“وداعاً يا ماردين” استخلاص العبر من تاريخ نتجاهله!

“إلى أمي

وإلى جميع الذين عانوا، ومن ثم سامحوا”

بهذه العبارة الإنسانية تفتتح الكاتبة هنرييت عبودي إهداء روايتها الملحمية “وداعاً يا ماردين”.. لتؤرخ وتروي في آنٍ معاً قصة عائلةٍ تصادف أن تكون عائلتها، وتصادف أن تكون ذات هوية مختلفة عن هوية “رجلٍ مريضٍ: الإمبراطورية العثمانية” دفعته شيخوخته وشعوره الغريزي بدنو أجله إلى ممارسة ما تبقى من ساديته وجبروته على أبنائه آنذاك مع إعلان الحرب العالمية الأولى سنة 1915 ولم تنتهي حتى انتهى هو نفسه!!!

قصة عائلة سريانية وادعة وعريقة من آل مسعود كانت تقطن في ماردين قبل أن يجتاحها الوباء العثماني الأسود، لتجد نفسها أمام واحدةٍ من أبشع مجازر القرن العشرين التي هدفت إلى إبادة الآخر لا لشيء سوى لأنه “آخر”!!! وتفرّق الناجون من العائلة الواحدة بين حلب والموصل وسنجار وتشيلي وبيروت والإسكندرية.

يُجبرك أسلوب الكاتبة على الانتماء إلى أسرة مسعود لترحل معها قسراً في أوديسة الألم، ورغم ذلك وبلحظات كالمعجزة تستطيع كلماتها أن تسرق بضع لحظاتٍ من الأفراح الصغيرة!

في لحظات القهر والظلم الذي لن يجد له المظلوم تفسيراً أبداً، عندما يرى بشراً تنزع جلدها وتشحذ أظافرها وتسنّ أنيابها لتنقض كالوحوش على أناس لا ذنب لهم سوى أنهم ظنوا أنفسهم مواطنين في إمبراطورية سلطت وحوشها المسعورة لتعيث قتلاً واغتصاباً وتمثيلاً ونهباً وتبيع الأطفال الأيتام في مزاداتٍ علنية!!! وفي تساؤلٍ طفولي تتجرأ الطفلة لطيفة (والدة الكاتبة) التي فقدت شقيقها الأكبر ممدوحاً وزوجته اللذان ذبحا في بلدة المنصورية، فتطرح أسئلتها بعد أن أعيتها إجابة الكبار في نسب كل ما يحدث إلى “مشيئة الله”، وهي “العبارة التي يلجأ إليها الكبار كلما استحال عليهم فهم أمر أو تبريره”! فلئن قُتل ممدوح وزوجته، فتلك مشيئة الله، ولئن ذُبح الأطفال على مرأى من أهلهم، فتلك مشيئة الله؛ ولئن سيق البشر كالبهائم وأُذلّوا وعُذبّوا قبل أن يموتوا تعباً وجوعاً، أو يُذبحوا، أو يُرموا بالرصاص الواحد تلو الآخر، فتلك أيضاً مشيئة الله…أمرٌ لا يُصدق! فهي إن ارتكبت أبسط هفوة، استحقت عليها توبيخاً، وكم بالأحرى إن أخطأت أو اقترفت ذنباً. فلماذا يُحاسب الصغار ولايُحاسب….” وعندما تجرأت على إتمام عبارتها في حضور -شقيقتها الكبرى- أديبة استحقت منها صفعة على وجهها كاد يطيش بها صوابها. لذلك ما عادت تغامر بأن “تنطق كفراً” كما تقول شقيقتها، حتى عندما تكون بمفردها، حتى عندما لا يسمعها أحد” (ص 212).

لكن رغم الألم فإن الكاتبة تلتزم بالرسالة الإنسانية المرجوة من هذه الرواية لاستخلاص العبر من تاريخ وتفادي تكراره تقول هنرييت عبودي في تقديم روايتها-تاريخها: “عندما كنت أصغي إلى الفواجع التي ألمّت بهم، ترويها عليّ خالة مسنّة كانت في عداد من هاجر إلى حلب واستقر فيها، كنت، رغم تأثري الشديد بكل ما أسمع، أشعر أنّ هذه المآسي هي ملك ماضٍ ذهب إلى غير رجعة، أفلم نكن نردّد، منتشين “الدين لله والوطن للجميع”، ساخرين من الطائفية، محيلينها، في أذهاننا، إلى متحف التاريخ؟ ولكنّ أحداث بنان جاءت لتوقظنا من حلمنا الجميل! فقد عاد ” القتل على الهوية” يحصد الضحايا البريئة”؛ في بلاد الأرز أولاً، وفي بلاد الرافدين والعديد من الأقطار العربية لاحقاً. وما عادت آلة القتل تكتفي باستهداف التمايز الديني، بل غدت تبحث عن وقودها في التمايز الطائفي داخل الدين الواحد، وهي لاتني تزداد شراسة وضراوة حتى غدا شبه مستحيل أن ينقضي يوم واحد بدون أن نسمع عن سقوط ضحايا لم تقترف من ذنب سوى أنها تمثل “الآخر” الذي أمسى ممقوتاً لأسباب يتأبى العقل عن فهمها، فكم بالأحرى عن المصادقة عليها” (ص 8).

 انطلاقاً من هذه الرسالة الإنسانية السامية تكتب هنرييت عن مسلمين شرفاء حمى بعضهم المسيحيين وآخرون دفعوا حياتهم ثمناً لذلك كقائمقام ديريك الذي حاول تفادي تنفيذ إرادة والي ديار بكر رشيد السفاح “بتصفية سائر سكان بلدته من النصارى أي ما يقارب من ألف شخص جلهم من الأرمن، وبعضهم من السريان والكلدان”، فأعلن القائمقام “أنه لن يحرّك ساكناً ما لم يصله أمر خطي، فكان أن استدعاه رشيد إلى ديار بكر وأرسل من يغتاله وهو في طريقه إليه. وقد توج الوالي جريمته بأن ادعى بأن الأرمن هم الذين قتلوا القائمقام، فاستباح دمهم واستولى على أموالهم. كهنة ديريك لم يُذبحوا، أسوة بإخوانهم في بقية الولايات الشرقية، وإنّما شنقوا.عُلقوا على الأعواد كأنهم من مجرمي الحق العام”(ص 74). ومن الشخصيات الإنسانية الشريفة الشيخ صقر من قبيلة شمّر والشيخ مصطفى حمدان شيخ قبيلة المشكاوية التي تعهدت بحماية مسيحيي ماردين منذ أحداث (1895) الدموية، وتذكرنا هذه الشخصيات بشخصية ودور الأمير النبيل عبد القادر الجزائري وقواته في حماية المسيحيين، أو من تبقى منهم، إثر هجمات الرعاع المتعصبين أثناء الحرب الأهلية التي اندلعت في دمشق في تموز من سنة (1860).

 حاول الشيخ مصطفى حمدان دون جدوى إقناع أسقف الأرمن آنذاك الأسقف مالويان بمغادرة ماردين بعد أن تناهى إلى مسمعه خطة قائد الشرطة ممدوح القاضية” باقتحام مقر المطرانية بحجة البحث عن أسلحة، “العثور” على بندقية أو علبة خرطوش يكون أحد معاونيه قد دسّها خلسةً في مكانٍ معينٍ ، وإلقاء القبض، من ثم، على الأسقف المسالم بتهمة التآمر على السلطات وتعريض أمن الدولة للخطر…” (ص76) وفي مقطعٍ مشابه ” أقدمت عناصر من ميليشيا “الخمسين” على اقتحام مطرانية السريان الكاثوليك بحجة البحث عن أسلحة مخبأة، وبعد أن عاثت فيها فساداً توجهت إلى المقبرة، ففتحت القبور ونبشت ما فيها، وحفت ونقّبت من دون أن تهتدي إلى رصاصةٍ واحدة. وغدت “حملات البحث عن الأسلحة” مطيّة القتلة للفتك بالأبرياء. يقتحمون البيوت الآمنة عنوةً، يطالبون أهلها بتسليم أسلحةٍ لاوجود لها، ويعاقبونهم على “عدم استجابتهم لإرادة السلطة” بالسلب والاغتصاب، والقتل” (ص-75) 

كما تتناول الرواية الدور المخيف والقذر الذي لعبته عصابة “الشتوات” سنة (1915) وهي ميليشيا شكلها الوالي المذكور رشيد وقوامها ألف عنصر وضعت تحت إمرة جميل زادة مصطفى أحد المسؤولين المباشرين عن مجازر الأرمن سنة (1895)م!!! ويبدو أنّ سياسة تشكيل مثل هذه العصابات الإجرامية من المرتزقة مازالت حية في البلاد العربية حيث ” إنّ حثالة الولاية من نصابين إلى قطاعي طرق إلى قتلة راحت تتبارى للانضواء تحت راية هذه الميليشيا، وقد أفادنا دركي من ديار بكر أن بعض السفلة قد عرضوا دفع خمسمائة ليرة عثملية عدّاً ونقداً لقاء تطويعهم في هذه الميليشيا” أما السبب الكامن وراء دفع هذا المبلغ الطائل “فلأنهم سوف يجنون أضعاف ما دفعوا، قال؛ لأنهم سيسلبون، وينهبون، ويأكلون الأخضر واليابس بحجة الدفاع عن أمن الإمبراطورية؛ لأنهم لن يدعوا متلكية واحدة في جيب أرمني، ولارغيفاً واحداً على مائدته، ولاثوباً على ظهره؛ لأنهم سيبيعون الناس ويشترونها، وسيغمسون مدياتهم في أعناق الأبرياء، ليكن الله في عوننا!!…” (ص 25) لكنّ الله لم يكن في عون أحد!

عند قراءة بعض تفاصيل المجازر التي تفوق التصور واللحظات الأخيرة للضحايا التي استقتها الكاتبة من الوثائق التاريخية وشهادات الناجين من أسرتها، توشك مراراً على إغلاق دفتي الكتاب لتفرّ بعيداً وتتفادى تخيل عيني الضحية، لكنّ شعوراً خفياً وضميراً إنسانياً مازال حياً، وإن تفاوتت درجات يقظته بين الناس، يمسك بيدك ويفتح الكتاب أمامك مجدداً ويجبرك “طوعاً” على إكمال الحكاية- المأساة لنتعلم من أخطائنا ونعترف بأننا قد أفسدنا وأخطأنا وشوهنا جوهر الحياة الإنسانية، وأن تجاهل التاريخ المآساوي ليس حلاً لمشكلاتنا بقدر ما أن نقده وتوثيقه يشكل دافعاً يعزز أسس المواطنة الحقة والدولة المدنية التي لاتميز بين أفرادها!

وتجدر الإشارة بأنّ إجمالي عدد الضحايا من السريان، في سلسلة الاضطهادات والمجازر التي شهدها الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، يقدر بأكثر من خمسمائة ألف! (ص-9). وليس غريباً أن تقوم هنرييت نفسها بترجمة رسالة التنوير الإنسانية العظيمة “رسالة في التسامح” لفيلسوف التسامح فولتير ضمن مشروعها الإنساني في التنوير وتعزيز قيم التسامح والمواطنة في العالم العربي.

 

هنرييت عبودي: وداعاً يا ماردين، الناشر دار بترا – دمشق/ دار الفرات بيروت الطبعة الأولى، 2009.

المصدر : موقع  Frog من أجل رؤية شبابية حرة

http://ourfrog.net

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق