. أصبح همّنا أن نجعل يومنا أغنى وحياتنا أجمل. ربّما ينتهي الزمان قبل أن نبدأ بالكتابة، وربما لا ينتهي الزمان، وربما يحصل ما ليس بالحسبان، كأن يقلع صاحب الأطروحة عن أطروحته. أتساءل ماذا سيصبح اسمه عندما سيتركها، فنحن لا نعرفه إلا باسم صاحب الأطروحة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق