وداعا ماما أفريكا! عبد السلام الككلي

أسكت الموت – ولن يفعل – الصوت الجميل وهو يغني ضد عصابات المافيا في ايطاليا وغير ايطاليا، ضد رموز الموت وتحالف الشر. توفيت بعد ساعات فقط من إحيائها لحفل غنائي أقيم قرب مدينة كاسيرتا الايطالية الجنوبية للتضامن مع الكاتب روبرتو سافيانو مؤلف كتاب فضح فيه مافيا كامورا وتعرض نتيجة ذلك للملاحقة والتهديد.

توقف القلب الذي دق طوال 76 عاما بعد إن ارتعشت لارتعاشاته آلاف القلوب الحالمة بعالم لا ابيض ولا اسود فيه. بل في سويدائه بشر يعيشون ويموتون من أجل عالم أرحب يتسع لكل الألوان. إنها مريام ماكيبا…

سمراء كلون افريقيا التي أخلصت لها. لم تغادرها أبدا حتى وهي في غياهب المنفى الذي دفع بها إليه الطغاة، اولئك الذين يجتثون الحياة اجتثاثا ويسكتون الأصوات الجميلة القادمة من غابات وأحراش القارة السمراء. حين كنا صغارا كانت تخرج الإلاهة الصغيرة على شاشاتنا بالأبيض والأسود. فتلون وحدها وبكل الألوان الحارة وهي تهتز وتتمايل مساحات وجداننا الغض. لم نكن نفهم شيئا كثيرا مما كانت تقوله أو تغنيه ولكننا كنا نحس إحساسا دافئا بان وراء الكلمات الغامضة شيئا ما يسحرنا لم نكن نجده في فيروز التي أحببناها ولا في أم كلثوم التي درجنا على عشقها. كان العالم يبدو في عيون شبابها في ذلك الوقت فتنة وسحرا وكانت آفاق المستقبل تبدو أقل كآبة وبؤسا. تلونت الصورة بعد ذلك وتحددت المسيرة التي دفعتها الى المنافي طوال 31 عاماً، وقادتها من غينيا الى بلجيكا، ومن الجزائر إلى بغداد، مروراً بالولايات المتحدة حيث كانت زوجة لزعيم حركة «الفهود السود» ستوكلي كارمايكل. لاحقها الموت ولكن فتح عينيها على واقع افريقيا القاسي .

كان ذلك حين حاولت الرجوع إلى بلدها لحضور جنازة والدتها، فاكتشفت أن النظام العنصري السابق في جنوب أفريقيا جردها من الجنسية بسبب اشتراكها في فيلم «عد إلى أفريقيا» ومنعها من العودة. كما منع أغنياتها من التداول العلني. ورغم سنوات النفي وابتعادها عن مسقط رأسها، فإن العديد من دول أفريقيا كانت وطناً لها، ومنحتها جوازات سفر تكريماً لموهبتها ونضالها.. بدأت ماكيبا حياتها الفنية منشدة في فريق «مانهاتن براذرز» وهي دون العشرين. وكتبت أشهر أغنياتها «باتا باتا» التي سجلت نجاحاً عالمياً ونقلتها عنها المغنية الفرنسية سيلفي فارتان. وفي عام 1965 حصلت على جائزة «غرامي» مع رفيقها في الغناء هاري بيلافونتي. وكانت أول مغنية سوداء تنال هذا التكريم. وانتقلت في ستينات القرن الماضي لتقيم بالولايات المتحدة، وتزوجت ستوكلي كارمايكل بعد أن جمعهما النضال من أجل مساواة السود بالبيض في الحقوق المدنية. وسبب لها نشاطها متاعبَ مع السلطات، فغادرت الى غينيا واستقرت فيها. وطافت ماكيبا مسارح العالم تغني لحركات التحرر من الاستعمار.

ووقفت أمام الجماهير في الجزائر لتغني بالعربية وتهتف مع الآلاف «أنا حرة في الجزائر». كما سافرت مع زوجها كارمايكل إلى بغداد، أوائل سبعينات القرن الماضي، أيام الجبهة الوطنية، وقدمت حفلة في قاعة الخلد حضرها جمهور يتعرف، أغلبه، على الأغنية الأفريقية للمرة الأولى. وفي عام 1990، بعد خمس سنوات من تكريم الرئيس فرانسوا ميتران لها بتقليدها وسام الشرف الفرنسي من رتبة فارس في الفنون والآداب، حصلت على الجنسية الفرنسية، لكن الرئيس مانديلا أقنعها بالعودة الى موطنها في جنوب أفريقيا، بعد سقوط نظام التمييز العنصري.

لقد تجاوزت ماكيبا في ذهن كل إفريقي صفة فنانة لتقترب من مرتبة الرمز السياسي إذ لم تكن تغني فقط بل كانت تحكي وتتكلم وتقاوم كمواطنة افريقية وكونية عرفت معنى الجوع لأنها جاءت من بيئة الفقر والحاجة ولم تتنكر رغم الشهرة والمجد لجياع إفريقيا فتعهدت بالوقوف إلى جانبهم من خلال النضال اليومي كسفيرة لمنظمة الأغذية والزراعة. ولكنها كانت تتكلم أيضا كامرأة وتصرخ بملء صوتها النسوى الجميل في وجه أولئك الرجال الذين يغتصبون النساء وتقول لهم ” نحن أخواتكم وبناتكم. توقفوا! أرجوكم لا تقوموا بذلك.”

أحسّت ماكيبا بالموت في آخر أيام حياتها يدب إلى الأوصال المتعبة وينخر الحنجرة الإلهية . فحددت بدقة موطنها الأخير الذي جاءت منه لتعود إليه غير آسفة على شيء. ففي 2005، قامت بجولتها الأخيرة في العالم وقالت حينها “يجب أن اذهب إلى العالم لأشكره وأودعه.. بعد ذلك سأبقى في بيتي مثل جدة.. وأريد ان ينثر رمادي في المحيط الهندي لأتمكن من الإبحار مجددا إلى كل بلاد الدنيا “.

نعم، ماما أفريكا ، لقد جئت من الأوساع وستعودين إليها. أبحرت فينا وفي عذاباتنا وعلمتنا أن الفن تتسع له المسارح والقاعات للمتعة والحلم ولكنه يتسع هو أيضا ليحتضن في رحابه المظلومين والجياع والمغتصبات ليمحو الحدود بين القارات والعوالم المتباعدة. لقد جاءت ماكيبا من العالم الرحب واختارت إن تعود إليه لتستقر روحها في احد المحيطات ثم لتنتقل من هناك إلى حيث تستقبل الجماهير صوتها وهي في ذرات الكون مثلما كانت تستقبله جسدا حيا نابضا متعاليا متمردا على كل ما يشد الإنسان إلى بربريته البغيضة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق