وداد: نجمة الهجرة المعاكسة / الياس سحاب

1 ـ رحلت بهدوء في شهر شباط/فبراير المنصرم، صاحبة احد الاصوات القليلة المتبقية من العصر الذهبي للغناء العربي في القرن العشرين، المطربة الكبيرة وداد.

تنقسم الأصوات المتبقية من العصر الذهبي للغناء العربي الى فصيلتين:
÷ فصيلة مقبلة على الحياة الى درجة عدم الرغبة بالاعتراف بأن للحنجرة الغنائية عمراً افتراضياً قد يصل بصاحبه الى سن الشيخوخة الفنية قبل بلوغه سن الشيخوخة في حياته العامة. تماما كما يفترض في لاعب كرة القدم، مهما كان فذاً، ان يعتزل وهو في بداية الثلاثينيات من عمره، كحد اقصى، قبل ان يهبط اداؤه في الملعب عن المستوى الذي اشتهر به.
÷ وفصيلة تحس في الوقت المناسب، وبغريزة فنية رفيعة، ببداية زحف ملامح الشيخوخة الفنية الى الحنجرة، فتتوقف عن الغناء وتنسحب بهدوء، حتى لو امتد بها العمر، وحتى لو عانت من قسوة الشعور بنكران الجميل لدى الجمهور.
كانت وداد تنتمي الى هذه الفصيلة الثانية، متشبهة بالمطربة الكبيرة ليلى مراد التي اعتزلت فنياً وهي في الأربعين من عمرها، ومتشبهة بمثلها الاعلى في الفن محمد عبد الوهاب، الذي توقف عن الغناء قبل ثلاثين عاما من رحيله عن الدنيا، عندما شعر ان الشيخوخة بدأت تزحف الى اوتار حنجرته الذهبية.

2ـ لمعت وداد في عصر كانت فيه المعايير العامة التي يفرضها الجمهور لقبول اوراق اعتماد مطرب جديد ومطربة جديدة، معايير بالغة التشدد والتطلب. فوداد من الاصوات التي لمعت دون حاجة الى شبكة علاقات عامة تلفت النظر الى تميز صوتها وتميز ادائها، في عملية من عمليات التسويق الرائجة في هذه الايام، والتي تبلغ من القوة والسطوة احيانا، انها تنجح في ان تؤمن الشهرة لأصوات لا تملك اياً من مقومات الغناء.

الراحلة وداد كانت تمتلك صوتا يتميز بالشفافية والحساسية الهادئة والعميقة، المعتمدة على استخراج اعماق المشاعر الدفينة الى اوتار الحنجرة. ساعدها في ابراز هذه الموهبة التي تخلق مع الانسان او لا تخلق، تمرس قوي وفطري بمقامات الموسيقى العربية. وكان هذا التمرس يبدو واضحا سواء عند استمرارها في الغناء على مقام موسيقى معين، فتبدو كل جماليات هذا المقام مجلوة على احسن صورة في ادائها، او عندما تنتقل بين المقامات الموسيقية المختلفة، ببوصلة إحساسها البالغة الدقة. حتى أذكر انني قلما استمتعت بجماليات مقام النهاوند الشجي كما فعلت وأنا استمع الى أداء وداد للموشح الشهير «لما بدا يتثنى»، خاصة في الموال الرائع الذي قدمت به وداد الموشح.

3- ظروف حياة المطربة وداد (اسمها الاصلي بهية)، قادتها الى الاقتران بثلاث من العلامات البارزة في تاريخ الموسيقى العربية في القرن العشرين.

زوجها الاول عازف القانون الاشهر محمد عبده صالح، الذي يعتبر عازف القانون العربي الاول في القرن العشرين، والذي شارك في تنفيذ الحان لعمالقة الموسيقى العربية منذ النصف الاول من القرن العشرين، مثل القصبجي وعبد الوهاب وزكريا احمد ورياض السنباطي. والذي تحول الى قائد للفرقة الموسيقية التي ترافق ام كلثوم في حفلاتها الشهرية.
زوجها الثاني هو عبقري الزجل اللبناني عبد الجليل وهبي، الذي لعب دوراً تاريخياً تأسيسياً (مع رفاقه عمر الزعني وأسعد السبعلي وأسعد سابا)، في ولادة ظاهرة كتابة الشعر الغنائي في لبنان، باللهجة اللبنانية المحلية، بعد ان كانت اللهجة المصرية هي المعتمدة.

أما زوجها الثالث فهو الموسيقار توفيق الباشا الذي يعتبر عن حق قائد اوركسترا النهضة الموسيقية في المشرق العربي، حيث كان يعتمد عليه في تنفيذ الحانهم الطليعية الكبيرة كل من زكي ناصيف (يا بني امي) والأخوين رحباني (راجعون)، اضافة الى ما كان ينفذه من الحانه وصياغاته العصرية للموشحات التراثية.

ومن المؤكد، ان كل واحدة من هذه الزيجات الثلاث كان لها – في حينها – الأثر المباشر في تكوين وإنضاج حساسيتها ومهارتها في أدائها الغنائي.

4ـ يمكن اعتبار المطربة الكبيرة وداد، نجمة الهجرة الفنية المعاكسة من القاهرة الى بيروت. بعد ان كان السياق السائد هو هجرة اصحاب المواهب الغنائية من بيروت الى القاهرة، مثل لور دكاش ونور الهدى وصباح وسعاد محمد ونجاح سلام، وحتى وديع الصافي الذي جرب حظه في الظهور في السينما المصرية الغنائية.

وقد كان لهذه الظاهرة ابلغ الاثر في تكوين الشخصية الفنية المميزة لصوت وداد وأدائها. فبعد ان شربت من القاهرة كل مقومات النهضة الموسيقية والغنائية المعاصرة (من القرنين التاسع عشر والعشرين)، انتقلت الى لبنان في ظروف كانت تشهد ولادة النهضة الموسيقية العربية المشرقية بين الخمسينيات والسبعينيات.

وهكذا قدر لوداد ان تكون (الى جانب اصوات تاريخية مثل وديع الصافي وصباح وفيروز) بين الاصوات الكبيرة التي قامت عليها هذه النهضة الموسيقية الكبرى. فكان ان اعتمد حنجرة وداد لأداء ألحانهم ملحنون كبار مثل زكي ناصيف وتوفيق الباشا وسامي الصيداوي، وسواهم.

بين اجمل ما شدت به وداد من الحان هؤلاء، لا بد من التذكير بلحن كبير لزكي ناصيف (في وردة بين الوردات) وآخر لتوفيق الباشا (لي حبيب) اضافة الى أدائها المميز للصيغة المعاصرة لموشح «لما بدا يتثنى». اما سامي الصيداوي فلعله اكثر من اخترق بحساسيته المرهفة كملحن، اعماق الحساسية في حنجرة وداد كما في أدائها الغنائي، في اغنيات رائعة وشهيرة مثل «بتندم»، و«يا ناعم».

ولما تلبدت سماء الفن بأنماط هجينة من الغناء، وكان العمر قد تقدم بمطربتنا الكبيرة وداد، آثرت الانسحاب دون اي ضجة إعلامية، تماماً كما كانت تملأ دنيا الغناء الرفيع سنوات طويلة دون اي ضجة اعلامية. ومع ذلك، فقد جاء نبأ رحيلها المفاجئ صادماً، ينذرنا بأن الاصوات الغنائية المتبقية من العصر الذهبي، اصبحت تعد على اصابع اليدين، وربما اليد الواحدة.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق